|
أشكر لك اهتمامك بابن أخيك، ولو أنني –عذرًا– لم أفهم ما قصدته بأنه الابن الوحيد
أو الحفيد الوحيد لأهم فرد في العائلة، فهل تقصد أنه الابن الوحيد لأبيه والحفيد
الوحيد لجده؟ ومن هو أهم فرد في العائلة الأب أم الجد؟
وكائنًا من كان هذا الشخص فأحب أن أبدأ معك من هذه النقطة، حيث تعودنا أن نرتّب
أنفسنا بالمهم والأهم والأقل أهمية، فلماذا؟ كلنا لنا أدوار في الحياة، وكلنا لنا
مراكز في العائلة، وكلنا مهمون بغض النظر فيما إذا كان أحدنا مهندسًا أم طبيبًا..
جدًّا أم حفيدًا، ما دمنا نقدم للحياة شيئًا، وليس معنى ذلك بالضرورة أن نقدم شيئًا
ماديًّا ملموسًا، بل يكفي أن نكون قادرين على تقديم الحب والاهتمام لمن حولنا،
وأذكر قصة عن طفل في مدرسة طُلب منه أن يمثِّل دورًا صغيرًا في مسرحية، فعاد إلى
البيت حزينًا، فلما عرف أبوه سبب حزنه أحضر ساعة وفكّها، وأراه كيف رفع منها أصغر
جزء فيها، ولما أعادها كما كانت لم تعمل الساعة، وفهم الطفل أن لكل دوره المهم.
لا بد أنك تسأل لماذا هذه المقدمة؟ ولماذا هذه القصة؟ أقول: إن الحب والاهتمام هما
علاج حالة ابن أخيك.. إضافة إلى القصص!
ستقول إنه محبوب لدرجة التسيب، فأقول لك: ليس هذا هو الحب، فالحزم لا يتنافى مع
الحنان، والانضباط لا يتعاكس مع الاهتمام. هل فكرت باحتواء هذا الطفل الصغير على
علّاته؟ ماذا يعني أن يكون طفل بعمر ثلاث سنوات حريصًا وبخيلاً؟ ألم يَقُل الله
تعالى: "وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّح"، أي جبلت النفوس وفطرت على الأنانية
والبخل، وهذه الأنانية رغم أنها مكروهة لفظًا لكنها ضرورية للبقاء. تخيَّل لو أن
الأموال كانت مشتركة بين الناس، وكذلك النساء والأملاك وغيرها، كيف سيكون الحال
عندها؟ ألن تكون الحياة كلها فوضى؟
لذلك يا أخي العزيز الأنانية فطرة وحب النفس غريزة، وهي أكثر ما تظهر بسن الطفولة،
حيث لا يستطيع هذا الكائن الصغير أن يعرف الخير من الشر، ولا أن يقيّم الأخلاق
الفاضلة، ولا يدرك عواقب الأمور.
قد يكون التحليل الذي تفضلت به هو السبب، فقد تعوَّد على الأخذ، ولم يتعوَّد على
العطاء، وقد يكون سببًا آخر كوراثة من أحد الأبوين أو حتى من جد أو عم أو خال.. لا
تتعجب من هذا الكلام، فقد اكتُشِف الكثير عما يسمَّى الذاكرة الوراثية، وهي التي
تجعل بعض الخبرات تنتقل عن طريق الشفرة الوراثية كالذكاء والكره لبعض الأشياء والحب
لبعضها الآخر، وغيرها من صفات الشخصية، وفي موضوعنا هنا الأنانية والحرص.
نترك التشخيص إذن ونأتي على العلاج:
العلاج الأول بالحب والاهتمام:
لا بد أنك تعلم أن الطفل يتعلم منا نحن الكبار كل
شيء، ومن أهم هذه الأشياء هو الحب الذي يحتاجه أكثر
مما يحتاج إلى الألعاب، فلو أنك أخذت هذا الطفل إلى
الحديقة كل يوم، وعوّدته أن تشرح له كل ما يراه، وأن
تركض معه بالهواء الطلق وتلعب معه بالكرة، وتفرغ له من
وقتك ومن قلبك فسيحبك أكثر مما يحب أحدًا آخر؛ لأن
النفوس فُطِرت على حب من أحسن إليها، وعندما يحبك
سيقبل منك أي شيء، ويكون حريصًا على أن يستمر اهتمامك
به وحبك له، وسترى أنه سيطيعك كما لو أنك ساحر تأمره
فيفعل ما تشاء، لكن يجب أن تغمره بالحب هذا الدواء
السحري لكل مشكلة، وأن تتغاضى عن أخطائه، وليكن همك
تهذيب الطبع وليس إلغاؤه.
وإن كنت أتمنى لو كان أحد الأبوين هو السائل وهو من
يقوم بهذه المهمة؛ لئلا يحصل اختلاف في وجهات النظر
بين أفراد العائلة بسبب هذا الصغير المفضل, وكي لا
ينشأ لديه شيء من الاضطراب الانفعالي الذي يصيب الطفل
من جراء تضارب مواقف المربين من السلوك الذي يبديه.
ومن الأفضل أن تؤكد حبك له أحيانًا بطريقة مادية بعض
الشيء، فتشتري له في طريق العودة شيئًا مما يحبه،
وتعِده أنه إذا أطعم غيره سوف تشتري له غدًا أيضًا،
فإذا لم يطعم أحدًا لوحده تذكره بالاتفاق وتعامله كأنه
شخص مسؤول، وتنفِّذ وعدك طبعًا؛ ليعتاد هو على
الالتزام بالوعد إلى جانب الكرم. وهكذا فإن المكافأة
تصبح مشروطة بالتصرف المرغوب, والإثابة مهمة في تعديل
السلوك. ومن الخطأ الذي يقع به بعض المربين هو عدم
إثابة الطفل على سلوك جيد, مما يجعل الطفل راغبا عنه
مرة أخرى بدل أن يصبح راغبا به. وتعزيز السلوك
الإيجابي بالمكافآت ينمي حب تكراره عند الكبير
والصغير, وليس بالضروري أن تكون المكافأة مادية دائما,
بل يمكن في حالة ابن أخيك أن يثنى عليه أمام الجميع
بأنه كريم ومحب للغير, وبهذا تتعزز لديه هذه الصفة عن
طريق التشجيع.
العلاج الثاني بالقصص:
لا يفهم الطفل بهذا العمر المعاني المجردة؛ ولذلك تحل
المشكلة بشراء قصص مصورة مناسبة لعمره عن موضوع الكرم
والإيثار، مع مراعاة الوعي الذي يختلف من طفل لآخر في
نفس العمر، وما أحبِّذه أيضًا أن تجلسه قربك على
الكمبيوتر، وتفتح برنامج الرسام، وعلّمه كيف يمسك
بالفأرة، وقل له تعالَ نرسم، أنا سأحكي القصة وأنت
ترسمها؛ وذلك ليشعر أنه ند لك وأهل للثقة، احكِ له قصة
مالك الحزين والثعلب عندما دعا الثعلب مالك الحزين إلى
الغداء، ووضع طبقًا عريضًا، وفيه قطع اللحم، وأخذ
يتلذَّذ بها لوحده؛ لأنه يعرف أن مالك الحزين لا
يستطيع أن يأكل اللحم، وعاد الأخير إلى بيته جائعًا،
ولكنه قرَّر أن يرد المقلب السخيف للثعلب فدعاه إلى
الغداء، ووعد الثعلب نفسه بطعام شهي، ولكن مالك الحزين
كان أذكى منه، فقد وضع الطعام في إناء طويل ضيق يدخل
منه منقاره فقط، ووضع إناء مثله للثعلب الذي ما إن
أدخل فمه حتى استعصى عليه إخراجه، وبذلك نال جزاء بخله
وحرصه وعدم حبه لإطعام غيره.
ولا تنسى أن تضحك منه وهو يرسم، وتمسك بالفأرة وهي
بيده وتساعده على الرسم، أو ترسم أنت ويضحك هو من
رسمك، فالتعليم المرح هو أفضل طريقة في هذه السن
لتغيير السلوك.
وفي كل يوم اخترع قصة جديدة، مثلاً عن القطة البخيلة
التي أكلت الجبن، ولم تطعم صاحبتها، بينما الثانية
كريمة تحب أن تطعم رفيقاتها اللحم فأحبها الجميع، لكن
أرجو ألا يكون قد وسمه أحد بصفة بخيل أو أي لفظ مرادف
مما يستخدمه المصريون بلغتهم المحلية مثلا؛ لئلا يأخذ
هذه الصفة كمرادف لاسمه فيما بعد. وهكذا في كل يوم
قصة وصورة، وبذلك يتحول الصغير إلى الكرم، ويتحول
الكبير الذي هو أنت إلى مبدع قصص للأطفال ورسَّام
أيضًا!
أخيرا أطمئنك ألا داعي للقلق على هذا الصغير؛ لأنه ما
إن يدخل المدرسة أو الحضانة، فسيتعلم كيف يتعامل مع
غيره، وما زلت أذكر الأخ الصغير لصديقتي كم كان مدللاً
وأنانيًّا، أما الآن فأهله يتحسرون على أنانيته؛ لأن
أمواله دائمًا مشاعة بين إخوته في الله، كما أعرف طفلة
في سن ابن أخيك حريصة جدًّا، لكنها عندما ذهبت إلى
الحضانة أصبحت تطعم الأطفال الشيبسي الذي معها، وبعد
ذلك تطلب منهم أن يطعموها مما معهم كرد لجميلها، فتصبح
هي الرابحة؛ لأنها ستأكل من كل الأنواع وبكميات أكبر،
فما رأيك؟ أما زلت تخشى على ابن أخيك ألا يكون قادرًا
على تدبر أموره فيما بعد؟ |