|
اعذرني يا أخي إذا قلت إن شكواك غريبة بعض الشيء خاصة في قسمها الأول، فعادة ما
يشكو الأهل من تأخر طفلهم في الكلام إذا كان في سن ابنك -حماه الله- فكيف يكون كثير
الكلام وعمره سنتين ونصف؟! ليتك أتيت لي بأمثلة عن كثرة كلامه، هل يركِّب جملة
كاملة؟ هل يأتي بجمل متتالية؟ هل يثرثر لمدة نصف ساعة متوالية؟ إذا كانت أجوبتك
نعم، فأقول هنيئًا لك هذا الطفل الذكي فربما أصبح عبقريًّا ونابغة، ونال من الجوائز
ما لا تتخيل!
يا أخي من أبسط الأمور التي تعلمناها لتقييم ذكاء الطفل هو قدرته على الكلام، فهل
تريد أن يكون ابنك غبيًّا أو لا سمح الله أخرس؟
أجمل ما في الطفولة الحركات، والفضول، والثرثرة، ونطق الكلمات بشكل نصف صحيح،
واللثغات، والضحكات، والشقاوات، فهل تريد ابنك أن يكون رجلاً من الآن؟ إذن متى يكون
طفلاً؟ بعد أن يشيخ؟!!
ومع ذلك تعالَ لنفرض أنه كثير الكلام لدرجة الإزعاج، فأقول وببساطة ودون أي حساسية
أن الطفل مرآة أبويه العاكسة أو ظلهما الصغير، فهو يرث صفات الأبوين الخلقية
والخلقية على السواء، وكما يرث الطول، والشعر، ولون العينين، وغير ذلك يرث الذكاء،
أو الغباء، والعصبية أو الهدوء والعنف أو اللطف، وأيضًا كثرة الكلام، فلماذا نلوم
الطفل المسكين؟ وإذا لم تنقل له المورثات هذه الصفات فإنه يكتسبها اكتسابًا من
الناس حوله، فمن الذي يعلمه الكلام؟ هل يبقى عند الجيران طوال الوقت مثلاً؟!
وأما العنف هذه الكلمة الغريبة عن قاموس الطفولة اللطيف، فهذه الصفة إن لم تكن
موروثة، فلا بد أنها سلوك مكتسب ومتعلم، وكيف لا يكتسبها الطفل وهو يجد من يعامله
بها؟ أي لا بد أن أحدًا يضربه دون أن يفهم هذا الصغير سببًا لضربه، فيقوم هو
بالتالي بضرب أخته؛ لأنه يجدها لغة التخاطب الذي يعامله بها الأكبر منه، إضافة إلى
أنه يضربها كدفاع عن وجوده ومكانته، والسؤال المطروح هنا:
هل تمت تهيئته نفسيًّا لاستقبال أخته قبل أن تولد، أم أنه فجأة وجد شريكًا له في
عرش قلبي الوالدين وفي مملكته الصغيرة؟
إن أهم أسباب العنف عند الطفل الصغير هي ما يلي:
1 - خوف الطفل أن يفقد بين أهله بعض امتيازاته كالمحبة والعطف، وكونه شخصًا مرغوبًا
به، ويحدث هذا غالبًا عند مقدم مولود جديد يتصور أنه يزاحمه في هذه المحبة والعطف.
2 - المقارنة السيئة بين الأطفال، كأن يوصف أحدهما بالجمال، والآخر بالبشاعة مثلاً.
3 - الاهتمام بطفل دون الآخر، كولد يُحمل ويُداعب ويُعطى، وآخر يُزجر ويُهمل
ويُحرم.
4 - حب الطفل للحركة والنشاط، بينما يقوم الأهل بكبته في حياة مغلقة ليس فيها
تجديد، ولا أي نوع من النشاط.
5 - عدم إشباع رغبة الطفل الفضولية في اكتشاف ما هو مجهول بالنسبة له.
6 - تقليد أحد الأبوين في تصرفاته؛ لأن ردود أفعال الطفل مستقاة تمامًا من تصرفات
المحيطين به.
أما علاج العنف لدى الطفل فيكون كما يلي:
1 - إشعار الطفل بالمحبة، وهذا ما كان يفعله رسولنا -عليه الصلاة والسلام- ويأمر
أصحابه به، ويرقب تنفيذهم له وإليك هذا المثال: كان النبي -عليه الصلاة والسلام-
يخطب فجاء الحسن والحسين -رضي الله عنهما-، وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويتعثران،
فنزل -عليه الصلاة والسلام- فحملهما، ووضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله عز وجل
"إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة".. نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان
ويتعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما".
ومثال آخر عندما كان -عليه الصلاة والسلام- يداعب الحسن والحسين -رضي الله
عنهما-، فيمشي على يديه وركبتيه، ويتعلقان به من الجانبين، فيمشي بهما ويقول: "نعم
الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما".
2 - الأخذ بالاحتياطات اللازمة عند مقدم طفل جديد للحيلولة دون اشتداد الغيرة
والحسد، وفي حالة طفلك يمكن السماح له بالمساعدة في شؤون أخته عند إلباسها،
وإطعامها، وإحضار ملابسها، ولا بأس من السماح له بمداعبتها، ولكن مع شيء من
المراقبة مخافة إيذائها.
3 - عندما تحمل الأم الصغيرة يستحسن منك أن تداعبه أو تحمله وتحادثه وتلاطفه؛ ليشعر
بالمحبة والاهتمام.
4 - تحقيق العدل بين الأطفال، وقد روى أنس -رضي الله عنه- أن رجلاً كان عند النبي
-عليه الصلاة والسلام- فجاء ابن له فقبَّله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنة له فأجلسها
بين يديه، فقال -عليه الصلاة والسلام- للرجل: "ألا سويت بينهما؟"، فالعدل مطلوب حتى
بالقبلة.
5 – إفساح المجال للطفل للعب، والحركة، ومشاركته في لعبه.
6 - اختلاط الطفل بالأطفال من سنه؛ ليمارس طفولته،
ويشعر بأنه مهم وله أصدقاء.
7 - الخروج بالطفل إلى المتنزهات والحدائق؛ ليرى
الناس، ويشم الهواء الطلق، ومشاركته اللعب بالكرة،
وغير ذلك.
8 - توجيه النقد للفعل وليس للشخصية، كأن نقول إذا ضرب
أخته: هذا خطأ، ولا نقول له: أنت شرير؛ لأنه سيأخذ هذه
الصفات كأنها منه، وبذلك يكون انطباعات خاطئة عن نفسه
قد تؤدي به إلى كره نفسه، وبالتالي إلى عدم قدرته على
حب الآخرين.
9 - إشعاره بقيمته وذاته ودعمه بالمكافآت، سواء كانت
مادية بسيطة أو معنوية كالتصفيق له وتقبيله عندما يأتي
بشيء جيد أو يبتعد عن فعل سيئ.
10 - أهم شيء أن نتذكر أننا قدوة لأولادنا، وأن
أفعالهم انعكاسات لأفعالنا، فهلا كنا قدوة حسنة لهم
بدل أن نلقي باللوم عليهم! وهلا عودناهم أن نبرَّهم
ونعطف عليهم وهم أطفال؛ كي يبرونا ويحسنوا إلينا ونحن
شيوخ، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "رحم الله
امرءاً علَّم ابنه بره".
والتعليم هنا لا يكون بالكلام والأقوال وإنما
بالتصرفات والأفعال.
بارك الله لك بطفليك، وجعلهما قرة عين لك ولزوجتك،
والسلام عليك. |