|
تسألين يا أختي العزيزة عن أمر مهم من أمور التربية، ولكن الشطر الأول من السؤال
ليس بصعوبة الشطر الأخير، فما أسهل بناء المظهر مقابل إعداد الجوهر، واختيار
الملابس وتناسب ألوانها يسهل بالتعود، وهو عائد لذوق من يختار الملابس، فما يراه
شخص مناسب له يرفضه شخص آخر، ولا مانع من أن يشارك الطفل في اختيار ملابسه مع
تعليمه المرونة في كل شيء، فأنا مثلاً أقدر الأم التي تختار لطفلها الثياب المريحة
التي لا تقيد حركته، ولا أحب إدخال مفهوم الأناقة إلى عقول الصغار بقدر ما أحبِّذ
تعليمهم النظافة وترتيب الهيئة والبساطة والبُعد عن الغلو كما قال -عليه الصلاة
والسلام-: "كلوا، واشربوا، والبسوا، وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة" رواه البخاري،
وتربيتهم على أن يخرجوا للناس بهيئة جيدة ويراعوا نظرة الناس إليهم دون تفاخر عليهم
كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا
لباسكم حتى تكونوا كالشامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش" رواه أبو
داود.
وكذلك تعويدهم شكر الله على نعمة الثياب وشكر من أحضرها كائنًا من كان.
وقد شغلتنا المظاهر للأسف عن الاعتناء بالعقول والأخلاق، فدعينا من الشطر الأول من
السؤال وأرجو أن يكون جوابي عنه كافيًا، وإلا فلك أن تعوِّديهم ما يحلو لك. لكن
الأناقة لها ثمنها بالطبع، ونحن يا أختي أمة مجاهدة وقد علمنا -عليه الصلاة
والسلام- ما يلي: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم".
فبدل أن نهتم بأن تمتلئ خزانة الملابس بأحدث صيحات الموضة، ليكن همنا بأن تمتلئ
قلوبنا محبة لبعضنا بعضًا، وأن تمتلئ قلوب أولادنا -الذين سيسألنا الله عنهم فهم
ضمن أعمالنا الصالحة أو السيئة كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "أولادكم من كسبكم"-
بالشعور بمآسي الآخرين والسعي لتفريج كرب المحزونين، وخاصة ما يحدث لإخواننا في
فلسطين، فليرَ أطفالنا كيف أن أطفال فلسطين بدون مأوى، وملابس، وبدون طعام وشراب،
ولنغرس فيهم روح الإيثار بأن يفعلوا شيئًا لهم حتى لو كان مجرد جنيه أو ريال
يوفِّرونه في حصَّالتهم يتبرعوا به، وإن الله سائلنا جميعًا عن هذه المحنة ماذا
فعلنا لإخوتنا.
أعود للشطر الأهم من سؤالك، وهو تعويدهم على اختيار الأصدقاء الصالحين، وفعل
الأشياء الصحيحة، وأهم ما يقال هنا هو أن نكون لهم القدوة الحسنة، فنعطيهم دروسًا
عملية في حسن اختيارنا لأصدقائنا، وفي قولنا الصدق، وفي فعلنا للخير.
وما ينصح به أيضًا هو تعليمهم وتربيتهم بالرفق والحنان والعاطفة أثناء إرشادهم إلى
الصحيح من الفعل، وتجنب الغلظة المفرطة؛ لأنه كما تقول الحكمة: (من أطاع عصاك
عصاك)، فيجب أن يشرح للطفل أن اتباعه الأشياء الصحيحة ليس لنا مصلحة فيه، وإنما
لمصلحته هو ومصلحة مجتمعه، ولا مانع من التساهل بين الحين والآخر لترك الطفل يكتشف
بنفسه مساوئ عدم اختياره للصديق الصالح أو للفعل الصحيح، وبضدها تتمايز الأشياء؛
ولذلك ينصح بعض المربين أن يترك الطفل ليخوض تجربة فاشلة شرط ألا تكون نتائجها
مدمرة طبعًا، بل تجربة محدودة المخاطر، فيكون الاستنتاج العملي أكثر تأثيرًا
وثباتًا في ذهنه من المواعظ النظرية, وهو ما يسمى تربويا بالعقاب عن طريق نتائج
السلوك.
تختلف طرق التفاهم مع الطفل حسب عمره وحسب شخصيته، وما وضعه الله فيه من إمكانيات
وقدرات، فابنة الثلاث سنوات نحكي لها قصة عن اختيار الأصدقاء بين الحيوانات مثلاً،
بينما طفلة في الثامنة أو أكبر يمكن أن تكون القصة عن صديقين من الناس مع العبرة،
وذكر حديث الرسول -عليه الصلاة والسلام-: "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء
كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد
منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحًا خبيثة".
قد يساعدك ما أورده لك هنا مما يمكن تعليمه للأطفال من الناحية الإيمانية
والأخلاقية، فيجب العناية بأصول الإيمان، وأركان الإسلام، ومبادئ الشريعة، وحب
الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وذكر سيرته العطرة، وقصص الصحابة الأوفياء والتابعين
الأجلاء، وأهم ما نربِّي عليه أولادنا هو الخوف من الله ومراقبته سبحانه، وبذلك لا
يفعل الطفل الشيء أو يتركه حرصًا على ثناء أحد أو خوفًا من عقاب أحد، ولكن طمعًا في
ثواب الله وخشية عقابه، فيتعود على الفعل الصالح سواء كنا معه أو كان لوحده، ويمتنع
عن الفعل السيئ كذلك، ورحم الله أحد الصالحين الذي حكى قصته مع خاله عندما كان عمره
ثلاث سنوات، وكان عندما يستيقظ ليلاً يجد خاله راكعًا أو ساجدًا، فعلمه خاله هذه
الكلمات: (الله شاهدي، الله ناظري، الله معي) فأصبح هذا الطفل عندما كبر من أفضل
العلماء إخلاصًا لله.
وهذه العبارة على قصرها تغرس في الطفل مراقبة الله تعالى، وعدم الخوف إلا منه
سبحانه، وهذا ما نتمناه لهذا الجيل أن يكون إيمانه بالله -عز وجل- قويًّا لدرجة لا
يقبل معها أن يكون عبدًا لأحد إلا لله سبحانه، لعلَّ الله يهيئ لهذا الجيل النصر،
وهذا لا يكون إلا بتربيته على القناعة بأن عبوديته لله وحده تحرره من أن يكون عبدًا
لأحد.
ومن ناحية الأخلاق فمسؤوليتك كبيرة عن تحليهم بالصدق، والأمانة، والاستقامة،
والإيثار، واحترام الكبير، وإكرام الضيف، والإحسان إلى الجار، ومحبة الآخرين.
كذلك أنت مسؤولة عن تربيتهم على صون ألسنتهم من الفحش والأذى، وعن تنزيه آذانهم أن
تسترق السمع إلى الأسرار، وغض بصرهم عن العورات والمحرمات، وامتناعهم عن التدخل
فيما لا يعنيهم.
ومسؤولة عن ترفعهم عن سفاسف العادات، وقبائح الأخلاق كالكذب، والسرقة، والنميمة،
والغيبة، والتنابز بالألقاب، وكل ما نهى الله ورسوله عنه.
ومسؤولة عن تعويدهم على ما أمر الله به ورسوله من معاملة الناس بالخلق الحسن، وأن
يؤتوا للناس بما يحب أن يؤتى إليهم.
كل هذا يا أختي وغيره لا يتم إلا كما بيّنت بالقدوة الحسنة منك ومن والدهم، وبالقصص
أو بالمواعظ حسب سنهم، وبالتنبيه للخطأ في حينه، وعدم التهاون في الأخطاء الكبيرة،
بينما يمكن التغاضي عن الأخطاء الصغيرة مع الطلب بعدم تكرارها. وتذكري أنه كي تبقي
لهم شخصيتهم يجب ألا تحاولي تغيير الطبع بل تهذيبه، فإن الطبع يغلب التطبع؛ لأنه
كما يقال ملازم للروح، ومع ذلك فالحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم.
كذلك يمكنك أن تزيدي من قوة شخصياتهم بالسماح لهم بمناقشتك في أوامرك وأوامر والدهم
لهم، ولا تعوديهم على الطاعة العمياء وطأطأة الرؤوس وتقبيل الأيدي، بل يجب أن نغرس
في نفوسهم مفاهيم الاقتناع بما يفعلونه، وأن كل أمر يمكن أن يخضع للمناقشة إلا
أوامر الله سبحانه وأوامر نبيه -عليه الصلاة والسلام- فهي مقدسة، وحتى هذه الأوامر
المقدسة لا مانع إذا تساءلنا عن الحكمة منها فمثلا الصلاة ليست مجرد حركات جسدية
إنما هي لأن الإنسان عبارة عن جسد وروح, فالجسد يحتاج الغذاء لينمو, وكذلك الروح
بحاجة إلى الصلاة والعبادة لتكبر ويزدهر فيها الخير, وباعتقادي أن هذا ممكن شرحه
لطفل بعمر 8 سنوات بأسلوب مبسط فهو يفهم أن الله خلق آدم من تراب ونفخ فيه من روحه,
ويعلَّم المناقشة بتهذيب وأدب، ويشرح للطفل أن معنى كونه جريئًا لا يتنافى مع كونه
مهذبًا, ويشجع على طرح الأسئلة والمناقشة لتنمو عنده ملكة الحوار وكذلك لتتعزز لديه
القدرة على المحاكمة والاستنتاج ومعرفة الخطأ من الصواب.
وفقك الله تعالى، وأعانك على تربيتهم، وجعلهم قرة عين لك في الدنيا، وعملاً صالحًا
يضاعف ثوابك في الآخرة. والسلام عليك. |