الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) آه من قلوب العاطفيين الصغار

 
استشارة من الخليج
 
 
 
 
 

طفلي (6 سنوات)، متعلق بدرجة كبيرة بأمه، لا يحب أن ينام إلا وهو يضع يده في يدها، صعب جدًّا أن تخرج أمه وتتركه مع الخادمة، بل مستحيل، مع العلم أن أخته الصغرى تقبل، من الصعب أن تتركه مثلاً في الألعاب خارج البيت وتدخل للتسوق، دائمًا الولد نكد لا ينبسط. قبل فترة انتقلت أنا والده للعمل في إمارة بعيدة عنهم أصبحت أراهم أسبوعيًّا.

ملاحظة لعلها تفيدكم.. أخته أصغر منه شخصيتها أقوى منه، وهي ليست متعلقة مثله، مرة تركته أمه فسألها: إذا متما أنت وأبي من سيكون لنا بعدكما؟ ما رأيكم؟ وجزاكم الله خيرًا.

 
 
 

 
 
 
   

دهشت من أن يسأل طفل بعمر ست سنوات هذا السؤال الذي أوردته في نهاية المشكلة والذي يدل بالطبع على أن الطفل فاقد لشيء اسمه الأمان، وهنا يحق لي أن أطرح الأسئلة التالية: من أين أتته هذه الفكرة؟ إما أنه أشد وعيًا من سنه، فطفل بعمره لا يسأل هذا السؤال إلا إذا بثه أحد بالغ في عقله، أو أنه تعرض لحادث أليم في طفولته جعله ينفصل عن والدته لفترة طويلة، وهذا ما لم تذكره.

سأحاول أن أفسِّر لك تعلق طفلك بأمه بأحد هذه الأسباب أو أكثرها:
1 - أنه البكر، والمثل
 العامي يقول: (البكر حصة أمه)؛ لأن الأم تعطي اهتمامها كله وحنانها للطفل الأول؛ إذ إنها تجرب الأمومة لأول مرة، وكثيرًا ما تسكب عواطفها عليه بشكل كثيف جدًّا، فتربط مشاعرها به، وبالتالي ينشأ الطفل متعلقًا بها إلى أقصى درجة، خاصة إذا لم تنتبه الأم لهذا التعلق منذ البداية، فتخفف منه وتعلم الطفل الاستقلال عنها تدريجيًّا.

2 - غياب الأم بعد تعلق الطفل بها يزيده تعلقًا إذا لم يتم إفهام الطفل لماذا تتركه أمه، وأن يشرح له أن غيابها بشكل مؤقت، وأنه لا يعني أنها لا تحبه، وكذلك إذا لم يتم تعويضه عن هذا الغياب عند وجودها بأن تتفرغ له في البيت وتمنحه جرعات الحب والحنان بشكل مضاعف. وإمساكه بيدها عند نومه خير دليل على أنه فعلاً بحاجة إليها وإلى حنانها، ويعبِّر عن خوفه من فقده لها بلغة اللمس كما عبَّر عن خوفه من فقدكما بالكلام بتلك الجملة المخيفة إذا نطقها طفل.

3 - اختلاف شخصيته عن شخصية أخته شيء طبيعي، وذلك عائد إما إلى سبب أنه البكر كما أسلفت، أو أن الأمر يعود لطبيعة وراثية، فقد يشابه طفل أحد أبويه فيكون عاطفيًّا، بينما يرث آخر قلة العاطفة من الوالد الآخر، أو اختلاف الظروف التي خضع لها في طفولته الأولى عن ظروف أخته عندما كانت في نفس عمره، وهنا أعود إلى التساؤل: هل اختلفت ظروف حياة العائلة عما كانت عليه من قبل؟ وما يجعلني أطرح هذا السؤال مرة أخرى هو البيانات التي ذكرتها، فإن كانت صحيحة فمعنى ذلك أنكم تقيمون في بلد غير موطنكم الأصلي، وخاصة أن الأم تعمل أيضًا، فهل اضطرت لتركه عند أي أحد بسبب سفرها من أجل العمل؟

أسأل أيضًا: هل الطفل يذهب للمدرسة أم يبقى طول الوقت في البيت مع الشغالة؟ وهنا أؤكد على تصحيح مفهومك حول طبيعته النكدية؛ إذ إن سبب "نكده" إذا صح التعبير أن والدته ستتركه من أجل التسوق، وهو متعلق بها إلى أبعد الحدود، فكيف تريده أن يكون منبسطًا مسرورًا، وهو بعيد عن قِبلته الحبيبة ومهوى فؤاده؟!

طفلك يا أخي العزيز عاطفي، وهذا ما يجب أن يحسن استغلاله، وليس كما تفعل أن تعترض عليه، فأن ينشأ الطفل عاطفيًّا خير بألف مرة من أن ينشأ ماديًّا، وأضرب لك مثلاً عن حالتي طفلة وطفل لاثنتين من صديقاتي تعرضا لغياب والدتيهما وهما في سن الثالثة، فالأم الأولى عندما عادت من سفرها بعد عام لم تقترب ابنتها منها إلا لتأخذ الألعاب والهدايا منها، وذهبت وجلست في حضن جدتها، وعندما أرادت السفر ودعتها ابنتها بسهولة متناهية واقتنعت أن مجرد إسورة ذهبية تغنيها عن أمها.

أما طفل الصديقة الثانية فرغم أنه ذكر –والذكر بطبيعته أقل حساسية ورهافة حس من الأنثى- عادت إليه الحياة عندما عادت أمه، وعندما كانت أمه مضطرة للسفر مرة أخرى وتسأله: ماذا أحضر لك معي؟ وتعرض عليه أسماء أحب الألعاب إليه لم يكن يذكر سوى جملة واحدة: خذيني معك، وتم له ذلك بالفعل وعوضته أمه الفقد السابق، بينما الطفلة الأولى ما زالت لا تعرف أمًّا لها إلا جدتها، فأي الطفلين سيعترف بفضل أمه ويذكرها عندما يكبر؟

إن الأم هي نبع الحنان للطفل، ولا يستطيع أحد أن يعوض فقدها إلا في حالات استثنائية، وحتى في هذا الاستثناء غالبًا ما تفقد الأم مكانتها في قلب طفلها؛ لأنه يستعيض بحب غيرها عنها، وهذا ما لم يحصل في حالة طفلك والحمد لله، وما هو محتاج إليه فعلاً هو الكثير من الدعم النفسي من قبل أمه، بأن تفرغ له من وقتها أكثر، فست ساعات تقضيها في البيت ليست كافية، وأعتقد أن المقصود بها نهارًا، فهل هذه الساعات الست مفرغة له كليًّا؟

ما أنصح به أن تفرغ له من وقتها نهارًا، فتجلس إلى جانبه وتشاركه في ألعابه هو وأخته الصغيرة، وتصحبهما في نزهات بشكل مستمر، وتشرح له سبب غيابها السابق عنه إذا كان ما أظنه صحيحًا، وتفهمه أنها لن تتركه بعد اليوم، وتحاول أن تزيد في غرس ثقته بنفسه، وأنه يستطيع أن يعتمد على نفسه بأشياء كثيرة، ولكن كل ذلك بلطف لا يزيد من جروح نفسه وقلبه الصغير. وأما ليلاً فلا مانع من أن تقترب منه وأن تنام معه جزءاً من الليل، وتحاول أن تعدل من سلوكه المتعلق بها شيئًا فشيئًا عن طريق القصص، كما بينت في استشارة سابقة، وهي:
فصل المنام حلول مقترحة؛ ووجوده في مدرسة بين أصدقاء يزيد من اعتماده على نفسه واستقلاله عن والدته.

وفقك الله تعالى، وبارك لك في طفليك، وأعانك على تربيتهما التربية الصالحة؛ ليكونا قرَّة عين لك ولوالدتيهما، ولا تنس الحكمة الخالدة قول الذي لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام: "رحم الله امرأ علم ابنه بره"، ولا يكون هذا التعليم إلا برحمته والرفق به في الصغر فيبركما في الكبر، والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |