|
أهلاً بك حبيبتي، واسمحي لي أن أبدي إعجابي بك دون أن أراك، وكيف لا أعجب بك وأنا
أسمع صبية بعمر الورد تتحدث عن نفسها وتحاول أن تتبصر ما بداخلها لتكتشف أخطاءها،
فتاة متدينة متفوقة خلوقة يحبها الجميع، فكيف لا أحبها أنا أيضًا؟
فقط أطمئنك يا صديقتي أن ما تشعرين به من تقلب المشاعر والآراء شيء طبيعي بالنسبة
للمرحلة الحرجة التي تمرين بها، وهي مرحلة تخزن مشاعر الطفولة، وتحضن أفكار النضج،
وشتان ما بين الطفولة وأفراحها، وما بين النضج ومسؤولياته.
هذه المشاعر المتقلبة والآراء المتغيرة هي عادية إن كانت في مثل سنك؛ لأنها مرافقة
للتغير الذي يحدث مع الفتاة على الصعيدين: الجسمي والنفسي، وبما أنك وضعت يدك
عليها، فهي عابرة ولن تتطاول معك بإذن الله تعالى.
أنصحك فقط هنا بشيئين:
الأول: أن تنتبهي أن هناك أشخاصًا يجب ألا يطالهم هذا التعميم، فالوالدين مثلاً هم
أعرف الناس بمصلحتنا، ومحبتنا لهما يجب ألا تنقص حتى لو كانا قاسيين علينا في بعض
الأحيان؛ وذلك لأن قسوتهما نابعة من حبهما لنا وحرصهما علينا، ولأن ديننا الحنيف
يأمرنا ببرهما والإحسان إليهما حتى لو كنا نحسبهما ظالمين.
الثاني: إذا أحببت شخصًا ألا تُفرطي في حبك له، وإذا كرهت شخصًا ألا تبالغي في
إظهار كرهك له، وإذا خطر لك رأي فلا تتعصبي له، وإذا ذكرت أمامك أي فكرة فلا
تنكريها بشدة؛ لأن هذا الإفراط يقلب الحقائق ويجانب الصواب، والاعتدال في علائقنا
مع الناس هي الحكمة التي تبقي على روابط المودة، وتقضي على آثار العداوة، وتسدّ
ثغرات الشيطان التي ينفذ منها إلى الصداقات والمودات، وتذكّري حديث النبي -صلى الله
عليه وسلم- المرفوع: "أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك
هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما".
أما بالنسبة لموضوع الثقة بالنفس فسأخبرك بسر مهم وهو أن أغلبنا يبدو واثقًا بنفسه
أكثر مما هو عليه في الحقيقة، وهذا ضروري؛ لأننا يجب ألا نظهر نقاط ضعفنا إلا أمام
من نثق بهم، ونحبهم كي يساعدونا ويقدمون لنا العون والنصح.
ويكفي أنك تبدين واثقة بنفسك أمام الناس رغم ما تشعرين به من ضعف بينك وبين نفسك،
وكلنا فينا جوانب ضعف وجوانب قوة، وعلينا أن نضع أنفسنا في موضعها الحق، وننظر إلى
نقائصنا ومزايانا، فما وجدنا من مزية وفضل نحمد الله عليه وننفع الناس به، وما
وجدنا من نقص نتداركه بالعلاج والإصلاح.
ويمكنك اتباع الأمور التالية لزيادة ثقتك بنفسك:
1 - سجِّلي قائمة بالنقاط الجيدة فيك، وضمّنيها أشياء عن شخصيتك، وإحدى المهارات
التي قمت بتطويرها، وواحدًا على الأقل من الإنجازات التي تعتزين بها، سواء على صعيد
البيت أو المدرسة أو المجتمع، وامنحي نفسك ما تستحقه من ثناء.
2 - احتفظي بيومياتك الأسبوعية، تسجلين الأشياء الإيجابية فقط: متاعب تخلصت منها،
أناس كانوا ودودين ولطيفين معك، مواقف استمتعت بها، ودائمًا أضيفي إلى يومياتك
عندما تكونين في حالة طيبة، اقرئيها عندما تشعرين بعدم الراحة.
3 - تمرَّني أن تقدمي الإطراء إلى شخص في كل يوم، وتأكدي أن ثناءك صادق ومناسب دون
أن تستخدمي النفاق أو المدح الزائف، ولكن قدمي كي تستلمي بالعدل ما تستحقينه،
ولاحظي الطرق المختلفة التي يستقبل الأشخاص بها الثناء المقدم لهم، وحين يجيء دورك
في تلقي أحدها لا ترفضيه أو تضحكي عليه أو تقولي: إني كنت محظوظة فحسب، عليك أن
تتلقي الثناء باعتباره شيئًا تستحقينه، وليس سببًا للشعور بالحرج.
طبعًا لا بد لك من عقد صداقات جيدة، وحاولي أن تجدي الصديقة الوفية التي تفهمك،
ولعلها تكون والدتك، فاقتربي منها وبُوحِي لها بمخاوفك؛ لأنها أعرف الناس بك،
وأكثرهم حبًّا لك، وإذا استطعت أن تجدي مجموعة من الصديقات تعتبريهن أخوات لك في
الله تعالى، وتلتزمين معهن عند مربية فاضلة الخلق غزيرة العلم، فإن في هذه الصحبة
ما يعينك بإذن الله سبحانه على تخطي هذه المرحلة بسهولة.
أرجو لك كل الخير والتفوق في كل مجال، ويسعدني أن أسمع
منك. |