|
الأخت الغالية:
فهمت من البيانات أن ابنتك-حماها الله – هي الصغيرة بين إخوتها، أي أنها كما يقول
المثل العامي: "آخر العنقود.. سكر معقود"؛ فالهوينى الهوينى يا أختي ولا تستعجلي..
وكما يقول المثل الغربي: "امنح وقتًا للوقت.. فكل شيء يأتي في حينه".
لم تذكري الداعي لاستعجالك على التزامها بالحجاب، ولعلها بلغت سنّ المحيض، ومع ذلك
فلن يختلف الرد كثيرا في الحالتين، وأعرف أنك مسؤولة عنها، ولكن هذا لا يبرر
لوالدها أن يزيد في معاناتك ويحملك أنت المسؤولية.. فأين دوره هو؟ أليس هو مسؤولا
أيضًا؟
ولنفترض أنها بلغت السن التي يفترض فيها أن تحجب زينتها وفتنتها عن أعين الرجال،
وأن الحجاب فرض عليها كالصلاة.. فهل يصح أن تلزميها به دون أن تتشبع رغبة به أو
تتبنى اقتناعا بضرورته, وأنت ترين المجتمع كيف يمور مورًا بالفتن، وكيف يجذب دعاة
الإباحية الشباب والفتيات بكل وسيلة مغرية؟ فكيف يمكن أن نقول: إن أحكام الله يجب
أن تطبق كما هي وحالنا على ما هو عليه؟!
دين الإسلام لا يمكن أن تكون أحكامه مطبقة بشكل فردي ما لم تجِد لها سندًا في
المجتمع.. فهو لا يقوم إلا على دعامتين اثنتين: دعامة من أخلاق الفرد، ودعامة من
ثوابت المجتمع.
وإذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قد ألغى حد السرقة في عام الرمادة -أيام
القحط- فمالنا –والله- سوى التوسل لله سبحانه أن يرسل لنا رجلاً ملهمًا كعمر يستطيع
أن يأخذ بيدنا في طريق الحيرة والليل الحالك الذي نعيشه, ولكن هل ننتظر الشخصية
الملهمة الكارزمية أم نفعل نحن شيئا لنغير هذا المجتمع من حولنا بالحكمة والأسلوب
الحسن؟
إذن جوابي لك نابع من معرفتي بمجتمعك, ولا ينطبق كلامي
على المجتمعات التي يفرض فيها الحجاب منذ أن تصبح
الفتاة في سن التاسعة مثلا كما في المرحلة الابتدائية
المتأخرة, وعلى كل حال فقد كان من المفروض أن تهيئيها
نفسيًّا للحجاب قبل سنتين على الأقل، ولو لم تلزميها
به، بل على الأقل تحببينه إليها بالكلام العاطفي، حيث
كانت إلى سن الطفولة أقرب ويمكن أن تتأثر بكلامك، لكن
الآن وقد تأخرت فلا أنصحك سوى بالصبر، ومع ذلك فلا
تفهمي كلامي أنني أشجِّعك –لا سمح الله- أن تيئسي
منها، بل تأكدي أننا في هذا الزمن أمام خيارين اثنين
لا ثالث لهما: إما أن ننشئ أولادنا على الإسلام
الحقيقي أو أن شياطين الإنس والجن ستتخطفهم!.
ابنتك دخلت في سن المراهقة، وهي سن التمرد والبحث عن
الذات، وسن الاضطرابات العاطفية والنمو الجسمي الذي لا
يوافقه في منحاه النمو العقلي؛ ولذلك كانت مهمة
التفاهم مع المراهقين من أصعب المهمات، فهم ليسوا
أطفالاً ليتأثروا انفعاليًّا، وليسوا ناضجين ليقتنعوا
منطقيًّا، بل هم في تخبط وحيرة، ومع ذلك لا يعترفون
بذلك دائمًا إلا إذا وجدوا الصدر الحاني، والعقل
المتفهم، والقلب المحب.. فهل تحاولين أن تكوني معها
هكذا قبل أن تطلبي منها أي شيء آخر؟
طبعًا يجب ألا تقارنيها بأختها الكبرى؛ فلكل فرد
شخصيته المتميزة منذ ولادته، ولعلَّ أختها لم تخضع
للمؤثرات والإغراءات التي تخضع هي لها في المدرسة
والنادي والمجتمع.
المطلوب منك أن تحضِّيها على توثيق صلتها بالله
سبحانه.. فهل هي تصلي؟ إذا لم تكن تصلي فهنا هو الخلل
في الحقيقة؛ لأن الحجاب كما تعلمين لم يُفرض إلا في
السنوات الأخيرة من حياة الرسول -عليه الصلاة
والسلام-، أما الصلاة فقد فُرضت في الإسراء والمعراج
عندما كان -عليه الصلاة والسلام- في مكة، ودليل أهمية
الصلاة عن باقي الفرائض أنها لم تُفرض في الأرض، بل
فُرضت في السماء مباشرة من الله عز وجل إلى الرسول
-عليه الصلاة والسلام-؛ لذلك فلا أنصحك أن تأمريها
بأمر أو تنهيها عن شيء إلا إذا كنت واثقة من أدائها
لصلاتها من نفسها دون أن يجبرها أحد على ذلك أو أنها
تؤديها لأن أحدًا ما يراقبها، أي يجب أن ينمَّى فيها
مفهوم مراقبة الله سبحانه وتعالى قبل أي شيء، فإذا
كانت تصلي وتؤدي الصلاة في أوقاتها فهي علامة خير إن
شاء الله. فقد قال الله تعالى: "وَأَقِمِ الصَّلاةَ
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَر". وروى الإمام القرطبي في تفسيره أن أنس
-رضي الله عنه- قال: كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي
-صلى الله عليه وسلم- ولا يدع شيئًا من الفواحش
والسرقة إلا ركبه، فذُكِر للنبي -صلى الله عليه وسلم-
فقال: "إن الصلاة ستنهاه"، فلم يلبث أن تاب وصلُحت
حاله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألم أقل
لكم؟!".
أما إذا لم تكن تصلي أو غير ملتزمة بأداء الصلاة في
أوقاتها، فعليك أن تعيدي بناء الإيمان في نفسها،
وابدئي معها بطريق الترغيب أولاً والترهيب ثانيًا،
وذكِّريها بأفضال الله -عز وجل- علينا ونعمه، واغتنمي
الفرص لتُذكِّريها بآلاء الله سبحانه، واشرحي لها أن
الصلاة وإن كانت فريضة، وتحمل دلالة عبوديتنا لله
سبحانه.. فهي شكر له سبحانه على ما أسبغه علينا من
نعم، وحبِّبي الله تعالى إليها؛ فالله هو الرحيم، وهو
الودود، وهو اللطيف، وهو الذي ندعوه إذا احتجنا،
ونسأله إذا عجزنا، ونتوسَّل إليه إذا افتقرنا،
وذكِّريها أنَّها مخلوقةٌ من تراب، ولكن فيها نفحة من
روح الله، والجسم كما هو بحاجة للغذاء لينمو، كذلك
فإنَّ الروح بحاجة أن تتَّصل بالله لتنمو، واذكري لها
كم يعاني الغربيِّون من الضياع والقلق وحالات الانتحار
بسبب فقدانهم صلتهم بالله عز وجل.
إذن يجب أن تقوِّي الجانب الروحي فيها كي يكون دافعًا
لها على سلوك طريق الله في كل ما أمر ونهى، وذكِّريها
باليوم الآخر وأن حياتنا الدنيا هذه هي سبيل لحياتنا
الآخرة، وأن التزامنا بفرائض الإسلام نابع من كونه دين
الله الذي ارتضاه لنا، وقربي لها مفهوم الدين كما يلي:
إذا اشترى الإنسان أي جهاز مثل تلفاز أو غيره فإنه
يطلب من البائع كتيب التعليمات (الكاتالوج)؛ ليعرف كيف
يعمل هذا الجهاز وكيف يصونه ويمنعه من الأعطال، فهكذا
الدين بالنسبة للإنسان ما هو إلا كتيب التعليمات الخاص
بحياته كي تستمر على أفضل حال، والصانع هو الخالق جل
وعلا؛ فهو أعلم بما يصلح الإنسان؛ لأنه هو من خلقه
وركب فيه الخير والشر "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن"،
فلا بد للإنسان من التقيد بتعاليم الدين كي يعيش حياة
طيبة في الدنيا، ويجزيه الله خير الجزاء في الآخرة،
قال تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً
طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
طبعًا لا يفوتني أن أذكر لك شيئًا مهما، وهو أنها قد
لا تقتنع بكلامك أنت؛ لأنك قريبة منها جدا، وكما يقول
المثل: "مزمار الحي لا يُطرب"، فعليك في هذه الحالة أن
توفري حولها جوا دينيا خارج المنزل أيضا بصديقات أو
قريبات ملتزمات معتدلات يحبِّبن الحجاب لها دون أن ترى
فيهن المتشددات اللواتي حرمن أنفسهن من متع الحياة
الحلال، فيجب أن تفهم أن الدين لا يمنعنا من التمتع
بطيبات الحياة الدنيا "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ
الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا"، "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ
الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ
الرِّزْقِ".
وعندما تجد حولها الرفقة الصالحة، فغالبًا ستنجذب إلى
طريق التدين والالتزام "الصاحب ساحب"، وكما قال -عليه
الصلاة والسلام-: "المرء على دين خليله.. فلينظر أحدكم
من يخالل"، وفي نفس الوقت حاولي أن تخففي من تعلقها
بالصديقات اللواتي يغريها منظرهن بعدم الحجاب بدون ضغط
عليها لفعل ذلك. واحرصي فعلا أن تكون صداقاتها مع
المحجبات المعتدلات أو إذا أصرت على غير المحجبات
فلتكن هاته الفتيات من المعروفات بالخلق الكريم, وإلا
فإن لك حق منعها من مصاحبتهن.
قد يساعد أيضًا اصطحابها إلى دروس دينية ومواعظ ترقق
قلبها أو سماع أشرطة جيدة لبعض الدعاة الشباب من أمثال
"عمرو خالد"، أو متابعة برنامجه على القنوات الفضائية,
وأعتقد أن طريقته جيدة لجذب الشباب والفتيات إلى الدين
ولو لم يتكلم بشكل مباشر عن الحجاب. المهم كما قلت لك
غرس بذور الإيمان فيها، وقد عرفه -عليه الصلاة
والسلام- أن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل،
فعليك أن تقوِّي إيمانها وصلتها بربها أولاً، ثم
تحضيها على العمل ثانيًا.
وأنصحك بأن تستمري في تليين موقفها دون أن تجبريها على
ارتداء الحجاب إذا لم تقتنع به من ذاتها؛ لأنها قد
تضعه أمامك بينما تخلعه في غيابك، وهذا يؤدي إلى
إصابتها بازدواج في الشخصية ومعاناة قد لا يظهر أثرها
الآن بقدر ما يبدو بعد حين؛ بحيث تنطلق غير عابئة بكم
بمجرد أن تجد نفسها حرة من قيود المراقبة، وكم رأيت في
الحياة من هؤلاء الفتيات اللواتي يخلعن حجابهن بمجرد
وصولهن إلى آخر الشارع، فإياك أن تصلي بابنتك إلى هذه
الحال، بل على العكس اغرسي فيها بذور الثقة بنفسها،
وأنك واثقة من أخلاقها، ولا أدري مدى إمكانية إفهامها
أن الحجاب لم يفرضه الله على الفتاة حرصًا على أخلاقها
واستقامتها، بل فرضه كي يصون المجتمع من الفساد
والرذيلة؛ لأن المرأة غير الرجل، والحكمة من الحجاب أن
تختفي المثيرات عن أعين الرجال؛ فلا يروا في المرأة
إلا شريكًا ندًّا له في الإنسانية؛ ليتم بناء المجتمع
على أسس حضارية سامية، وربما كلامي هذا يناسبها عندما
تصبح في سن أكبر قليلاً.
لا تنسي أن تحثيها دائمًا على الأخلاق السامية
والأعمال الخيرة، وإذا كنت قد ربيتها التربية السليمة
فإن الله سبحانه لن يخذلك، ولكن اجعليها دائمًا تتبنى
موقفًا إيمانيًّا نابعًا من الوعي والقناعة، وبذلك
تحترم التزامها وتستطيع أن تدافع عن قناعاتها.
وفقك الله في تربيتها وإخوتها كما يحب الله ويرضى،
وأقرَّ عينك بهم في الدنيا، وجعلهم عملاً باقيًا
وذخرًا لك في الآخرة، والسلام عليك. |