الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) ابني طفل عدواني..

 
استشارة من الخليج
 
 
 
 
 

محمد ابني (4 سنوات) لا يسمع الكلام من والدته، ودائمًا ما يسبِّب لها المتاعب أثناء قيامها بنظافة وترتيب البيت، ويقوم أيضًا بتكسير كل شيء يجده أمامه، وأيضًا عندما نقوم بإيقاظه من النوم نجد صعوبة بالغة جدًّا جدًّا، ودائمًا ما يقوم بضرب أخيه الأصغر ضربًا مبرحًا. أفيدونا أفادكم الله ماذا نفعل؟!

 
 
 

 
 
 
   

نحن هنا أمام ظاهرة الطفل العدواني، وأشكرك يا سيدي أنك ذكرت في بياناتك طبيعة العلاقة الأسرية بين الوالدين وأنها مضطربة؛ إذ إنها تحمل مفتاح هذا اللغز فيما أعتقد، فالطفل السعيد هو الذي يعيش في جو أسري هادئ، وفي ظل أبوين يتخاطبان باتزان وروية، وبدون انفعالات شديدة، بعيدًا عن العصبية ومظاهر التشنج، أما الطفل الذي ينشأ في ظل أسرة متوترة لا بد أن تتوتر أعصابه، ويصاب بالقلق منذ المراحل الأولى في عمره، ويرافقه ذلك في مختلف مراحل حياته، وما أكثر مشكلات الأطفال التي يكون سببها علاقة الوالدين المضطربة، وهو ما يجعله مضطربًا هو أيضًا. وما أشبه الطفل بنبات يحتاج إلى الرعاية والتعهد بالماء، والغذاء، والهواء، والشمس، فإذا لم يتنفس الطفل في جو صحي بعيد عن المشاكل فإنها ستورثه عقدًا نفسية يصعب التخلص منها عند الكبر.

على كل حال أخبرك أن بعض علماء النفس ينظر إلى العدوانية كضرورة نفسية لا بد منها حتى للطفل السويّ، فهو في حاجة إلى أن يظهر بعض مظاهر العدوان تجاه الكبار والصغار، والطفل الذي لم يتشاجر بحياته مع أحد لا بد أنه عاجز عن إقامة علاقات واتصالات مع غيره.

وبعض ما نفسّره بالعدوانية في سلوك الطفل قد لا يكون كذلك. فما نطلق عليه عملية التخريب المتمثلة بتحطيم الطفل للعبته ليس تخريبًا، فهو يحطمها ليعرف ما بداخلها أو ماذا يحركها، أو مما صنعت؟ ودافعه في هذا هو حبه للاكتشاف وإشباع الفضول.

وأما العدوان الذي نحن بصدده – كما في رسالتك - فهو شائع في السنة الثالثة أو الرابعة من العمر، ومن التفسيرات التي وضعت للعدوان عند الأطفال:
1 - الإحباط ينشأ عنه العدوان، فالسلوك العدواني هو سلوك تعويضي عن الإحباط المستمر، وكلما زاد إحباط الطفل كلما زاد عدوانه.
2 - لما كان الطفل يتقمص شخصية والده ويتوحد فيها فقد يقلده في عدوانيته.
3 - التسامح الشديد من قبل الوالدين إزاء الاتجاهات العدوانية من شأنه أن يزيدها وينمِّيها.
4 - الأوضاع الأسرية والاجتماعية والبيئية بشكل عام، ويذهب أحد علماء النفس إلى القول بوجود تأثيرات وراثية عضوية في السلوك العدواني، لكنه رغم ذلك لم ينكر تأثير الخبرة والتعلم.
5 - المكافأة على العدوان، فمن كوفئ من الأطفال على عدوانه اتخذ من العدوانية منهجًا، وإن عوقب كف وارعوى واستكان.

في هذه الحالة يشعر الطفل بلذَّة إذا ما قام بعمل عدواني، وهذه اللذة هي شعور طبيعي وتحقيق الانتصار على الآخرين كأخيه الصغير، وبعد ذلك ينال قصاصًا من الأب فيشعر بالإحباط، وفي أعقاب هذا الإحباط تستثار العدوانية من جديد، فيعبّر عنها بعض الأطفال مباشرة بمعاودة الكرَّة وبطريقة انتقامية، وعلى طريقة العدوان المزاح أو المستبدل، أي الموجَّه إلى غير الشخص الذي سبَّب الأذى أو الفشل للطفل، فينهال بالضرب على أخيه بشكل أقسى مما كان في المرة الأولى، فالنقمة على مسبب الإحباط وهو الأب تتمثل عدوانًا مزاحًا على الأخ المعتدى عليه. والطفل الذي يواجه العدوان والقسوة من أبيه لكنه يجده أقوى منه فلا يستطيع أن يرد، يلجأ إلى البحث عن ضحية خارج المنزل أو داخله ويمارس عليها عدوانه.

الكلام السابق يوضِّح لك يا أخي حالة طفلك، ولماذا هو يكسر الأشياء، ولماذا يقوم بضرب أخيه الصغير، فإذا استطعت أن تتجنب الأسباب التي ذكرت سابقًا فقد أنقذت طفلك، ونفسك، ومجتمعك، وإذا لم تفعل وبقيت علاقتك مع زوجتك مضطربة كما ذكرت، وكان مناقشاتكما الخفيفة والعنيفة على مسامعه صباح مساء فلا تتوقع أن ينفعك هذا الرد ولا غيره، وحتى إذا تجنبتما النقاش أمامه، ولكنكما لم تستبدلا حياتكما المضطربة بحياة مستقرة ملؤها المودة والرحمة، فاعلم أن الطفل مخلوق حسَّاس جدًّا، وهو لذلك يستشعر المحبة بين جناحي الوالدين أحدهما للآخر كما يستشعر الكراهية، وشتَّان بين نبات يُسقى بماء عذب فرات ونبات آخر يسقى بماء آسنٍ كدر، فلا تَلُم طفلك هذا الصغير، وأصلح ما بينك وبين زوجك تنصلح حال ابنك بإذن الله تعالى.

وأعود فأؤكد على ما يبينه علم النفس من أن الطفل يتقمص شخصية والده، فإذا اعتمد الوالد على الوسائل العدوانية المباشرة أو المزاحة، فإن الطفل يقلده في ذلك.  كما أن الأب في المنزل هو مصدر الكثير من الإحباطات، وثبت بالإحصائيات أن الأطفال الأكثر تقمصًا لشخصية الآباء أظهروا نسبة من العدوان في أثناء اللعب بالدمى، كما تبين أن تأثير الأب في النزعة العدوانية عند الأطفال هو أكثر من تأثير الأم، ثم إن السلوك العدواني في العائلات التي تضطرب فيها علاقة الوالدين يكون أكثر من العائلات التي تكون فيها هذه العلاقة مستقرة، وفي الوقت نفسه كلما تعرض الطفل للعدوانية زاد إظهاره لمثل هذا السلوك، والكبار هم دائمًا المثل والقدوة بالنسبة للطفل.

وعلى فرض أن المياه عادت إلى مجاريها بينك وبين زوجتك, ومع ذلك استمر طفلك بسلوكه العدواني, فيجب اللجوء إلى العقاب هنا لأن التسامح يغذي العدوان ولا يزيله، حتى إن الطفل العدواني يعتبر أن التسامح معه هو نوع من الموافقة الضمنية على العدوان.
لذلك فمن الضروري تأديب الطفل وتوجيهه للقضاء على الشعور العدواني، لكن بدون أن يكون الذي يوجه العقوبة للطفل سواء الأب أو الأم خاضعا لحالة انفعالية تجعل العقوبة زائدة عن قدرة الطفل على الاحتمال, والعقاب ضروري للتأكيد على ثبات القيم المعينة على ألا يكون قاسيًا، فتكون النتائج سلبية تمامًا، والأفضل اعتماد القصاص المتوسط والابتعاد عن أسلوب التذبذب بين اللين والقسوة في معاملة الأطفال العدوانيين؛ لأن التأديب الصارم يجعل الطفل يختزن المشاعر العدوانية ليوجهها ضد الغير، وكذلك فاللين الزائد والتساهل يشجِّع المكبوتات العدوانية على الظهور بأشكال وأنماط سلوكية مختلفة؛ لذلك يفضل الأسلوب الثابت المتوسط في القصاص.

كما أن مما يدفع التصرفات العدوانية هو جعل الطفل اجتماعيًّا يتعلم الأخذ والعطاء، ويتعلق بالقيم وإن كان ذلك مجردًا في أول الأمر؛ لأن الطفل بطبيعته يميل إلى المحسوس؛ ذلك لأن التجريد مرحلة راقية لاحقة في التفكير الإنساني، لا يمكن للطفل استيعابها بالشكل الصحيح في وقت مبكر من الطفولة، لكن يمكن لهذه المفاهيم أن تنمو مع نمو الطفل ليدرك معناها فيما بعد, ومن هذه المفاهيم الضرورية حب الخير لأخيه كما يحبه لنفسه, وإنه كلما ساعد والدته في ترتيب البيت فإنها ستحبه أكثر ولا بد من مكافأته على السلوك الإيجابي لتعزيزه في نفسه وتشجيعه على تكراره.

 أما بالنسبة للنوم، ففي عمر ابنك ينام الطفل من 10 - 12 ساعة، فإذا لم يأخذ كفايته من النوم فإنه يصبح عصبيًّا وعدوانيًّا أكثر، وأحيانًا تكون كثرة النوم حتى عند الطفل هروب من واقع أليم، وبهذا نعود لنفس الكلام الأول وهو ضرورة تحسين العلاقة بينك وبين زوجتك.

وإذا أحببت الاطمئنان عليه أكثر فيمكنك عرضه على مختص بالأمراض العصبية؛ لتقدير حالة الدماغ عنده، وإذا كان هناك سبب آخر يدفعه إلى كثرة النوم والعدوانية.
وفقك الله سبحانه، وأصلح أحوالك وأحوالنا وأحوال جميع المسلمين.. اللهم آمين.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |