|
عافاك الله وشفاك يا أختي العزيزة، وليتك ذكرت شيئًا عن طبيعة مرضك لأستطيع أن
ألتمس لك القدر الأكبر من الأعذار أولاً، ولأفهم من أين أتت ابنتك الصغيرة ذات
السنوات الثلاثة بفكرة أنك ستسافرين وتتركينها ثانيًا، فهل مرضك مرض عُضال لا شفاء
له؟ أم هو مرض عابر ككسر واسع أو حمل مهدد بالإجهاض أو غير ذلك؟ لأن فكرتها هذه
يخشى أن أحدًا ما قد بثها في عقلها الذي لا يستطيع إدراك وتفسير ما حصل إلا من خلال
شخص واعٍ يجعلها تستوعب رويدًا رويدًا كل هذا التغير الذي حدث في حياتها، وهو ليس
تغيرًا سهلاً أبداً، فمن عناية ورعاية، واهتمام، وحنان زائد عن الحد فيما يبدو إلى
إهمال، وبُعد، ونبذ، وجفوة، ولو بغير قصد، فكيف يحتمل قلبها الحسّاس وشعورها المرهف
كل هذا؟ وكيف يمكن لعقلها الغض أن يملأ الفجوة التي حفرت في نفسيتها عمقًا بعيدًا
وجرحًا يكاد يكون غائرًا، لولا فضل الله عليك وعليها وعلينا أنك استشرتنا مبكرًا؛
إذ ما زال الحل ممكنًا بإذن الله تعالى، ونسأله سبحانه أن يجعلنا أهلاً لمساعدتك.
دعينا الآن نحلِّل الأمور لنستطيع تفهم المشكلة عند طفلتك:
أنت مريضة في الفراش، والأب مشغول في العمل، والشغَّالة هي التي ترعى الصغيرة،
وتطعمها، وتبدل لها ملابسها وتلاعبها بشكل أفضل منك، لكن هل الشغالة تمنحها الحب
والحنان مثلك أو أقل منك؟ لا أريد أن أذكر كامل بيت الشعر، لكن هل يختلف وضع
الصغيرة عما ذكره الشاعر بقوله: (أمًّا تخلت أو أبًا مشغولا)؟
أدرك أنك لم تتخلي عن صغيرتك إلا لظروف مرضك، لكن يا عزيزتي من قال إننا يجب أن
نخضع لظروفنا دائمًا؟ لماذا لا نحاول أن نكون أقوى من ظروفنا ونتغلب عليها بدلاً من
أن ندعمها كعائق لنا؟
إن مقدرة المرء على مواجهة الظروف المحيطة به يساعده على التعامل بطريقة واقعية
ومرنة مع المصاعب، فكيف تعاملت أنت مع مصاعبك؟ لقد استسلمت لمرضك، ولزمت فراشك،
وأسلمت
فلذة كبدك إلى شغالة ملأت عليها فراغها المادي باللعب، لكنها لم تملأ عليها فراغها
العاطفي بالحب، والشغالة معذورة؛ إذ هي ليست أمًّا للصغيرة، فلا أحد يملأ الفراغ
الذي يتركه انشغال أو مرض الأم إلا الأم!! إضافة إلى أنني أظن –ولعل ظني ليس إثمًا-
أن طريقتك في تعاملك مع مرضك قد انعكست على صغيرتك، فالناس لا يفزعون من الأشياء
ذاتها، وإنما من الأفكار التي ينسجونها حولها دون إدراك
منهم لذلك، هذا حال البالغين.. فكيف بالأطفال؟!
الآن ابنتك لديها مشكلتان: العصبية، والكذب.
ولنبدأ بالعصبية التي سببها بكل وضوح فقدان الأمان، والحنان، والحب، والاهتمام، ولا
يمكن لطفل أن ينشأ طبيعيًّا وعفويًّا وبريئًا وأليفًا إذا حرم من هذه الأشياء
الضرورية له كما الغذاء والماء والهواء. فابنتك لا تجدك في عالمها كما اعتادت، ولا
تجد أباها المشغول عنها بالعمل، فهذا يشعرها بالضياع والقلق ويثبت في نفسها الحيرة
والارتباك.
أما الكذب فسببه عند الأطفال: إما التهرب من مسؤولية وتجنب العقاب، أو الحصول على
العطف والمحبة من الكبار ولفت الأنظار، فهل أدركت سبب كذب ابنتك يا سيدتي؟
إنها تلجأ للكذب للسبب الثاني لتحصل على اهتمامك وعطفك ومحبتك. وكما يقول مؤلف كتاب
طفلك ذلك المجهول: "الطفل يصنع مختلف الأشياء من مادة أو أصل عاطفي لتعويض ما يفتقر
إليه أو ما يتخيل أنه يفتقر إليه"، فكذب ابنتك هو من نوع الكذب الادعائي، وهو هنا
نتيجة لافتقارها للحنان ولحاجتها إلى الحماية.
النصائح التي يمكن أن تعملي بها هي:
1 - تقبَّلي مرضك بشجاعة مهما كان، وحاولي بكل ما أوتيت من قوة أن تتغلبي عليه
نفسيًّا، وألا تستسلمي له، ولا بد من العلاج بالدواء ومن الدعاء والتضرع لله بطلب
الشفاء، ودعاء النبي أيوب -عليه السلام- في القرآن الكريم هو "أَنِّي مَسَّنِيَ
الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين"، وأدعية الرسول -عليه الصلاة والسلام-
كثيرة منها "اللهم ربّ الناس، أذهب الباس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك،
شفاء لا يغادر سقمًا"، "اللهم إني أعوذ بك من شرِّ ما أجد وأحاذر"، إضافة إلى
الصدقة كما قال -عليه الصلاة والسلام- "داووا مرضاكم بالصدقة"، وتأكدي أن مرضك أو
أي بلاء يصيبك ما هو إلا لحكمة الله تعالى البالغة التي تخفى علينا في كثير من
الأحيان، وإن الرضا بقضاء الله له أثر كبير في تقبل أي بلاء، وبالتالي التخفيف من
آثاره النفسية عليك وعلى ابنتك.
2 - دورك كأم يجب ألا تأخذه الشغَّالة مهما كلَّف الأمر، وسأضع هنا أسوأ الاحتمالات
وهو أنك ما زلت لا يمكنك مغادرة الفراش، فيجب أن تمنحي صغيرتك الجزء الأكبر من
وقتك:
-اشرحي لها طبيعة مرضك ببساطة طبعًا وبتقبل عالٍ منك، انتبهي أن مشاعر الأم سواء
كانت متفائلة أو متشائمة، وآلامها وآمالها تنتقل لا شعوريًّا إلى طفلها، وهذا سر
كبير قلَّ ما يفطن إليه أحد، فحاولي أن تبثي في نفسها التفاؤل وتزرعي في نفسها
الأمل من خلالك أنت بالذات، ومن خلال تقبلك لمرضك بكل شجاعة كما أسلفت.
- أشعريها بحبك واغمريها بعطفك، احضنيها وأشعريها كم أنت سعيدة؛ لأنها بقربك،
وأخبريها أن وجودها إلى جانبك مهم بالنسبة لك، وأنها الأهم في حياتك، واسمحي لها
بإحضار ألعابها إلى غرفتك لتلعب أمامك وشاركيها اللعب ولو على السرير، بالمكعبات
مثلاً أو البازل أو غيرها، أو بالدمى باختراع قصة مضحكة عن العروسة، والدب،
والأرنب، ودعيها تشترك في تأليف الأحداث، واضحكي من تصرفاتها ومن مشاكستها
لألعابها.
- حاولي أن تتناولي الطعام معها، ولا مانع كذلك أن يكون في غرفتك، بوضع طاولة قريبة
من سريرك، وناوليها لقمة لقمة، ومع كل لقمة قبلة حب أو بسمة عطف.
-كذلك حاولي أن تكوني أنت من يبدل لها ثيابها، وعلِّميها بلطف كيف تعتمد على نفسها
لتشعر أنها أصبحت كبيرة وتستطيع الاستقلال عنك.
-كلِّفيها ببعض الأشياء كأن تساعدك في إحضار ملابسك أو كتاب أو غيره، فهذه الأشياء
لن تضايقها، بل ستضع في نفسها البهجة أنها فرد هام له دور في العائلة.
-أخبريها بلطف ما هو الممكن عمله وغير الممكن، وكيف أن هناك أشياء تستطيعين القيام
بها وأشياء ليست كذلك، ومن ضمنها موضوع الذهاب لشراء القصص، ولا أدري إمكانية إحضار
القصص إلى البيت من قبل عامل في المكتبة أو التسوق عبر الإنترنت لتختار معك ما
يناسبها.
- نسِّقي مع مدرستها موضوع زيارة بعض الأطفال لها في البيت؛ لأن الطفل لا ينمو بشكل
نفسي صحيح دون أصدقاء، أو اتصلي ببعض الأهالي، واتفقي معهم على ذلك، وهذا الحل
أطرحه؛ لأنني أرى من خلال بياناتك أنكم تقيمون بعيدًا عن الأهل والأقارب، ولو وجد
منهم أحد فادعيهم مع أطفالهم دائما كي تشعر أن حياتها مملوءة بالناس والمحبين.
3 - دور الأب يجب أن يكون أكثر فاعلية، وبما أن عمله يستغرق جل وقته فلا يحق لنا أن
نعترض؛ لأنه رب العائلة، لكن يمكنك أن تعوديها أن تنام ساعتين على الأقل فترة
الظهيرة بحيث تبقى مستيقظة لحين عودة والدها، وأفهميه حاجاتها النفسية للحب
والاهتمام، وأن يتم استقباله لها بحضنها وتقبيلها ومداعبتها، وأن يجلس معها ساعتين
كل يوم، يستمع إليها ويلاعبها، وأن يغتنم عطلة الأسبوع للتنزه معها والخروج بها إلى
الملاهي أو الحدائق، وليشعرها بحبه، وأنها مهمة بالنسبة له كما هو مهم لها.
4 - علاج الكذب عندها لا يكون بطلب الاعتذار منها في حالتها هذه، بل شجِّعيها على
الصدق فقط؛ لأن كذبها لو كان لسبب غير لفت انتباهك لأحجمت عنه بمجرد تنبيهك لها،
ولكن سببه كما بينت إليك حاجة نفسية بحتة، وهي لفت انتباهك، وأخذ أكبر قدر ممكن من
وقتك حتى لو بالكذب.
أرجو أن أكون قد أتيت بأكبر قدر ممكن من النصائح
لتعملي بها، وطمئنيني عنك وعن صغيرتك، وأدعو الله
سبحانه أن تقرئي هذا الرد وأنت بأحسن صحة، وأتم عافية. |