الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) البنات ألطف الكائنات

 
استشارة من مصر
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. عند إنجاب الطفل الثاني أصبحت ابنتي ذات الأربع سنوات شديدة العصبية، ومتمردة لا تسمع الكلام، وتحاول إيذاء أخيها رغم أن معاملتنا لم تتغير، بل أصبحنا نبدي اهتمامًا متزايدًا بها، ونحضر لها الهدايا والألعاب، ولكن الحال لم يتغير، وأخيرًا حدثت الطامة عندما اصطحبها بعض الأهل إلى أحد الأفراح، وشاهدت الراقصة، وأصبحت تقلدها في حركاتها، وعندما نهرتها كانت ترتدع وقتيًّا، ثم تعود مرة أخرى حتى أصبحت أضربها، لكني أعلم أن هذا ليس الحل. أعينوني جزاكم الله خيرًا.

 
 
 

 
 
 
   

سبق وبينا في هذه الصفحة أسباب الغيرة عند الأطفال، وشرحنا أن أهم سبب هو عدم تهيئة الطفل لاستقبال المولود الجديد، حيث إن الطفل لا يرى في هذا الوافد الغريب إلا شخصًا يريد أن ينتزع منه محبة أبويه، ويتربع بدلاً منه على عرش قلبيهما، فهذه الغيرة دفاع طبيعي عن وجوده وأحقيته في البقاء والاستمرار.

والمشكلة دائمًا فينا نحن الأهل وليس في أطفالنا حقيقة؛ إذ يظن بعضنا أن الطفل بسبب صغر سنه لا يفهم أو لا يشعر، بينما الواقع يشهد بأن أطفالنا أكثر ذكاء وحساسية مما نتصور، خاصة فيما يتعلق بوجودهم الحياتي وحصولهم على الحب الذي لا يمكن لكائن كبير أو صغير أن يستمر في الحياة بدونه، فحاجتنا إلى الشعور بأننا محبوبون ممن حولنا مرغوبون من أهلنا فطرة فينا جميعًا.

أنت تقول: إنكم أصبحتم تبدون اهتمامًا بها أكثر من ذي قبل، لكن هل من يعالج المرض بعد أن ظهر كمن يتوقاه منذ البداية؟
يجب أن يهيأ الطفل نفسيًّا قبل مجيء أخيه وبكل أسلوب ممكن، وأقص عليك هاتين الحادثتين عن طفل وطفلة كيف تم إعدادهما ببساطة وكيف كانت النتيجة:
الحادثة الأولى  لطفل كان عمره 20 شهرا  عندما كانت والدته الحامل بأخيه تضع ملابسه في مكان، وتضع ملابس الجنين في مكان قريب، شارحة له أن هذا ما يخصه وذاك ما يخص أخاه الذي سيأتي، وهكذا كل شيء في حياة الطفل تحاول أن تعطيه جزءاً منه وتترك جزءاً لأخيه، من ألعاب وأشياء أخرى، وكل ذلك قبل أن يأتي الطفل الثاني بشهر تقريبًا، وكانت قبل ذلك تفهمه أنها تحمل في بطنها أخًا له، فإذا وقع الطفل على بطنها تفتعل البكاء قائلة له: أخوك يبكي تعالَ وقبِّله، فيأتي الطفل ويقبل بطن أمه ليصالح أخاه، وهكذا حتى تمت ولادة الطفل الثاني، وكبر قليلاً، وأصبحت تتركهما معًا عند المربية التي تعتني بعدة أطفال آخرين، وكم أعجبت هذه المربية بحرص هذا الطفل ذي السنتين ونصف على أخيه؛ إذ لم يكن يسمح لأي طفل آخر بالاقتراب منه، بل يدفعه قائلاً: ابتعد.. إنه أخي.
أما الثانية فكانت مع بنت صغيرة عمرها 3 سنوات تقريبًا، كانت تأتي مع والدتها الحامل لعيادتي، ولا أزال أذكر شقاوتها وحركتها ولعبها بكل ما تصل إليه يداها، ولكن ما إن أضع مسماع الجنين على بطن والدتها حتى تترك كل شيء وتصرخ قائله: انتبهي.. إياك أن "تفعصيه" (بلهجتها الفلسطينية المحببة)، فأضحك، وتعلق أمها قائلة: هذا ما أقوله لها عندما تقفز على بطني بغير قصد.

طبعًا أنا سردت هاتين القصتين ليستفيد من يقرأ صفحتنا منهما، وأنه من الضرورة بمكان أن نعلم أطفالنا محبة بعضهم بعضًا، حتى قبل أن يظهر الطفل الثاني للوجود؛ فالأخلاق يجب أن يرضعها الطفل مع حليب أمه؛ ليكون فردًا محبًّا لمن حوله، خيِّرًا في مجتمعه، وفيًّا لأمته.

أما في حالة طفلتك الآن؛ فالحل يكون بإغراقها بالحب والعطف والحنان؛ لأنها بحاجة إلى هذه المشاعر أكثر من حاجتها للهدايا والألعاب، وتنبيهها بلطف إذا حاولت إيذاء أخيها، ومشاركتها في حمامه، وفي إحضار ملابسه؛ لتشعر بأنها مسؤولة عنه، وأنه بحاجة إليها، وأنه يحبها ومسرور منها إذا ساعدت في حمامه وإلباسه.

ويتأكد ذلك أكثر إذا استطاعت الأم أن تشركه معها في ألعابها رغم صغره؛ فمثلاً لو كان عمره أربعة أشهر أو أكثر تضعه الأم في حضنها وتشارك الطفلة ألعابها مظهرة أن أخاها فرح أيضًا، وأنه يحب اللعب معها، لكنه لا يستطيع أن يستعمل يده مثلاً، وسيكبر بسرعة ويستمتعان معًا باللعب، وسيذهبان معًا إلى البقالة أو المدرسة، وأنها لن تكون وحدها بعد اليوم؛ فهناك من يحبها أيضًا غير أمها وأبيها.

كذلك قد يساعد إخراجها من جو البيت إلى الحدائق والأماكن العامة على تغيير وضعها النفسي؛ فالمرح هو سرّ سعادة الطفل، ويمكن استغلال هذه النقطة بأن يكون أخوها معها أيضًا، ويوضَّح لها كم هو سعيد بها وبمرحها أمامه.

وبكلمة مختصرة: حاول أنت ووالدتها أن تُدخلا محبة الصغير إلى قلبها، ولا يحتاج هذا إلا إلى بعض الحكمة والصبر والتفهم.

أما المشكلة الثانية، فماذا أقول يا أخي غير سامحك الله؟! لماذا نسقط أخطاءنا على أطفالنا ثم نعاقبهم هم بدل أن نعاقب الفاعل الحقيقي للخطأ؟ ماذا تريدها أن تفعل بعد أن رأت الراقصة؟ وهل هي المسؤولة عن رؤيتها، أم من اصطحبها للفرح، أم من سمح لبعض الأهل باصطحابها، وهو يعلم أن أكثر الأفراح لا تخلو من رقص وهز وسط وخلع وخلاعة؟؟

المشكلة فينا نحن أننا -كما يقال- نريد أن نضع الورود في المزهرية فنحطمها ونحن نقصد تزيينها وتجميلها، وهذا ما فعلت أنت يا أخي العزيز! فأنت تريد أن تربّي ابنتك على الفضيلة، لكنك تنسى أنها طفلة لا تعرف الخطأ من الصواب-وتنسى أن كل مولود يولد على الفطرة، ولكن أبويه ينصرانه أو يهودانه أو يمجسانه كما قال عليه الصلاة والسلام- فتنهرها وتضربها!.

الطفل هوايته التقليد؛ فابنتك تقلد الراقصة دون أن تعلم أن هذا الفعل خاطئ، وكيف تدرك ذلك وهي رأت كم نالت هذه الراقصة من إعجاب وتصفيق؟ وأنت تنهرها في الوقت الذي تتوقع هي منك التشجيع على أساس أنها تفعل ما استحسنه الناس وصفقوا له.. فأنت بنهرك لها توجِد في نفسها شيئًا من التناقض، هذا إذا لم تشجعها على التمسك بهذه العادة؛ لأن كل ممنوع مرغوب، فكيف إذا ضربتها؟!

هل تعرف ماذا يمكن أن يخلف الضرب في موقف كهذا في نفسها؟
قد يحمل الضرب والتشديد على البنت إلى أحد أمرين عندما تكبر:إما أن تنشأ على الخجل المذموم -وليس الحياء المحمود- فتكبت إحساسها وشعورها، وتعيش مريضة في نفسها أو جسدها، فلا تستطيع أن تتواصل مع أحد بالتعبير عن رغباتها، ولا في استطاعتها أن تربّي أولادها على الشعور بالعزة والكرامة، وكيف تفعل ذلك وهي تفقد في نفسها هذه المعاني أصلاً؟

أو أن تجمح في سلوكها وتخرج على آداب مجتمعها وتتمرد على حياة بيتها، فما إن تجد مجالاً لنسيم الحرية خارج البيت حتى تنفلت من كل قيد، ضاربة عرض الحائط بكل مفاهيم الحياء والعفة، وما أكثر ما رأينا حالات كهذه أو تلك في مجتمعنا، وما سببها إلا قسوة الأهل على البنت منذ صغرها.

أكثر من مرة ذكرنا في هذه الصفحة أن ما يؤثر في نفوس أطفالنا ليس تصرفاتنا العادية، وإنما ارتكاساتنا وردود أفعالنا غير الطبيعية، ومن هنا ننصح في كل مرة بأن نحافظ على توازننا أمام أطفالنا مهما كان خطؤهم كبيرًا، ويشرح للطفل أين الخطأ، ولماذا هو خطأ، حسب عمره وقدرته على الفهم، ولا يمنع أبدًا من أن نحتضنه بالحب والحنان حتى بعد الخطأ وبعد التنبيه له، وكأن شيئًا لم يكن.

ثم يا أخي ليست مصيبة كبرى أن يرقص الطفل أو يغني؛ فهو نوع من الترفيه المباح لهذا المخلوق الصغير جسدًا الكبير روحًا، ولا بد له من الحركة والمرح، فدعوا الأطفال يمارسوا طفولتهم، وما وجدتم من طبع سيئ فهذِّبوه، أو عادة قبيحة فغيِّروها، أو تصرف خاطئ فأرشدوهم إلى الفعل الصحيح، لكن ليكن ذلك بالحنان والرفق، وليس بالقسوة والعنف.

ولنا في حبيبنا ورسولنا –صلى الله عليه وسلم- خير قدوة في معاملة الأولاد وبالأخص إكرام البنات؛ فقد روى البخاري عن أبي قتادة قال: بينما نحن على باب رسول الله عليه الصلاة والسلام جلوس؛ إذ خرج علينا رسول الله عليه الصلاة والسلام يحمل أمامة بنت زينب ابنته، فصلَّى وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع ويعيدها على عاتقه إذا قام حتى قضى صلاته.

هكذا ينبغي أن يكون الأب مع ابنته حتى في العبادة بين يدي الله عز وجل، وكانت فاطمة بنت الرسول -عليه الصلاة والسلام- إذا دخلت على أبيها رحَّب بها، وقام إليها، فأخذ بيدها فقبلها، وأجلسها في مجلسه. رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد. وهذا دليل على ضرورة إشعار البنت بقيمتها ومكانتها في نفوس من حولها.

وقد لا يخطر على بال أحد كم وصَّى الإسلام بالبنت وتأديبها ورحمتها! ومن ذلك قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "من كانت له ثلاث بنات يؤدبهن ويكفيهن ويرحمهن فقد وجبت له الجنة" قيل: يا رسول الله وإن كان له بنتان؟ قال: "وإن كان له بنتان"، قال: وإن كانت له بنت واحدة؟ قال: "وإن كانت له بنت واحدة" رواه أحمد والحاكم وأبو داود بألفاظ متقاربة. ولا أظن السبب إلا لأن هذه البنت هي أم في المستقبل، وتقع عليها مسؤولية كبيرة في التربية وإعداد الجيل؛ فإذا صلحت البنت صلح المجتمع كله، وإذا فسدت فسد المجتمع كله.

إذن فتذكر يا أخي أن السبيل إلى تربية طفلتك ليس الضرب أو الغلظة بالقول، لكن السبيل المضمون أن تغرس في قلبها حب الله تعالى، والخوف منه، والرغبة في ثوابه، والرهبة من عقابه، وهذا ما يمكن البدء به منذ الآن حسب ما يمكن لعقلها الصغير أن يستوعبه، وابدأ دائمًا معها بالترغيب لا الترهيب، خاصة في هذه السن الصغيرة. وكذلك فإن من السهل جدا إشغالها لتنصرف عن الرقص إذا كان لا يعجبك بأي شيء آخر, مثلا باللعب مع ألعابها وبسرد القصص التي تحبها وبمشاركتها اللعب أيضا, ولكن علي أن أذكرك أن الاتفاق على مفاهيم التربية وأساليبها بين الوالدين يجعلها ذات فائدة, وإلا فإنه من الممكن أنك تنهرها, ويأتي أحد من الأقارب في غيابك ويشجعها فهذا خطأ كبير لأنه يجعل هذه الطفلة الصغيرة لا تعرف أين الخطأ وأين الصواب فتنشأ مهزوزة الشخصية أو تنافق هذا وتدجّل على ذاك كل حسب ما يرضيه. 

وفقك الله عز وجل، وحمى ابنتك وبنات كل المسلمين من كل سوء، وأعاننا على تربية أولادنا التربية الصالحة؛ ليكونوا لنا ذخرًا يوم القيامة، والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |