الصفحة الرئيسية
  
قـصــة
 

هذه قصة حبي

 

لطالما وصفت نفسها أنها معجونة بماء الحب، كان ذلك في الأيام الغابرة عندما كانت أصغر سنًّا وأكثر شبابًا.. إذ لم تكن ترى للحياة معنى دون حب.

لكن هل يعقل ما حدث لها وقد تجاوزت سن الشباب وبدأت خطواتها نحو الكهولة؟‍‍!

هل ما زالت قادرة على الحب كما كانت من قبل، رغم أن بياض الشعر الذي يعلو رأسها أكثر من سواده؟! أم أن طاقات الحب لا تنفد وشلالاته لا تنضب وعطاءاته لا تتوقف؟!

ثم ألن يشك السامع في قدراتها العقلية إذا قالت: إنها أحبته دون أن تعرفه وجهًا لوجه؟!

نعم، إنها لا تعرف عنه شيئًا سوى أفكاره التي يبثها هنا وهناك، لكنها تتخيله بلحمه ودمه، وتشعر أنها بحاجة إلى أن تختلط بعصبه وعظمه، وتريد أن تكون جزءًا من نبض قلبه ونسيج روحه، فماذا تفعل؟

كان فضولها يدفعها باتجاهه، لكنها حذرة جدًّا من ردة فعل غير متوقعة، قد تشكل صدمة جديدة في حياتها، ورغم أن قلبها قد اعتاد على الصدمات لدرجة أنها لم تعد تبالي بها، لكنها معه لا تريد أن تخسر، نعم إنها تريد أن تربح هذه المرة، إنها لا تريد شيئًا كثيرًا، فقط هي تريد أن تعرفه أكثر، فقد كان صدقه غريبًا في عالمها الكاذب، كما أن حماسه المشتعل يلهبها في زمنها الفاتر، ولم تكن تستطيع منع نفسها من التساؤل: كيف يمكن أن يؤثر فيها أحد بكلماته وأفكاره - وهي التي خبرت الحياة وعركتها وعرفتها على حقيقتها - إذا لم يكن أقدر منها روحًا وفكرًا؟!

لم تجد نفسها جبانة كما تجد نفسها أمامه، لكن هل هي جبانة أم حذرة؟ مجرد الاقتراب منه كان حلمًا بعيد المنال بالنسبة لها، وقد حدثتها نفسها أنها أمام نجم، ونصحتها أن الاستضاءة بنوره خير من الاحتراق بناره، فلتبق بعيدة، ولتلزم حدودها فالعاقل من عرف حده فوقف عنده.

ولكنها مع ذلك تجد نفسها مأخوذة به، فما العمل؟! هناك ما يجذبها إليه بكل قوة، هل هو الإعجاب؟ أم الفضول وحب المعرفة؟ إنها تؤمن بالقضاء والقدر إلى أبعد حد، ومن حكمها المفضلة: (ما كان لك آتيك على ضعفك، وما كان لغيرك فلن تناله بقوتك)، وهي تعرف أن عليها الأخذ بما تستطيعه من أسباب ثم لتترك تدبير الأمور إلى الخالق عز وجل. كما أن الحياة علمتها أن النية الصادقة أحيانًا تكفي إذا لم يكن لديها من الأسباب سواها؛ ولعل من ميزاتها أنها صادقة مع نفسها، ثم إنها تستطيع أن تعبر عن مشاعرها بسهولة متناهية، ولا ترى في ذلك أية غضاضة أو حرج، فهي لا تعبر عن الكره لأنها لا تعرف الكره، ومن ذا الذي يسوؤه تعبيرها عن حبها له وإعجابها به؟!

وبقي ذلك السؤال يراودها: "كيف أجذب انتباهه إلي؟ كيف أجعله يتساءل: من هي كما أتساءل من هو؟" لم تكن تريد أبعد من ذلك أبدًا، فقط تريد أن تعرفه ويعرفها.

لم تكن تدري أن القدر قد رتب لها شيئًا أكبر من كل طموحاتها وأجمل من كل تصوراتها وأحلى من كل خيالاتها، فذات يوم قرأت إحدى مقالاته المؤثرة، وشعرت بكمِّ الصدق الهائل في كلماته، حتى كأنها تسمع صوته مبحوحًا من الأسى الذي يعتلج في قلبه، تمنت عندها أن لو كانت إلى جانبه تمسح أحزان قلبه وتخفف آلام روحه، ففتحت بريدها، وخطت له رسالة شرحت له فيها أنها معه بقلبها وروحها، كانت تغرف من بحر عاطفتها وتغدق عليه حبًّا وحنانا، وهي إذ تعطي في الحب، فعطاؤها لا حدود له!

سالت كلماتها عذبة في نفسه، فكتب لها: "بالله عليك، من أين أتيت بهذه الكلمات المتدفقة التي تشد من الأزر وتربت على القلب وتمسح الروح المتعبة من صعوبة الطريق وقلة الرفيق؟

من أي ركن في غرف قلبك أم ثنايا روحك خرجت هذه الكلمات؟

أغرقيني أيتها الغيمة المثقلة بالعطاء لترتوي أيامي وتستيقظ روحي، لتحلق في السموات بلا حدود.. بلا حدود".

لم تسعدها رسالة في حياتها كما أسعدتها رسالته، فاستجمعت شجاعتها وكتبت له: "إذا كنتُ أنا ينبوعًا متدفقًا بالعواطف، فأنت شلال هادر بالأفكار، بحر زاخر باللآلئ، وأحتاج إلى وقت أكبر لأسبح في تيار فكرك، وأغوص في أعماق روحك، وأقطف الدر من أصداف قلبك، فمتى أحصل على هذه السعادة؟ متى سأبدأ؟

أنا عفوية جدًّا، صادقة كذلك، لا أستطيع أن أكون إلا كما أنا، قد أخفي نفسي عمن لا يفهمني، أما أمامك فكيف أخفي نفسي وأنت تستطيع تحليلي وتشريحي جزءًا جزءًا؟ كيف عرفت أنني أحب العطاء؟!

لا أستطيع أن أعيش دون حب يملأ وجداني، أشعر أن حياتي مملة ورتيبة لأبعد الحدود، أريدك أنت أن تغرقني بكلماتك الساحرة، فهي تخفف من آلام روحي كثيرًا، تشعرني بالأمان في هذا العالم المتأرجح، تمنحني الثقة لأستمر بين هؤلاء الناس المذبذبين، فلا تبخل عليَّ، أنا فعلاً بحاجة إلى صديق".

وأخذت الرسائل تتوالى، كلمات من الفكر والقلب، ولكن هل تكفي الكلمات أم لا بد من اللقاء؟

كتب لها: "اللقاء سيرفع الالتباس، ويمنح المشاعر عشًّا تعود إليه بعد كل لقاء، وها هو الشتاء ينسحب بعد أن أثبت وجوده هذا العام بأمطار وصقيع، ويتقدم الربيع واثقًا وواعدًا بتجديد أوراق الشجر، وحكايات السفر، وعطايا القدر، هل أزورك أنا؟".

أجابت: "ليس عندي مانع من لقائك في البر أو البحر أو الجو، ولكن كيف، وأين، وأنت في بلد وأنا في آخر؟! لماذا لا نبقى مجرد أرواح تتفاهم، وقلوب تتخاطب، وأفكار تعبر، لا نحتاج غض بصر، ولا نضطر للابتعاد، وهذا أجمل ما في اللقاء؟!

في الحقيقة سيدي أنا لا أريد منك أي نوع من الاتصالات إلا الاتصالات الروحية، فالروح أفضل من كل أنواع التكنولوجيا، ورغم أنها ليس لها جناحان فهي محلقة دائمًا، ثم إن الاتصالات الروحية توفر ثمن ورق الرسائل وثمن الطوابع، وتوفر كثيرًا من الحب!!

أليست الروح كالفراشة المنطلقة التي تبحث عن نور، فإذا لمست نورًا مشرقًا ترمي بنفسها وتحترق؟ هل أنا أحترق في نورك دون أن أدري؟؟

هل الروح تنمو وتكبر، وتنضج، فيتغير أسلوب معرفتها ولقائها بالأرواح الأخرى، وبالتالي تغير من طريقة الحب؟! إنه عالم الروح الذي لا يعرف أسراره أحد، هل لك أن تساعدني؟

هل قرأت "البنفسجة الطموح" لجبران خليل جبران، والتي كان طموحها سببًا في حتفها؟ أنا كذلك طموحة لمعرفتك حتى لو كان في ذلك نهايتي.

جاءها رده: "طوفان من المعاني أقف على ضفافه، لا أدري من أي شاطئ أبحر، وإلى أين أصل وكيف؟ تساؤلات كثيرة كثيفة تبحث عن إجابات وسط الأمواج العالية لكلماتك الفياضة، ودفاعاتي تتهدم أسوارها أمام رياح بوحك العاتية.

أرتحل بين الكلمات والسطور، وأنا أريد أن نتقابل لأسمع وأرى، وليس من رأى وسمع كمن قرأ، وتهربين من تحديد موعد، رغم أهمية هذا، هل يمكن أن أراك قريبًا مع خالص احترامي للروح وأسرارها؟

الحب بحر واسع جدًّا، وأنواع مختلفة ومراحل، وحكاياته لا تنتهي، لا يمكن اختصاره في كلمة أو كلمات. أحوال القلب تتفاوت، ولذلك فليس كل ما يخرج من القلب يدخل إلى الآخر المستهدف، لكن كلماتك لها تأثير في نفسي، إن غاب عن ذهني نصها بقيت في داخلي بروحها، أخبريني ماذا تفعل بك كلماتي؟".

مع الصباح الباكر خطت له: "أكتب لك الآن وأنا جالسة في حديقتي الصغيرة، عند شروق الشمس تمامًا، والمنظر رائع، والسكون جميل، حيث لا تسمع إلا زقزقة العصافير وتغريد البلابل.. كلماتك لها وقع مختلف.. أحيانا تأسرني.. وأحيانا أخرى تسعدني.. فرسالتك الأولى عاشت في جوانحي فترة.. ولا بد أنها انعكست على جوارحي دون أن أعلم.. أما رسالتك الثانية.. فقد أعادت إلى الروح نضارتها.. أنا أستمد منك قوة كبيرة فلا تبخل عليَّ بكلماتك.. وبنصحك.. أرجوك.. أنا أحتاج إليك لأنني ما زلت في أول الطريق.. شيء مما علمتني إياه الحياة أن معرفة بعض الناس تعتبر كنزًا، وأن الاستفادة منهم أكثر من أي كتاب، ولا شك أنك واحد منهم.. فمتى سأبدأ التبحر فيك وقراءة شيء عنك يا كتابي المفضل؟

أخبرك أنني أحب السفر في بحور الحب السبعة، حتى لو غرقت في كل مرة، فهل سأغرق في بحرك أم تراني تعلمت السباحة؟

المشكلة فقط أنني لا أحب التملك في الحب، وأخشى إن أصبح ما بيننا حبًّا أن تتملكني فتذهلني عن نفسي!".

أجابها في رسالته مبتسمًا: "هل في حب التملك عيب؟؟ أنت لديك ميول شيوعية إذن!
على كل حال لا أرى الأنانية في الحب عيبًا أو خطأ يعتذر عنه. أرجو أن تعلمي أن خصوبة التجربة وحرارتها مرتبطة بحدة المفارقة فيها.. المسافة في المكان.. طريقة البدء.. ورسالية الأهداف المشتركة.. وصعوبة الغاية في المناخ المسيطر.. وربما النزعة الأصيلة والعشق القديم للعاطفة والخيال".

شعرت بشوق غامر له، فليس أجمل من أن تجد النفس من يفهمها، وخرجت كلماتها موافقة لهواه: "لا تطل البعد عني أرجوك.. فأنا مشتاقة إلى سماع نغمات روحك الأصيلة.. أيها الحادي أطربني.. أيها الشادي أسمعني.. يا عازف الناي... انفخ الروح في نايك.. دعها تبوح بأنات روحك الصافية.. وتحكي أسرار قلبك الخافقة.. أسعدني.. وحلق بي في سموات سرمدية.. وطر بي إلى فضاءاتك اللانهائية.. أشتاق لك".

اتفقا أخيرًا على أن تأخذ إجازة من عملها، وتأتي إليه حيث هو، وكانت المرة الأولى في حياتها التي تتنازل، فقد اعتادت أن يكون الطرف الآخر هو البادئ في الحب، وهو البادئ في الخطوة الأولى، لكنها معه مختلفة تمامًا، منساقة لمشاعرها وعواطفها دون أي اعتراض من عقلها!

ما إن وطئت قدماها بلد الحبيب حتى طالعتها الآية الكريمة: "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، تبسمت، فحبيبها ليس مصريًّا خالصًا، بل إنه مثلها لا يؤمن بالجنسيات ولا بالقوميات، فقد أحبته لأنه عالمي الجنسية، وموطنه كل بلد في الكرة الأرضية، فهو كما يقول إقبال: "ساقي أهل الذوق.. وفارس ميدان الشوق.. شرابه رحيق دائمًا.. وسيفه ماضٍ أبدًا".

لم يكن هناك أي فرق بين الأمصار بالنسبة لها، أما هنا في مصر فلم تشعر إلا أنها بين أهلها وناسها، فهي تحبها ما دام الحبيب اختارها موطنًا لإقامته، وما دام قلبه قد وسعها فكيف يضيق بلده بها؟!

حبها لحبيبها أنساها أن قدومها وافق يوم عطلته، ولن تجده في مكتبه، لكن إيمانها بالأرواح وأنها أفضل من الاتصالات التكنولوجية الأخرى لم يخيبها هذه المرة، فقد طار قلبها وسبقها إلى الحبيب، فكان في انتظارها فعلاً في مكتبه.

خفق قلبها لمجرد رؤيتها اسمه مكتوبًا على اللافتة الخارجية، هل سيكون هناك أحد غيره؟؟ هل يمكن أن يكشف سرهما أحد "والصب تفضحه عيونه"؟

"الحمد لله" تنهدت في سرها، لم يكن هناك سواه، هب واقفًا لمصافحتها، والتقت عيناها بعينيه، غابت عن الدنيا في عذوبة، وإذا تفاهمت النفوس تفاهم كل شيء!

مرت الأيام، وهي في رحاب الحب، في جنة كأنها الخلد.

لم يوقظها من سعادتها التي استغرقت شهرًا كاملاً إلا رنين الهاتف، إنه مديرها في العمل يسأل عن موعد عودتها، إذن لا بد من الفراق، أخبرت حبيبها، فقال لها: "كيف مضى الشهر بهذه السرعة؟ ألا تستطيعين أن تمددي إجازتك قليلا؟" اعتذرت بسبب ارتباطها بالعمل وكادت دموعها تخنقها، قال لها: "لم أرتوِ منك بعد، لكن لا راحة في الدنيا"، قالت: "يمكنني تقديم استقالة من عملي والبقاء معك، لكن أخشى كما قلت لك أن تتملكني فتذهلني عن نفسي!".

ضحك ملء شدقيه، وقال: "هكذا إذن.. سأتملكك سواء كنت قريبة أم بعيدة!".

إنها تعرف أن النساء ضعيفات أمام قلوبهن إلى حد كبير، وقد رأت ما فعل حبيبها بمن عشقنه قبلها من النساء، والمشكلة أنه رغم تعدد علاقاته فهو يحب التملك، ولا يقبل أن يشاركه أحد في قلبها، "فإما أن تكوني لي قلبًا وقالبًا، وإما فلن تدخلي جنتي، هذه شروطي، فإن قبلتِ بها أهلاً بك في أحضاني دائمًا".

كم هو واثق من نفسه! وكم هي ضعيفة أمامه! لكنها إن غرقت في بحر حبه فلن تسمع ولن ترى ولن تكلم سواه، وهي ما زالت عاجزة عن التضحية بالآخرين في سبيل حبه، فلتدَع الأمور لله كما اعتادت )لعل الله يُحدِث بعد ذلك أمرًا(.

صارحته بمخاوفها، وأنها لن تستطيع الموازنة بين حقه عليها وحقوق غيره، فهي ستميل إليه بحكم الحب المسيطر، ولن ينفع أن تكون القسمة ضيزى بهذا الشكل؛ لأنها قد تضيع حقوقًا يسألها الله عنها، قال: "كما تشائين، وددنا لو بقيتِ معنا".

لم تستطع منع نفسها من ذرف الدموع، شعرت أن غيوم الأسى تتراكم في قلبها، وتتكاثف وتنهمر أمطارها دموعًا على وجنتيها.

أخرج من جيبه منديلاً ومسح دموعها قائلاً: "هل أحببتنا كثيرًا؟! هل أثَّرنا فيك إلى هذه الدرجة؟!".

يا إلهي.. ما أجمل ابتسامته! وما أعذب كلماته! كم تهواه عندما يتكلم بصيغة الجمع، فهو أمَّة وحده، لكنها لم تكن قادرة على الرد، فالغيوم المتكاثفة في القلب حبست صوتها، ولو تركت العنان لنفسها لبكت وناحت، شكرت الله على نعمة الدموع، فهي تغسل القلوب المتعبة وتواسي الروح المنهكة.

قبل أن تغادر قبَّلت كل جدار جمعها وحبيبها، ركعت خاشعة في كل غرفة ضمتهما معا، اقتربت منه، عانقته، قبلت يديه، قبلت رأسه ووجهه، وجثت عند قدميه، وغسلتهما بدموعها.

قال وهو يودعها عند الباب: "نراك في أقرب فرصة"، أجابت: "لا بد من ذلك إن شاء الله، فالقلب والروح عندك، ترفق بهما أرجوك".

خرجت وفي أذنيها ترن أغنية: (أناديكم.. أشد على أياديكم.. وأبوس الأرض تحت نعالكم.. وأقول أفديكم).

لوحت بيدها مودعة:

"إلى اللقاء حبيبي.. إلى اللقاء موقع "إسلام أون لاين".. وفي أمان الله!".

آب/أغسطس 2002

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |