الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) ضحايا الانفصال يطلبون الحماية

 
استشارة من الخليج
 
 
 
 
 

أنا امرأة منفصلة حديثًا من زوجي، ولي منه ولد عمره سنتان ونصف، وقد أخذ زوجي طفلي وتزوج عليَّ امرأة أخرى بعد زواج دام 3 سنوات.

المشكلة أن زوجي معتاد على الزواج والطلاق لمرات عديدة، كما أنني الوحيدة التي أنجبت منه، وللأسف تركني وأخذ ابني مني رغمًا عني ولم يطلقني بعد. وقد أجبرني على العودة إلى بلدي، ورفض بقائي لمجرد تربية الولد؛ لاعتقاده أنه يوفر له جميع وسائل الرعاية، وأن الطفل لم يَعُد بحاجة لي؛ وهو لم يفعل ذلك إلا لأنه يريد الاستمتاع مع زوجته الجديدة دون أي اهتمام لابنه وحاجته إلى أمه.

كنت متفرغة تمامًا لرعاية ابني، والآن بدأ ابني يبحث عني بعد رحيلي، وطبعًا أنا محرومة من رؤيته، خصوصًا أنني في بلد آخر، ويحاول والده أيضًا منعي من الاتصال به أو التحدث معه بالهاتف؛ مدعيًا أنه يتعب نفسيًّا بعد أي مكالمة هاتف معه، ويبدأ بالبكاء والبحث عني، علمًا بأن ابني ذكي جدًّا، وسريع التعلم، ويعرف الكلام جيدًا في عمره هذا.

فأنا لا أعرف ماذا أفعل؟ هل أستمر بالاتصال بولدي ومحادثته لكي يشعر بوجودي ولا ينساني، أم أتركه رغم أنني أتعذب ولا أستطيع رؤيته؛ لأن والده حرمني من ذلك إلا إذا سافرت له من فترة لأخرى؟ ما الأفضل لابني.. أنا لا أريده أن ينسى أمه، خصوصًا أنه صغير؟ أفيدوني أفادكم الله.

 
 
 

 
 
 
   

يا أختي العزيزة.. مشكلتك معقدة جدًّا وهي بحاجة إلى استشارة قانونية، ولا أعتقد أن بإمكاننا تقديمها عبر هذه الصفحة، فأنت غير مطلقة من زوجك بعد، وهذا ما يأباه شرعنا الحنيف، فليس عندنا في ديننا شيء اسمه انفصال، بل هو طلاق تعتد بعده المرأة، ثم تصبح قادرة على الزواج من آخر، وأنت لم تذكري إذا كانت إجراءات الطلاق قد بدأت، أو إذا كنت رفعت دعوى طلب الطلاق أم لا, ولا يبدو في بياناتك أنك مطلقة.

إذن أول ما يجب فعله هو أن تطلقي من هذا الرجل، وفي هذه الحالة فإن حضانة ابنك من حقك ما لم تتزوجي، ولا أظن أن قوانين بلدك أو بلد زوجك تخرج عن قانون الأحوال الشخصية المطبق في أغلب البلدان العربية والمستمد غالبًا من الشرع الذي يخول فيه المرأة رفع دعوى الطلاق للشقاق أو للضرر أو حتى الخلع بأن تتنازلي عن مهرك مقابل حصولك على الطلاق، وهو ما أنصحك أن تلجئي إليه في أسوأ الأحوال؛ لأن مهرك من حقك فلا تتركيه لهذا الزوج غير المسؤول إلا إذا كان هو الحل الأخير.

بالنسبة لطفلك يجب أن يكون ضمه إليك هو قضية حياتك، ولا يحق لأي شخص كائنًا من كان أن يحرمك منه، وهو في هذه السن أحوج ما يكون إليك، وإذا كان زوجك يهمه فعلاً راحة ابنه النفسية فيجب أن يعرف أنها لن تكون إلا عندما يعود هذا الطفل إلى حضن أمه الحنون.

الجئي لأطراف أخرى في التعامل مع زوجك، فأدخلي شخصًا حكيمًا من أهلك وشخصًا حكيمًا من أهله، فإما أن يعيدك إلى ذمته أو أن يطلقك، قال الله تعالى: "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا"، وفي الحالتين سواء برجوعك إليه أو بطلاقك فإن رعاية طفلك من حقك، وإن لم تنفع الحكمة معه، فالجئي إلى الحل الأكثر حزمًا وهو عن طريق القانون بأن توكلي محاميًا يعرف كيف يساعدك على استرداد طفلك.

لا يكفي مجرد اتصالك بطفلك كي يشعر بوجودك كما تظنين، بل إنه سينسى ملامح وجهك بعد فترة، وكذلك لا يكفي أن تسافري إليه من مدة لأخرى، فأنت بذلك تنكئين الجرح بعد أن يشفى في كل مرة، وما يجب أن تفكري فيه فعلاً أن يكون هذا الصغير -الذي لا ذنب له- في حضانتك، ولا أعتقد أن هناك معاناة أصعب من فقد الأم لابنها أو بُعدها عنه، هذا بالنسبة لها وهي الكبيرة، فكيف بالنسبة للطفل غض العواطف طري المشاعر؟

إن معاناة الطفل النفسية هنا لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا يعرف تأثيرها إلا الخبراء، فهي ستترك في نفسه أثرًا أليمًا لا يمحى، وجرحًا غائرًا لا يشفى.. اللهم إلا إذا تم تعويضه بنبع آخر للحب والعطف والحنان؛ إذ إن فقد الطفل لأمه في صغره يجعله ينشأ فاقدًا للثقة بكل من حوله، مهتز الشخصية، عاجزًا عن تقديم الحب للآخرين أو التعامل معهم، بل على العكس لا يمكنه أن يقدم لهم سوى القسوة والكراهية.

أما إذا كنت تعرفين أنك لن تستطيعي أكثر من مجرد الاتصال به بالهاتف أو زيارته من آن لآخر، وخاصة أنك في بلد وهو في بلد، وهو ما يمنعك من رؤيته إلا مرة في العام أو مرتين، فأظن -والله أعلم- أن غيابك من حياته كليًّا أفضل من هذه الاتصالات أو تلك اللقاءات، وقد يكون عدم طرحك لفكرة ضمه إليك لسبب لم تذكريه؛ فقد لا يرغب أهلك برعايتهم لطفل لا يعتبرون أنفسهم أهله كما يحصل للأسف أحيانًا في بعض الأسر؛ إذ يجبر الأهل ابنتهم المطلقة عن التخلي عن أطفالها إذا اختارت أن تعيش معهم، بحجة أن نسب أطفالها لأبيهم فيظلمون ابنتهم وأبناءها، وهذا ما هو إلا عادة من عادات الجاهلية كما قال الشاعر الجاهلي:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا…… بنوهن أبناء الرجال الأباعد

أخيرًا.. مشكلتك هذه ما هي إلا واحدة من مشاكل كثيرة مثلها تفوح رائحتها الوخيمة في مجتمعاتنا، وما ذلك إلا لسوء الاختيار عند الزواج الذي لم يَعُد يقوم على الدين والخلق بقدر ما أصبح يُبنى على كم يملك الزوج من أموال وقصور. ولماذا لا تكون حالتنا هكذا بعد أن وضعنا كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم –صلى الله عليه وسلم- وحكمة السلف الصالح خلف ظهورنا؟ وقد قال تعالى: "إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"، وقال رسوله –عليه الصلاة والسلام-: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"، وعندما سئل الحسن البصري –رحمه الله-: لمن أزوِّج ابنتي؟ قال: "زوجها لتقي، فإنه إذا أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها".
أصلح الله حالك وحالنا وحال جميع المسلمين، وردنا إلى ديننا ردًّا جميلاً إنه على كل شيء قدير
.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |