|
أثرت فيّ مشكلتك كثيرًا، وحزّ في نفسي
سؤالك هل تحبني ابنتي أم تحب زوجة أبيها أكثر مني؟ ولعلّ هذا السؤال كان كافيًا
لتوضيح مشاعر حزنك، رغم أن سطورك القليلة لم تعبِّر كثيرًا عن معاناتك الداخلية.
اسمحي لي أولاً أن أقدِّر لك ولوالد طفلتك تفاهمكما رغم الطلاق، فهذا نادر الحدوث
في مجتمعاتنا العربية، وأكبر فيك تقبلك لزواجه لدرجة أنك صورت زوجته لابنتك على
أنها ملاك كما قلت.
أختي: أرجو أن تتقبلي كلامي بروح متفهمة، فالله يعلم أنني أتمنى لك ولصغيرتك كل
الخير، وإن كان في كلماتي ما يحزنك فاعذريني؛ لأنني طبيبة ومهمة الطبيب إذا وجد
خرّاجًا في الجسم ألا يعالجه بالمراهم والتلطيف، بل لا بد من استعمال المشرط؛
لإخراج الصديد المتراكم الذي يمرض الجسد كله؛ ولذلك أعتذر منك إذا قمت بتوضيح بعض
الأمور بأسلوبي الجراحي المؤلم، لكنني أراه ضرورة لا بد منها؛ لأساعدك أن تضعي يدك
أنت على موضع الخلل، وتكتشفي العلة، ولعلك بعدها تخرجين من هذه الأزمة التي أنت
فيها.
لا بد أنك تدركين أن الحرمان في الطفولة شديد الأثر على تركيبة الطفل النفسية آجلاً
وعاجلاً، سواء كان حرمانًا عاطفيًّا أو ماديًّا؛ لأن الإنسان مخلوق من مادة التراب،
لكنه معجون بماء الروح.. ماء الحياة.. ماء الحب.. فلا يمكن لأحد أن يشعر برغبة
الاستمرار في حياة لا يجد فيها من يحبه ويمنحه كامل الاهتمام؛ إذ الرغبة في أن نكون
محبوبين دافع فطري يتحكم فينا جميعًا، هذا في حال الكبار الناضجين فكيف بمن هم في
سن غضة كسن ابنتك؟ كيف ببرعم ورد يتفتح على الحياة رويدًا رويدًا؟ كم هو بحاجة إلى
الحب والرعاية؟! وخاصة إذا كان هذا البرعم أنثى منحها الله إحساسًا مرهفًا؛ لتضيف
على الحياة مسحة النعومة وطابع الجمال.
كيف لم تفطني لهذا يا غالية؟ هل يعقل أن تمضي أم مع طفلتها خمس ساعات فقط كل يوم؟
ستقولين أنك مضطرة للعمل، وأنا معك فالدنيا تجرنا جرًّا إلى مستنقع المادة، لكن أي
عمل هذا الذي يشغلني عن أعز ما أملك؟ أي واجب هذا الذي يعيقني عن أقدس واجب؟ إن
واجب المرأة الأول هو الأمومة.. منح الحب، والعطف، والرعاية، والحنان.. كل هذه
المشاعر لا يمنحها أب ولا جد ولا جدة ولا أي أحد.. لا يمكن لأحد أن يملأ الفراغ
العاطفي الذي تتركه الأم أبدًا؛ لأن الأم دنيا كما يقول العوام، فما بالنا نحن
المثقفين والمثقفات.. نسينا حكمة الجدود في موضع الأم من القلب، وهو ما عبَّر عنه
شاعرنا القديم:
يموت أب يموت أخ وعم فتبكي العين حيناً أو تهمّ
لكن قلب القلب يبكـي وتبكي الروح حين تموت أم
تجاهلنا فطرة المرأة في العطاء، وتناسينا غريزة المرأة في الأمومة، واتبعنا أهواء
قوم لا يعلمون.. اتبعنا الغرب بخروج المرأة للعمل حتى صار واجبًا على المرأة أن
تعمل وتنفق، ولم تَعُد لا هي ولا زوجها ترضى بالقليل، فقدنا نعمة الرضا ونظرنا إلى
ما في يد الآخرين وعلمنا أولادنا هذه العادة أيضًا..
أرجو ألا تفهمي أني ضد عمل المرأة..
فأنا أعمل بالطبع، لكنني ضد أن يكون عمل المرأة مانعًا
لها من الاهتمام بأعز الناس إليها، وكم من امرأة عاملة
تعود إلى بيتها متعبة، ولكن ما إن ترى صغارها حتى تنسى
تعبها، وتسلو همها وتمنحهم جرعة الحب والحنان مضاعفة،
ولا أريد أن أظلم الغرب، بل يجب أن أذكر أن لديهم بعض
الحكمة التي علينا أن نستفيد منها، ما دامت الحكمة
ضالة المؤمن.. تقول إحدى حقائق الحياة عندهم:
"Hold
your child hand. The time will come when he or she
won’t let you"
(خذ بيد طفلك.. الوقت سيأتي عندما لن يسمح لك بذلك).
أي لا بد أن يأتي الوقت ليتخلى الولد أو البنت عن أمه
وأبيه، لكن لماذا تخلت آية عن يدك، وهي ما زالت بعد في
سن البراعم؟ لماذا ترغب أن تبقى في بيت أبيها؟ نعم قد
يكون هو الشعور بالجو الأسري كما يخطر لبال الكثيرين
للوهلة الأولى، لكنني أتساءل: كيف كانت علاقتها بك
مقارنة بعلاقتها بأبيها قبل الطلاق وبعده قبل أن
يتزوج؟ ألم تكن متعلقة بأبيها أكثر منك؟ ألم يكن
والدها قد احتواها واستطاع أن يملأ الفراغ العاطفي
الذي تركته يا أختي المشغولة؟ كيف ظننت أن طفلاً يمكن
أن يغنيه عطف جده وجدته عن حب أبيه وأمه؟! هل تظنين أن
البرعم المتفتح المحب للحياة يتقبل الشيخوخة وهي رمز
للنهاية والموت؟! أطال الله في عمرهما طبعًا.
إن نظرة واحدة من الطفل أو الطفلة إلى وجه الشيوخ،
ومقارنتها بوجه الأب الشاب أو الأم الشابة تكفيه
ليتعلق قلبه بالجمال الموجود في الشباب والمختفي في
الشيخوخة، فكيف إذا قارن بين القوام المنحني والقوام
الحي؟ وكيف إذا عرف الفرق بين سكون الشيخ وحركة الشاب؟
طبعًا هناك استثناء عندما يكون الجد والجدة محبين
للحياة على الرغم من عمرهما وهذا ما أظنه مفقودًا في
كثير من أسرنا؛ إذ للأسف يكثر وجود الشباب بنفسية
الشيوخ ولا أقول بحكمتهم، ويندر وجود الشيوخ بنفسية
الشباب فكيف بحركتهم؟
نعود إلى طفلتك ومقارناتها أيضًا، فهي لا بد أنها تدرك
من يمنحها الاهتمام والرعاية أكثر، وستفضل بالتأكيد
الذي يشعرها بوجودها ويعاملها ككائن حي له حقه أن يكون
محبوبًا كأي طفل آخر في الكون.
اعذريني أطلت عليك، لكن ما أنت فيه مشكلة حقيقية، ومع
ذلك فلن يترك في نفسك جرحًا غائرًا كما سيتركه في نفس
الطفلة الصغيرة، وهي التي لا ذنب لها في الانفصال كي
تدفع ثمنه تمزقًا نفسيًّا وعلة متمكنة.
نصائحي لك هي التالية:
أولاً: إذا اتفقت مع والدها أنها ستبقى عنده بعد
انتهاء حضانتك لها -وأعتقد أن رأي طفلتك مهم أيضًا؛ إذ
لا ينبغي إكراهها على شيء ضد عواطفها وإرادتها-
فأعيديها له من الآن، وخفِّفي من تعلقك بها خاصة إذا
كنت غير قادرة على التفرغ لها، ولعلَّ لله في ذلك حكمة
خافية، فقد تتزوجين ولا يحسن زوجك معاملتها فتكون
سببًا لطلاقك مرة أخرى لا سمح الله أو لنبذها كذلك وهو
أمر أشد من الأول.
ثانيًا: إذا اتفقتما أن تبقى معك لحين زواجها، فهنا
يمكنك أن تفعلي الكثير، فما زالت أوتار قلبها حسَّاسة
لحبك، وما زالت عجينة طرية تشكّلينها كيف شئت، لكن
أنصحك أن يكون ذلك بكياسة متناهية وحكمة بالغة:
- خذي إجازة طويلة من عملك شهرًا أو شهرين أو ثلاثة أو
حتى سنة أو أكثر، ولا تعودي إلى عملك إلا بعد أن تكوني
واثقة من التئام جروح قلبها الصغير، وإذا التأمت فلا
تتركيها لأي شيء يخدش نفسيتها من كلمة عن أبيها أو ذكر
موضوع الطلاق أمامها من أي أحد؛ لأن مواجهة الطفل بأمر
انفصال أبويه مؤلم جدًّا، وكذلك يؤلمه في كل مرة تكرار
ذكر هذا الموضوع أمامه؛ إذ أنه يحب أن يتجاهله أو
ينساه ليعيش حياته دون نكد أو هم.
وإذا لم ترغبي بأخذ إجازة طويلة أو لم تستطيعي ذلك،
فحاولي أن تقلِّلي من ساعات العمل، وإذا لم يمكن ذلك
أيضًا، فحاولي التوفيق بين وجودك في البيت ووجودها هي؛
إذ أعتقد أنها تذهب للمدرسة، وإذا اضطررت لتركها أكثر
فليكن مع أحد لديه أطفال أو مربية تهتم بعدد من
الأطفال، وقد يشكِّل هذا عبئًا ماديًّا لك، ولكن "لكل
شيء ثمنه".
-امنحيها الحب، والحنان، والدفء، والعطف بكل ما
تستطيعين من قوة، وبكل ما تعرفينه من حيل، أعيديها إلى
حضنك، دعيها تنام بقربك، وتشعر برائحتك وضمة صدرك،
احكي لها قصصًا قبل النوم، داعبي خصلات شعرها، أفهميها
أنها الأهم في حياتك.
-اضحكي من أخطائها، مازحيها، اتركيها تداعبك بمقالبها
وشقاوتها، خذيها كل يوم في نزهة وشاركيها لعبها،
ودعيها تزهو بالانتصار عليك في ألعاب كثيرة.
- ساعديها كي تكوِّن أصدقاء وصديقات لها وتستقبلهم في
البيت، ودعيها تشعر أن الدنيا مليئة بمن يحبها ويريدها
لذاتها.
-خذيها إلى زيارة الأقارب والأصدقاء،
وخاصة من لديهم أطفال في سنها لتملأ الفراغ في نفسها،
فالطفل جسم صغير لكنه روح كبيرة، لديه طاقات جسدية يجب
أن يستخدمها، وفراغات عاطفية يجب أن يملأها.
-لا بد من قيامها بزيارة أبيها كل فترة، وشجِّعيها على
ذلك، مع تأكيدك لها أنك لا تستطيعين العيش بدونها،
وهذا الكلام يقال بنغمة متفائلة قوية، ليس بنغمة
متشائمة ضعيفة، فأخطر ما نفعله أن نظهر ضعفنا أمام
أطفالنا؛ إذ إنهم إما سينشؤوا ضعفاء، أو سيتعلمون كيف
يستغلون ضعفنا.
-وإذا عادت وذكرت أنها كانت عند أبيها
وأمها، فقولي لها نعم أنت محظوظة، فلديك أمّان، ماما
أنا وماما فلانة.
- طبعًا لن تستطيعي أن تفعلي شيئًا مما ذكرت إذا لم
تكوني خرجت من أزمتك في الطلاق، وتجاوزت نظرة المجتمع
المغلوطة للمطلقة، وشعرت بالرضا لوضعك؛ لأن فيه حكمة
الله، قال سبحانه: "مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ
بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ
قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم" (التغابن:
11)، واستبدلت كل ذلك بحب للحياة، وأن الحياة لا تقف
عند رجل ولا عند أحد، بل إن الحياة تكره السكون
والضعف، كل هذا لتمنحي ابنتك القوة والقدرة على حب
الحياة، ففاقد الشيء لا يعطيه.
أرجو لك التوفيق، ولا تنسي أن الله سبحانه هو مصدر كل
قوة وواهب كل حياة، والسلام عليك. |