الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) جرأة الحق كيف نعلمها أولادنا؟

     
 
استشارة من المغرب العربي
 
 
 
 
 

كيف أتصرف تربويًّا؟!!..

لي ابن يقرأ في قسم السنة السادسة وعمره 12 سنة، وهو تلميذ ذكي ومجتهد بشهادة معلِّميه ومعارفه، ويتميز بين زملائه برزانة سلوكه وإرهاف شعوره، إلا أن المعلمة تتصرف معه، وكأنها تريد أن تعقِّده أو تسعى إلى تحطيم شخصيته، وذلك من خلال معاملاتها له المتمثلة في: أنها تبعثه دومًا إلى إدارة المدرسة والأقسام الأخرى، من أجل قضاء حاجة كحمل وثيقة أو وسيلة إيضاح ثم ردِّها، وهذا يشغله كثيرًا عن دروسه ويقلقه، بل يتعبه، وخاصة أنه يدرك الخطر ونوايا المعلِّمة.

إنها تكلّفه بحراسة تلاميذ القسم كلما خرجت أو تشتغل بعمل آخر غير التدريس، وهذا يجعله هو المتسبب في معاقبة المشاغبين في القسم، حتى أصبح جميع التلاميذ لا يتكلمون معه، بل قاطعوه.

لقد تبيَّن لي أن المعلِّمة على علم بشعور ابني بعدما قاطعه التلاميذ وعادوا لا يكلمونه، وهي لم تحرِّك ساكنًا، ولم تحاول تدارك الأمر، بل استحسنت النتيجة -تجدر الإشارة إلى أن للمعلمة بنتًا في نفس القسم تفضلها عن باقي التلاميذ الآخرين-، بل وأكثر من ذلك تسعى دائمًا إلى أن تكون هي في المرتبة الأولى رغم مستواها المتوسط.

 كما أنني أم الطفل زميلة للمعلمة في نفس المدرسة أريد نصيحة تربوية تساعدني في آنٍ واحد على إنقاذ ابني من عقدة نفسية محتملة أو تدهور مستواه التحصيلي، دون أن أجرح عواطف أحد سواء المعلمة أو حتى باقي التلاميذ في القسم، ولكم مني جزيل الشكر، والتقدير، والاحترام.

 
 
 

 
 
 
   

أختي الغالية:
اسمحي لي أن أبدأ بعبارة: (أبناؤنا وأفكارنا لا نجد أجمل منها)، فإعجابنا بأطفالنا ينطبق علينا جميعًا، ولا عجب في ذلك، فهم فلذة الأكباد وزينة الحياة الدنيا.
أشكرك كثيرًا على ثقتك بنا وأشكرك أكثر على التوضيح بضرب الأمثلة، وسأوضح لك بدوري بعض النقاط التي أرجو أن تتقبليها بصدر رحب:

1 - لو كنت أنا مكان أي معلمة، وأردت أن أرسل أحد التلاميذ إلى الإدارة لأمور مهمة، فلن أختار إلا الولد الذكي المجتهد؛ لأن لديه قدرًا من الشعور بالمسؤولية يفوق ما عند غيره، وقد قال الشاعر العربي:

إذا كنت في حاجة مرسلا      فأرسل حكيما ولا توصه

وكذلك لو ذهبت لأي حاجة خارج الصف، وأردت أن يراقب أحد التلاميذ زملاءه، فلن أجد أفضل من الولد المهذَّب؛ لأنه قدوة لأصدقائه في أخلاقه؛ إذ ليس من المعقول أن أترك تلميذًا متسيبًا يحرسهم مثلاً، وإلا لتسيب الصف كله، ألست معي في هذا؟ ابنك مهذب ومجتهد، فلو كنت أنا معلمته لاعتمدت عليه في كل شيء.

2 - تقولين إنه يدرك خطر ونوايا المعلمة، هذا الإدراك مبني على مشاعر أكثر منها حقائق؛ لأنه لا يمكن التحقق من نوايا المعلمة، ولا يجوز أن نعتمد على مجرد الإحساس والتخمين في أي أمر، فقد أمرنا الله تعالى باجتناب الظن، حيث قال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم" (الحجرات: 12).

3 - لا يصح أن نعتمد على هواجس أطفالنا في تقييمنا للآخرين، فأنت تقولين إن ابنك متفوق، وإن ابنتها مستواها متوسط، فما الذي يخشاه من هذه البنت؟ المعلمة قد لا يكون لديها أي نوايا وإنما هاجس ابنك وخوفه ألا يكون متفوقًا، يدفعه إلى تفسير تصرفات المعلمة بالشكل الذي ذكرته أنت.

ومع ذلك فإن من حسن الحظ أنك معلمة في نفس المدرسة، وهذا بإذن الله مما يسهل الأمور، وحل المشكلة دائمًا يكون بمواجهتها وليس بالهروب منها، وسأوضح لك كيف، لكن بعد أن تعدي نفسك وتعديني بأن لا تتم مناقشة النوايا، وإنما نناقش الأفعال والأقوال؛ لأنه لا يعلم الضمائر إلا ربها، وهو سبحانه لم يضعنا رقباء على قلوب الآخرين، وتأكدي يا أختي الكريمة أن في حسن الظن بالناس خيرًا كثيرًا، ومصلحة عامة ودائمة بإذن الله عز وجل.

أولاً: من الأفضل أن تناقشي هذه المعلمة على انفراد؛ إذ يصعب على النفس تقبل النقد أو الاعتراف بالخطأ أمام الآخرين، ونقاشك معها سيكون حول ما يلي: (إن ابني يتأثر مستواه التعليمي نتيجة تكرر خروجه من الفصل، كما أنه لا يحب مهمة مراقبة تلاميذ الفصل وكتابة أسماء زملائه المشاغبين)، هاتان النقطتان فقط هما اللتان يجب أن تركِّزي عليهما دون تحليل الأسباب والدوافع والوقوف على النوايا.. اتفقنا؟

يجب أن تُصرِّي على الحق بطريقة لائقة لا تجرحين فيها مشاعر أي أحد، وبأسلوب فعَّال، ومؤثر، وبكامل الثقة بالنفس، دون أن تضطري للانحناء لأحد؛ لأن شعورك مهم بقدر أهمية مشاعر الآخرين، والسؤال المطروح: كيف أُصِرّ على الحق؟

1 - قدِّمي عريضة احتجاجك بهدوء وبدون أدنى انفعال.
- لا تخضعي لمشاعرك كأمّ لحظة النقاش، وحاولي أن تنسي أن التلميذ ابنك، تخيلي لو أن أمه صديقتك، وطلبت منك مناقشة المعلِّمة في تصرفاتها.
-عبِّري عن أفكارك بقوة، ولكن بسيطرة على النفس، ولا تسمحي لقلبك أن يتحكم بعقلك كي لا تشعر بضعفك، وبالتالي تنتصر عليك حتى لو كنت محقَّة، إضافة إلى أن استثارة مشاعرك تجعل رؤيتك للأمور ضبابية، وتقلِّل من قدرتك على متابعة النقاش.
-تمسَّكي بالنقطتين الهامتين واللتين وضعتهما لك بين قوسين، واستخدمي الجدال بالحكمة، والرفق، والحسنى دون ضعف.

2- ركِّزي على سلوكها مع ابنك أكثر من تركيزك على شخصيتها، وردِّدي كلمة أنا أكثر من كلمة أنت لئلا تظن أنك تلقين اللوم كله عليها، ولا تصلي بها إلى حد الانزعاج مما تقولين؛ لأنك بذلك تمنحينها الفرصة للهرب من النقاش دون أن تحققي ما تريدين أو أن نقاشكما سيتحول إلى جدل عقيم.

3-كوني قادرة على الإنصات إليها لتسمعي وجهة نظرها، ولتستطيعي تفهم مشاعرها وأفكارها.

4-أظهري لها أنك تتقبلينها حتى لو اختلفت معها في وجهات النظر، أي كوني قوية وبنفس الوقت مرنة.

إذا بيَّنت لها بوضوح، وهدوء، وثقة بالنفس أنك لا تقبلين طريقة تعاملها مع ابنك، فلا أعتقد أنها ستطلب منه ذلك مرة أخرى، لكن "يجب أن تكوني هادئة أكثر لتفكري بشكل أفضل لتتصرفي بطريقة أنسب". أرجو أن تتذكري هذه الجملة الأخيرة جيدًا، وتأكدي أنك ستصلين إلى هدفك دائمًا.

ثانيًا: زيدي من بناء الثقة في نفس ابنك، فهو على أعتاب الرجولة، وهناك مناحي كثيرة لبناء الثقة، وما يهمنا الآن هو أن يعلم أن له حق رفض الأوامر التي لا يقتنع بها بشرط أن يكون الرفض بطريقة مهذبة وواثقة، وأن يقدم دائمًا سببًا واضحًا لرفضه، وأكثر الأجوبة إقناعًا هو أكثرها استقامة وبساطة، وهذا يطبق في البيت كما يطبق في المدرسة، ويمكنه أن يرفض عبر بعض الكلمات الهادئة: "آسف لا أريد أن أذهب إلى الإدارة دائمًا؛ لأن هذا يشغلني عن الدرس.. آسف أنا لا أحب مهمة مراقبة الصف في غيابك؛ لذلك أنا لا أصلح لهذه المهمة"، علِّميه أن ينظر في وجه من يحدثه، وبالأخص في عينيه عندما يعبِّر عن رفضه أو أسفه.

وأختار لك مثالاً واحدًا من حياة الرسول (عليه الصلاة والسلام) على جرأة أولاد الصحابة في قول "لا"، والاحتفاظ بالحق حتى لو كان من يطلب ذلك هو الرسول (صلى الله عليه وسلم) نفسه:

أتى رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام هو ابن عباس (رضي الله عنهما)، وعن يساره أشياخ، فقال للغلام:
أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله، ولا أوثر بنصيبي منك أحدًا.

نقطة أخيرة: لا أدري مدى الصراحة بينك وبين ابنك، فبعض الأولاد قد يتهربون من الضغط عليهم والطلب منهم بأن يكونوا متفوقين فيضعون اللوم على المعلمة، وابنك على الأغلب ليس واحدًا منهم، ولكن لا يمنع من مصادقته أكثر وتخفيف الضغط عنه إن وجد.

أرجو أن تفيدك كلماتي أختي الغالية، وتذكَّري أن أفضل شيء نمنحه لأولادنا بعد الإيمان بالله والخلق القويم هو الثقة بالنفس، وأن فاقد الشيء لا يعطيه.
 وفقك الله في مهمتك المقدسَّة كأم، وفي عملك العظيم كمربِّية للأجيال، والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |