|
أهلا وسهلا بك وبصراحتك مع نفسك ومعنا بأنك تأخرت كثيرا, ولا أستطيع أن أقول أمام
مشكلة من هذا النوع إلا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأصارحك أنني - بسبب تأثري بتأخرك في إنقاذ أولادك -
لم أستطع أن أرد عليك بسرعة كما أفعل مع أصحاب
المشكلات الأخرى, لأني خشيت أن تنطلق مني بعض الكلمات
الجارحة في حقك نتيجة لما أعتبره تجاهلا لأمومتك
وإهمالا لأولادك وتغييبا لمسؤوليتك عنهم.
لطالما ذكرت أن الطلاق ما كان أبغض الحلال إلى الله –
صح الحديث أم لم يصح فإن الطلاق يبقى بغيضا جدا – إلا
لتأثيره السيئ على نفسيات الأطفال وتكوين شخصياتهم,
والحقيقة هي إن الأبوين لا يتحملان وحدهما وزر هذا
التأثير بل تتحمله مجتمعاتنا البعيدة عن أخلاق
الإسلام, والخالية من التكاتف الأسري, والنابذة وراء
ظهرها أعظم المبادئ التي أنزلها الله في قرآنه والتي
ساوى بين تركها وبين الكفر ألا وهي صلة الرحم, (فهل
عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؟)
فكيف ترضى السيدة والدتك أن تتخلي عن أولادك الذين هم
جزء منك؟ وكيف ترضى الأم أن تقتلع عيناً من رأسها فكيف
إذا كانت تقتلع قلباً من صدرها؟
اعذريني بالله عليك, فوالله ما عرفت كائناً أغلى على
الأم من أبنائها, والله يعلم أن دموعي تذرف وأنا أخط
لك هذا الرد, فأنا أعرف ماذا يعني أن تترك الأم
أطفالها وقد قصصت تجربتي الشخصية في إحدى مقالاتي
عندما تركت طفليّ بعمر ثلاث سنوات ونصف وعمر سنة ونصف,
لظروف العمل, ولقد أكرمني الله بأن اجتمعت بهم بعد مدة
ليست طويلة, ؛ وهذا المثال من حياتي الشخصية كي أؤكد
لك على أني أفهم مشكلتك جيدا, ولأسألك: من يستطيع أن
يحرم الأم من أولادها بعد أن شرع الله لها حضانتهم حتى
يكبروا ويختاروا لأنفسهم؟
أختي الكريمة كي لا نضع اللوم على والدتك فأنت تدركين
سلبيتك أمامها, وعذرها أنها لا تستطيع أن تنفق عليهم,
أسألك: هل عدمت عملا أختي كي تستطيعي الإنفاق على
أولادك في حال لم يكن أبوهم ينفق عليهم بما يكفي؟
والله يا أختي إن القطة تمسك أطفالها بأسنانها وتنقلهم
من مكان لمكان ولا تدعهم للجوع والخوف, وإن بعض الطيور
لتذبح نفسها أمام أطفالها لتنهش أحشاءها إذا فقدت
الصغار الطعام, ولقد أخبرنا الرسول عليه الصلاة
والسلام بأن الله أنزل جزءا من رحمته على هذه الأرض
واحتفظ لنفسه = جل وعلا – بتسعة وتسعين جزءا, ومن ذلك
الجزء ترفع الدابة حافرها عن ولدها حتى لا تدوسه,
فلماذا تأخرت كل هذا الوقت يا أختي؟
سبع سنوات وأولادك في كنف امرأة أخرى, يبدو أن الله لم
يرزقها من الرحمة قطرة, فالجئي إلى الله أولا ليلهمك
رشدك فيما تفعلين وكيف تتصرفين واسأليه أن يقدر لك
الخير ولأولادك.
هذا اللجوء يعينك كي تكوني هادئة واثقة بالله أنه لن
يضيعك, وناقشي الأمر مع والد أطفالك, فإن كان لا يبالي
بما يجري لهم, ففاوضيه أن يعطيك أولادك كي تعتني بهم,
وإذا استطعت أن تصلي لحقوقهم عليه بالإنفاق وهم معك,
فهذا سوف يساعدك, وإلا فلتبحثي عن عمل يمكنك من
الإنفاق عليهم, وإلا فإن آخر الحلول أن تعودي لزوجك
وتتقبليه كما هو من أجل أولادك, ولك أن تتنازلي عن حقك
الجنسي للزوجة الأخرى, مقابل أن تكف شرها عنك وعن
أولادك.
ابحثي عن استقلالك عن أهلك, وكذلك عن استقلالك عن
طليقك, وذلك بالبحث عن مصدر دخل ومورد رزق, واسألي
الله من فضله وهو سبحانه لا ينسى من فضله أحدا, وفي
حالة تأخر فضله عليك لحكمة منه سبحانه تجهلينها, فلا
تتأخري بإنقاذ ما يمكنك إنقاذه من نفسيات أطفالك, فأنت
عنهم مسؤولة أمام الله, وفي حال تعنت طليقك فلا مانع
من طلب مساعدة شخص حكيم في العائلة, وقد تحتاجين
استشارة محام, فانظري في أمرك جيدا وأمر أولادك الذين
هم أجزاء من قلبك.
كنا نقول سابقا أن القوامة تعني أن الرجل هو قبطان
السفينة, أما الآن ومع قلة النخوة في الرجال, إلا من
رحم ربي, فإن المرأة المتزوجة – أو التي على وشك
الزواج - يتوجب عليها أن تعلم أن القارب الأسري يحتاج
اثنين للتجديف من أجل الوصول به إلى بر الأمان, فإن
تراخى الرجل وتخلى عن مهمته فلتتعلم المرأة كيف تكون
قوية وتمسك بمجداف آخر, ثم هي بالخيار: إما أن "تخلع"
ذلك الرجل غير الأمين وترميه من القارب غير مبالية به
ما دام يعيق مسيرة الأولاد التطورية, أو أن تبقيه حتى
لو مجرد صورة في إطار على أنها بقية من أبوة إذا كان
ذلك أفضل لتوازن الأولاد النفسي.
إسلام أنلاين 24/10/2007 |