الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) علاج آثار أبغض الحلال إلى الله

 
استشارة من الخليج
 
 
 
 
 

السلام عليكم.. أعيش أنا وابني بعد انفصالي عن والده من البداية مع والدتي وأختيّ.. تعددت على ولدي جهة الأوامر، واختلفت أمامه الآراء بيني وبين أهلي كثيرًا لدرجة الشد والخصام، فكنت أعامله أحيانًا بقسوة وعصبية، وأحيانًا بتدليل مع تغير معاملة الأهل له، والآن أصبح ابني في السابعة والنصف.. عصبيا.. عنيفا.. ليس لديه ثقة في نفسه.. انطباعه عن نفسه سيئ.. لا يثق في نفسه.. يخاف كثيرًا.. يحب دائمًا أن يكون قويًّا ليضرب كل من أساء إليه وإلى مشاعره كخالاته مثلاً.. وأصبح حسَّاسا جدًّا، ومع هذا فهو ذكي، سريع الفهم، لا يسمع كلامي.. ماذا أفعل وأنا أخاف أن أخسر ابني نفسه؟

 
 
 

 
 
 
   

لم يكن الطلاق أبغض الحلال عند الله إلا –والله أعلم- بسبب تأثيره النفسي على الأطفال الذين هم معقد آمال الأمة وجيل المستقبل، فمهما كان تأثيره شديدًا على أحد الزوجين أو كليهما، فلن يكون بفداحة تأثيره على الأطفال الذين سيرثون علَّة نفسية متمكنة، واضطرابًا عاطفيًّا خطيرًا إن لم ينتبه للمشكلة من بدايتها، فانفصال الأبوين وتشتت الطفل بينهما يفقده الشعور بالأمان والحماية والرعاية التي تتطلبها الطفولة لنمو نفسي سوي، وتصرفات ابنك من عصبية، وعنف، وعدم الثقة بالنفس، وخوفه الشديد، وحبه لإظهار قوته ليست إلا نتيجة للظروف الأسرية والاجتماعية التي يعيشها.

فليس فقده لوالده هو السبب الوحيد –ولو أنك لم تشرحي لنا طبيعة علاقته مع والده وهل يتصل به بشكل أو بآخر؟- لكن وجوده بين أشخاص يختلفون في أسلوب تعاملهم معه بين القسوة والدلال، وحتى اختلاف تعاملك أنت معه من مرة لأخرى، فأنت لست ذات أسلوب واحد في المعاملة، ولم تذكري أنك تتخذين طريقًا وسطًا بين القسوة والتدليل، ولكن ذكرت مرة هذه ومرة ذاك، وهذا إن دلَّ على شيء فإنه يدل على أنك أنت تخضعين لظروف نفسية صعبة تسقطينها أيضًا على طفلك الذي لا ذنب له، وهو ما يزيد الوضع حدة والأمر صعوبة.

إن البيوت المحطمة أو المتصدعة تشكِّل سببًا كبيرًا لانحرافات الأحداث في المجتمع، وذلك بسبب غياب الأب أو الأم، أو تهدم كيان الأسرة التي هي حصن الطفل الواقي والنواة الأولى لتكوين شخصيته وأخلاقياته بشكل عام، وابنك يا عزيزتي يعيش في جو من التفكك الأسري والاضطراب العاطفي، وهو ما يجعله عرضة لتمزق نفسي يستحيل معه أن يكون شخصًا سويًّا في المستقبل إذا لم تتداركي الأمر بأسرع ما يمكن، وذلك بالمعالجات التالية على صعيدك النفسي، ثم على صعيد طفلك.

أولاً: يجب أن تخرجي من أزمة انفصالك عن والده، وأن تتجاوزي نظرة المجتمع إلى المطلقة ولعلها في مجتمعك أقل حدة مما هي عليه في المجتمعات الأخرى لكثرة حالات الطلاق في بلدك مع الأسف والتي أرجو أن ينتبه لها المختصون بالمعالجة، وذلك بالرجوع إلى الشرع الحنيف، وتعرف الخطيب على خطيبته قبل الزواج في حدود الشرع، وليس كما يحصل في كثير من الأحيان أن الرجل لا يعرف زوجته إلا ليلة الدخلة، فيتعرض أحدهما أو كلاهما للمفاجأة؛ لأن شريكه عكس أحلامه وتوقعاته، وكثيرًا ما يحتمل هذه الصدمة ويستمر؛ لأنه بحاجة إلى الزواج، فالزوج يدفع مهرًا غاليًا جدًّا لعروس لم يرَ وجهها غالبًا، والزوجة لا تملك إبداء رأيها في شريك حياتها لا قبل الزواج ولا بعده، وتتفاقم المشكلة مع مضي السنين، وخاصة مع مجيء الأطفال، فهنا يحصل الطلاق الاجتماعي بعد مضي سنين على الطلاق العاطفي. وربما أفضت في الشرح؛ لأنني عايشت مجتمعك فترة من الزمن، وأرجو أن يعمل المخلصون عندكم على التغيير للأفضل، وإلا فإن حالات الطلاق في ازدياد رهيب.

إذن حاولي الخروج من أزمتك محاولة جادة، ولن تستطيعي أن تصلحي ما بينك وما بين طفلك أو أي شخص آخر، ما لم تصلحي ما بينك وبين نفسك وتتقبلي وضعك على أنه قدر من الله وأنت تعرفين من خلال دراستك وعملك ما معنى الإيمان بالقضاء والقدر، وكم يضفي على النفس رضى وتفاؤلاً عندما تتقبل أي بلاء أو مصيبة؛ لأن فيها حكمة الله تعالى حتى لو كانت خافية: "مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَه" (التغابن: 11).

ثانيًا: يجب أن تستقلي في مسكن أنت وطفلك وليكن قريبًا من أهلك، ولكنه يضمن لك الاستقلال عنهم؛ لأن أكثر ما يؤثر في نفس الطفل هو اختلاف وجهات نظر المربين، خاصة إذا دارت المناقشات أمامه، وأنت تقولين إن هذا الاختلاف أدى للشد والخصام بينك وبين أهلك. وأرجو ألا تجدي هذا الأمر صعبًا، فأنا أعرف ماذا يعني أن تعيش امرأة لوحدها في المجتمع العربي خاصة في مجتمعك، لكن ما يهمك هو طفلك وليس كلام الناس الفارغ، وأطمئنك أنه يوجد حالات مماثلة في بلدك تعيش المرأة لوحدها وتعيل نفسها إما بشكل دائم أو أغلب الوقت كما يحدث في حال زواج الرجل من أكثر من واحدة وهي حالات موجودة بكثرة عندكم.

ثالثًا: يجب أن توازني في معاملتك له بين القسوة والدلال، وأن تكوني له نِعْم القدوة في الأخلاق والقيم؛ إذ لا يمكن أن تكون ردود أفعالك تجاهه عصبية، ثم تطلبي منه أن يكون هادئًا؛ لأنه لا بد أن يتخذ طريقتك مثالاً له، فينشأ عصبيًّا عنيفًا، ويكيل لك الصاع صاعين الآن أو غدًا، أما إذا عاملته بالحنان واللطف المصبوغين بالحزم –والحزم عند الضرورة فقط في حالته- فسيرد هذا له ثقته بنفسه، وسيذكر فضلك طوال حياته، ولأنقل لك قول الأحنف بن قيس عندما سأله معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- عن الأولاد فقال: "هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم وإن غضبوا فأرضهم، فإنهم يمنحونك ودهم ويحبونك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقيلاً فيملوا حياتك ويتمنوا مماتك"؛ لذلك أرجو أن تحاولي قدر الإمكان التخفيف من عصبيتك، وملاطفة ابنك، وحسن معاملته والرفق به، واتباع الحكمة في ذلك دون دلال زائد أيضًا؛ لأن الدلال يفسد شخصية الولد، فينشأ معتمدًا عليك، أنانيًّا، ضعيف الشخصية.

رابعًا: يجب ألا يُذكر أبوه أمامه بسوء من قبلك أو من قبل أي أحد؛ لئلا تشوَّه صورة القدوة والمثل الأعلى في نظره، وبالتالي يتعرض لاهتزاز مفهومه عن القيم والزواج والأسرة فيما بعد، وكثيرًا ما يكوِّن الطفل انطباعاته عن نفسه من انطباعاته عن والديه، فأي تحقير أو إساءة للوالد يعتبرها موجهة إليه شخصيًّا، ولا أدري إن كان هذا السبب في ضربه لمن يسيء إليه أو إلى مشاعره، فالرجاء أن تُفهمي أهلك ضرورة عدم ذكرهم لأبيه إلا بالخير، وإلا فهدِّديهم أنك مضطرة للانقطاع عنهم من أجل طفلك الذي لا ذنب له كي يدفع ثمن خطئك أو خطأ والده، وبيِّني لهم أن طريقة دفعه لثمن أخطائهم معه، سيكون أول ما يكون بكرهه لهم وخسارتهم له آجلاً إن لم يكن عاجلاً.

خامسًا: يجب أن تتفقي مع والده على الطريقة الأنسب ليلتقي به بين الفترة والأخرى، ويفضل مرة في الأسبوع على الأقل، كما يفضل أن تتفقا على معالجة أمور الطفل، فمثلاً قد يتطلب وجود الأب في مشكلة داخل المدرسة أكثر من الأم، خاصة في المدارس التي يفصل فيها الجنسين كما في بلدك، والتي يمنع فيها دخول المرأة إلى المدرسة للسؤال عن طفلها الذكر.

لكن إذا لم يستجب الوالد لذلك أو لم يهتم بطفله فلا تشوِّهي صورة والده أمامه واعتذري عنه بأنه مشغول أو مسافر، وأنه يحبه ويودّ رؤيته، لكن الظروف لا تساعده. وكي لا يقع الطفل في حيرة بينك وبين والده.. اشرحي له ببساطة أن انفصالك عن أبيه لا يعني أن أحدكما أو كلاكما غير جيدين، بل سبب الانفصال هو اختلافكما على بعض الأمور.

سادسًا: أعيدي بناء ثقته بنفسه كما يلي:
1- أكِّدي على النواحي الإيجابية في شخصيته كذكائه، وتفوقه في المدرسة، ويمكنك دعمه بالمكافآت المعنوية بالتصفيق له، وضمه إلى صدرك وتقبيله، والمكافآت المادية كالنزهة في الحدائق، وشراء الألعاب المفضلة لديه، والخروج إلى الملاهي، وغيرها.
2 - أشعريه بالأمان، ولا تكثري عليه الأوامر، بل ساعديه على الاستمتاع بهواياته المفضلة بين الحين والآخر، وكذلك لا تكثري من نقدك لتصرفاته، بل وجهيه بلهجة حانية هادئة.
3 - شجِّعيه أن يتكلم عن عواطفه تجاهك وتجاه والده، حتى لو انتقدكما؛ لأن الكلام يريح نفسه المضطربة، وتفهمك له يمنحه الثقة بك أكثر.
4- ساعديه على تكوين صداقات، وهي ضرورية لجعله شخصًا اجتماعيًّا غير انطوائي، ولا تمنعيه أن يدعو أصدقاءه للبيت، وأن يزورهم أيضًا، ولعله يكوِّن شبكة اجتماعية تساعده على الشعور بالانتماء الذي سيفقده إن لم تتفاهمي مع والده بشأنه.
5 - شاركيه لعبه، واقتربي منه دائمًا، وأشعريه بحنانك اللامتناهي، وأغرقيه بحبك وعاطفتك، ريثما يتجاوز هذه المرحلة، وقد يلاحظ الفرق بين معاملتك السابقة له والحالية، فيمكنك الشرح له أنك كنت تمرين بظروف صعبة وأنك تخلصت منها، وأن وجوده إلى جانبك يجعل حياتك جميلة، وأنه كل شيء في حياتك.
6- قد يتساءل عن سبب الفرق بينه وبين أصدقائه، وأنه يعيش بدون أب خاصة في حال عدم اهتمام والده به، فعلِّميه كيف يتقبل وضعه، وأن الحياة لا يوجد فيها دائمًا كل ما نرغب به، فهناك أطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم، وأطفال يعيشون في الخيام بدون ملجأ، وأطفال ليس عندهم غذاء ولا ألعاب، وعليك أن تعوديه ألا يكون متطلبًا دائمًا.
7- علِّميه معنى الإيمان بالله سبحانه، وأنه يجب ألا يخاف إلا من ربه الذي خلقه والذي يحميه من كل سوء، وتفهمي أسباب خوفه جيدًا، وأعينيه على التخلص منها، فخوفه ليس إلا نتيجة لفقده الشعور بالأمان كما بينت.

هذا ما أستطيع نصحك به، وأدرك أن ما أنت فيه مشكلة حقيقية، لكن أهم ما يجب أن تنتبهي له أنك مسؤولة أمام الله -عز وجل- عن حياة طفلك ونموه النفسي الصحيح، وأنك تُحيين نفسًا "وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا"، وليست الحياة هي بالغذاء والكساء فقط، بل هي بالحب والحنان والرعاية والاهتمام؛ لينشأ طفلاً سويًّا، وليكون عضوًا نافعًا في مجتمعه. وإذا تخلى والده عنه لعدم شعوره بالمسؤولية، فكوني له الأم والأب، وتذكَّري حديث الرسول –عليه الصلاة والسلام-: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت".

لا تنسي أن تلجئي إلى ربك سبحانه، فالإيمان والعقل هما مفتاحا الحل لكل مشكلة، فاستعيني بربك سبحانه وتعالى، واقتربي منه، وأكثري من دعاء سيدنا إبراهيم -عليه السلام-: "رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبراهيم: 40، 41)، والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |