الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) كيف أقنع أولادي بالمقاطعة؟

 
استشارة من مصر
 
 
 
 
 

لا يخفى على أحد ما يحدث في فلسطين الآن، ومدى ما نعانيه من عجز عن نصرتهم بالطرق المباشرة؛ فنحن لا نملك إلا الدعاء والقيام ببعض أشكال المقاومة المدنية، مثل: استخدام سلاح المقاطعة.

إن أطفالي يعشقون فلسطين من عشقي أنا ووالدهم لها، أصبحت لعبتهم المفضلة هي "اليهود والمقاومون الصغار"، ولا تتخيلوا مدى سعادتهم حين يحرزون النصر على جندي يهودي التي إن دلَّت على شيء فإنما تدل على براءتهم النقية.

لكن مع تصاعد الأحداث وخوفي أن تستغرقهم هذه الحرب الخيالية، وترتطم انتصاراتهم على صخرة اليأس؛ حاولت استنهاض هممهم، والانتقال بهم إلى ساحة الفعل الحقيقي.. لم أجد سوى سلاح المقاطعة، لكني وجدت صعوبة كبيرة في إقناعهم في التخلي عن الأشياء المفضلة لديهم، أنجح أحيانًا وأفشل في أحايين كثيرة؛ فهم صغار السن، وأصدقاؤهم بالمدرسة والحضانة يشربون الكولا، ويأكلون الحلوى الأمريكية، ويرتادون المطاعم الأمريكية التي تتزين للصغار وللكبار؛ فهل أجد العون لدى صفحتكم في كيفية إقناع أطفالي بالمقاطعة؟ ولكم جزيل الشكر علما بأن أعمارهم 9, 6, 4 سنوات.

 
 
 

 
 
 
   

أحيي فيك هذا الوعي بقضية المسلمين الأولى وهي القضية الفلسطينية, وأبارك هذه الروح التي تشعر بمعاناة أهلنا في الأرض المقدسة, وأقدر مدى حرصك على تربية أولادك وربطهم بمفهوم الأمة وقضاياها المصيرية.

تعتبر المقاطعة شكلا فعالا من أشكال المقاومة السلمية والمشروعة, فهي على الأقل لا يمكن أن تدخل ضمن المفهوم الجديد للإرهاب والعنف والذي يجعل طفل الحجارة إرهابيا بينما يدعي أن شارون رجل سلام, كما لا يمكن لأحد أن يجبر أحدا على شراء منتج معين فكل إنسان حر في اختيار ما يرغب به ويناسب مبادئه. وقبل أن أدخل معك في تفاصيل كيفية إيصال هذا السلاح الفعال وغير العنيف لأطفالك دعيني أوضح لك بعض الأمور:

يجب قبل أن أطلب من الأولاد حب فلسطين أن أبين لهم ماذا تعني فلسطين بالنسبة لنا نحن المسلمين, فهي أرض الإسراء والمعراج, وهنا يحسن أن نربطهم أولا بالرسول عليه الصلاة والسلام ونقص عليهم شيئا من سيرته وأن ديننا الإسلام جاء ليحرر الإنسان من كل ظلم, وجاء ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله, فلذلك كل مسلم مسؤول أمام الله على أن يحقق هذا المعنى, وهو ما تعنيه كلمة خلافة الله في الأرض في قول الله تعالى:( إني جاعل في الأرض خليفة), وهنا من الأفضل أيضا أن نشرح للأطفال  معنى المؤامرة التي أقسم عليها إبليس عندما طرده الله من الجنة, عندما قال: ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين)، فالعدو الأول لبني البشر هو الشيطان الذي رفض أن يطيع أمر ربه ويسجد لآدم الذي فضله الله بالعقل الذي جعله أهلا لحمل الأمانة.

إذن هناك شيئان أساسيا يجب أن يعرفها أولادنا ليتقبلوا بعد ذلك أوامر الله ونواهيه, ويتفهموا معنى الحلال والحرام, ومتى نقاطع ولماذا, وهي : أولا: الصراع الأبدي بين الخير والشر ممثلا في قصة آدم عليه السلام وإبليس لعنه الله,, ثانيا: المسلم خليفة الله في الأرض لأن الله أكرمه بالدين الكامل الخاتم. طبعا هذه المعاني أعتقد أنها يصعب إفهامها لصغيريك, لكن أجليسيهما مع الكبير الذي يمكنه فهم هذه الأشياء, وهو قدوة لأخويه, وله تأثير عليهما , ومع ذلك فليسمعا شيئا مما تقولين, وقد لا يستطيعان فهم هذه الأشياء المجردة, لكنني أعتقد أنها ترسخ في بنيتهما النفسية وتفيدهما فيما بعد. يمكنك الاستعانة بالقصص وخاصة قصص الأنبياء وسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وقصص الأخلاق لترسيخ هذه المفاهيم , فقط لا تجعليها كلها في جلسة واحدة بل كل يوم قصة كي لا تكثري عليهم فيملوا. ثم من مفهوم دور المسلم في الحياة تنطلقي إلى واجبه وهو بناء الحياة الرشيدة أي الحضارة على وجه الأرض, وهذا لا يكون إلا بشيئين وهما: الإيمان والعلم.
وتأتي منه إلى شرح مفهوم الحضارة عند أمريكا, فهي دولة متفوقة علميا واقتصاديا لكنها ليست دولة حضارية, لأنها لا تعتمد على الإيمان ولا على الأخلاق, واحكي لهم كيف بنى الأمريكان الأوائل دولتهم على الظلم حيث لجؤوا إلى قتل الهنود
الحمر وهم سكان البلاد الأصليين, وأبادوهم, واستعبدوهم, فهي تساند إسرائيل وتشجعها على أن تسير بنفس طريقتها في إبادة الشعب الفلسطيني, لذلك هي تدعمها بالسلاح التي تقتل به الفلسطينيين, وعندما نشتري أي منتج أمريكي نحن نساعد على قتل أخوتنا. لكن هل نقاطع كل شيء لأنه صنع في أمريكا؟ طبعا لا, فنحن بحاجة إلى العلوم والتكنولوجيا, فإذا استطعنا الحصول على العلم الذي هو أساس النهضة من بلاد إسلامية أو صديقة فيجب أن نفعل, وإلا فلا مانع أن نتعلم من أمريكا ثم نضم إلى ما تعلمناه الإيمان الذي تفتقده أمريكا فنستطيع بذلك أن نتغلب عليها.
إذن القاعدة هنا كقاعدة المحرمات في الإسلام , وهي أن الضرورات تبيح المحظورات, لكن لا تعني مقاطعتنا للمنتجات الأمريكية أننا نعادي الشعب الأمريكي كله, فمنهم الذين هم ضد سياسات دولتهم في دعمها لإسرائيل, بل هناك أمريكان يقاطعون الشركات الأمريكية التي رأس مالها إسرائيلي أو تعود نسبة كبيرة من أرباحها لإسرائيل, لذلك يجب أن تدخلي في عقول الأطفال مفهوم عدم تعميم الأحكام, فليس الأمريكان سواء, وكذلك ليس كل اليهود صهاينة, فالصهيونية حركة عنصرية بغيضة, أما اليهودية فرغم أنها حرفت, فهي ديانة سماوية أمرنا الله ببر أتباعها إذا لم يكونوا محاربين, وقد قال الله سبحانه وتعالى:( من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون).

أختي العزيزة: أهم ما نعلمه لأولادنا في الحقيقة هو أن ثقافتنا مختلفة عن ثقافة الغرب, فأغلبهم يعيش للمتعة لأنهم لا يؤمنون بالحياة الآخرة , أما نحن فنعلم أن حياتنا هذه هي طريق للآخرة, وأن الله سوف يسألنا عن أعمارنا وأوقاتنا وأموالنا,
فكل دقيقة يجب أن تكون لله كي يرضى عنا, بما فيها المذاكرة إذا كانت لخدمة الأمة ولبناء المجتمع كما يحب الله, وحتى اللعب إذا كان للترفيه عن النفس بشرط ألا تكون حياتنا كلها لهوا ولعبا, وكذلك أموالنا فلا مانع أن ننفق منها على
أنفسنا لكن يجب أن نتذكر إخوتنا الفقراء والمحتاجين والمنكوبين, وهنا يحسن أن تعلميهم التوفير من مصروفهم من أجل فلسطين, وأكدي دائما على مفهوم الأخوة, أي قولي لهم تذكروا إخوتكم في فلسطين, ليشعروا بمعاناة المسلمين, فقد قال عليه الصلاة والسلام:( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم). وإذا استطعت أن تعلميهم مع شكر الله على نعمه من طعام أو ملابس أن يدعوا لأطفال فلسطين أن ينالهم مثل هذه  النعم فافعلي.
 وأهم ما تربيهم عليه هو أن لديهم واجبات دينية, وواجبات دنيوية, فإذا لم تعلميهم الصلاة فابدئي بذلك, ومن أهم ما أنصحك به أن توقظيهم على صلاة الفجر, حتى يقطعوا استمتاعهم  بالنوم , والمقصود هو الكبير بالطبع الآن,  فيتعودوا على أن الصلاة خير من النوم, ومن خبرتي ومما قرأت أيضا أن من يعتاد على صلاة الفجر وهو صغير قلما يدع الصلاة عندما يكبر, لأنه اعتاد على نمط حياة معين وهي أن أوامر الله ورضاه أهم من كل شيء.

أما بالنسبة لرؤيتهم أصدقاءهم وهم يتناولون الأطعمة الأمريكية فالحل بسيط, وهو جيد جدا في بناء الشخصية المسلمة المستقلة بأفعالها عن أفعال الآخرين, فكل مجزي بعمله, ولسنا مسؤولين عن أخطاء الآخرين, وعلينا أن نكون قدوة لهم في عمل الخير ومكافحة الشر, أي أفهميهم أن المسلم لا يتصرف كما يتصرف الناس سواء أصابوا أو أخطؤوا, بل يتصرف بمقتضى ما يمليه ضميره ودينه وعقيدته, وفي الحديث:( لا يكن أحدكم إمعة , يقول: إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت, ولكن ليكن إن أحسن الناس أحسن وإن أساؤوا ترك الإساءة).

إذن ثقافتنا ثقافة الخير والمحبة لجميع بني البشر, بينما ثقافة الغرب وأمريكا خاصة هي ثقافة المتعة والنفع المادي والمصلحة والأنانية بغض النظر عن مصالح الآخرين, وهذه هي أمريكا فإذا عرفوا ذلك فلا بد أنهم يرفضوا أي شيء أمريكي, وما
ذكرته لك هو ما اتبعته مع أولادي الذين يدرسون المناهج الأمريكية, لكنهم يكرهون أمريكا, ومنذ بدء الانتفاضة - بفضل الله - كل ما يوفرونه من مصروف يذهب لفلسطين لأنهم يعلمون أن كل الحسنات بعشر أمثالها إلا الصدقة فهي بسبعمائة ضعف.

وفقك الله للخير ولتربية أولادك التربية الصالحة, والسلام عليك

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |