|
أصارحك أني سررت برسالتك لأنها تبين مدى وجود أناس طيبين كوالدك ووالدتك وكذلك أناس
يميلون إلى التعقل أكثر من الطيبة كإخوتك, ربما بسبب علمهم بصعوبة التربية في هذه
الأيام, وأن انشغالك ببيتين سوف يجعلك تخسر أحدهما, لأن الزواج الثاني أصبح له
تبعات شديدة لم تكن موجودة في السابق, فليست المشكلة في الإنفاق على البيتين
بالعدل, بل هي العدل في كافة الحقوق المعنوية والمادية إضافة إلى تعقد الحياة التي
أصبحت تقتضي مشاركة تامة من الأبوين في التربية وليس كما كان الحال في الماضي عندما
كانت الأم وحدها هي من يتعهد بالتربية.
بعد هذه المقدمة لا بد أن أخبرك أيضا أنه ورغم وضوحك
التام في عرض مشكلتك, فإني لا أستطيع أن أختار لك,
فأنت أدرى بظروفك, لكن ما أنصحك به فقط أن تتوقع
الأسوأ في كل أمر كي تحتاط له.
فعلى صعيد السيدة الأرملة, فالتوقع الأسوأ أنها سوف
ترفض الزواج كي تربي طفلتيها, لذلك عليك أن تستعد لذلك
بتوثيق عرى صداقتك مع والدها ومن تعرفه من أقاربها,
شرط أن تكون مدركا لإمكانياتك في احتواء طفلتيها معها,
بحيث تكون كالشجرة المورقة والتي يستظل بفيئها زوجتان
وطفلتان من كل منهما, هذا من جهة, ومن جهة أخرى فقد
يكون رفضها باتا وقطعيا إذا كانت تخاف من وقوع ظلم على
الطفلتين منك لأنك زوج أم وليس أبا حقيقيا, وهنا يسهل
عليك تبديد مخاوفها إذا كنت صادقا معها ملتزما بما
يقتضيه ديننا من رعاية الأيتام وكفالتهم, فقد وعد
النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون كافل اليتيم بقربه
في الجنة, فهنيئا لك إن حرت هذه الدرجة.
لكن الخوف الذي قد تعاني منه هذه السيدة قد لا يكون
منك أنت, بل من أعمام الطفلتين أو أقارب والدهما, حيث
أن المتعارف عليه أن الوصي على الولد بعد وفاة أبيه
يكون الأقرب لأبيه كالجد والعم, ولا أدري عن القوانين
في بلدك, لكن قد تكون مانعة حضانة الأم لطفلها أو
طفلتها إذا تزوجت انطلاقا من قول الرسول عليه الصلاة
والسلام لامرأة طلقها زوجها:(أنت أحق به ما لم تنكحي),
ومع أن ابن حزم في كتابه المحلى رد الفتوى القائلة
بفوات حق الأم في الحضانة إذا تزوجت بعد الأب, فأعتقد
أن المعمول به في كثير من بلادنا العربية يدل على
اختلاط كبير بين مفهوم الحضانة ومفهوم الوصاية, في
حالة المرأة المطلقة والأرملة, فالمرأة تستطيع أن تبقى
حاضنة لطفلها إذا تزوجت, بينما يبقى الوصي عليه أبوه
أو من يقوم مقامه في حال وفاته, وقد يكون هذا الخوف هو
الدافع لعدم زواج أخت هذه السيدة حرصا على أطفالها أن
يسلبهم إياها أحد.
الأمر الذي يجب أن يخيفك أنت شخصيا هو موقف زوجتك إذا
فكرت بالزواج من غيرها فعلا سواء وقع اختيارك على هذه
السيدة أو غيرها, بأن تطلب الطلاق, فالشرع لا يمنعها
من طلب الطلاق للضرر, ولكن ما الذي سوف يحصل لطفلتيك؟
هذا ما يحتاج تفكيرا شديدا منك وعملا دؤوبا أيضا, وإذا
سألتني عن رأيي الشخصي فأنا حقيقة لا أحبذ الزواج
الثاني للرجل في هذه الأيام, لكني أعلم أن الله لم
يشرعه إلا لحكمة, وأعتقد أن الزواج من أرملة لإعفافها
وإعانتها على تربية أطفالها الأيتام فيه ثواب كبير,
فإذا كنت ترى أن زوجتك سوف تبقى على تمنعها من الجماع
بدون سبب وجيه من طرفها, فأنا من رأي والدك الكريم بأن
تتزوج أرملة أو مطلقة, سواء كانت مع أطفال أو بدونهم.
قد يكون من الأفضل في البداية أن تحسن التفاهم مع
زوجتك, وأن تبحث عن السبب الذي يحول دون رغبتها بك,
فهل السبب منك أنت لأنك لا تعطيها حقها في الملاطفة
نهارا والمداعبة ليلا؟ قد تكون زوجتك خجولة وتستحي أن
تصارحك بتقصيرك, فأنصحك أن تبحثه معها بصراحة وشفافية
وبدون حساسية.
مما يجعلني أرجح هذا الرأي هو أنك من النوع العملي
المهتم بالمال وكسب النقود, وهذا ليس عيبا ولا حراما
أبدا, بل أدعو الله أن يرزقك الحلال, ويبارك لك في
مالك, ولكن ربما كان انشغالك بالمال سببا في تقصير
زوجتك عن الفراش, فاصنع بينك وبينها جسور محبة في
النهار كي تمكنك من نفسها في الليل.
على كل حال أنت ذكرت أنك عرضتها على طبيبة نساء
وولادة, فإذا لم تستطع الوصول إلى نتيجة رغم بذل السبل
من صراحة مع الزوجة واهتمام بها, فاعمل على عرضها على
أخصائية نفسية أو أخصائية نفسية جنسية لعلها تصل إلى
سبب تمنعها, فربما لم تستطع أن تصارح الطبيب النفسي
كما لو كان طبيبة أنثى.
ملخص الإجابة أنه يجب أن تفعل كل ما بوسعك للبقاء على
زوجة واحدة شرط أن يكون الطريق الجسدي سالكا بينكما كي
تكون النفوس راضية ومتواصلة, إذ لا يمكن التغاضي عن
الفعالية الجنسية في الحياة الزوجية, خاصة لمن كان في
سن الشباب مثلك, وإلا فإن الزواج الثاني ممكن لكن بعد
استرضاء خاطر الزوجة الأولى فذلك أفضل للحفاظ على
الأسرة.
إسلام أنلاين
13/11/2007 |