الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) تساؤلات سنة أولى تربية

 
استشارة من الخليج
 
 
 
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خيرًا على مجهودكم الرائع والنية الخالصة في العمل، وأثابكم الله خير الجزاء.
وسؤالي هو: لقد رزقنا الله بمولودة وعمرها الآن 5 شهور، فما هو الأثر النفسي والتربوي للإسراع أو الإبطاء في الاستجابة لبكاء ونداء الطفل؟

سؤال آخر، جزاكم الله خيرًا: نحن نعمل في بلد عربي فما أثر البعد عن جو العائلة وافتقاد حنان الجد والجدة على الطفلة؛ حيث إنه لا توجد لدينا علاقات اجتماعية هنا؛ فمن العمل للبيت فقط، ولا يوجد جيران وخلافه؟ وفي أي عمر تكون هذه الاجتماعات مهمة والاختلاط مهم؟ وكيف نعوض ذلك؟

سؤال آخر، جزاكم الله خيرًا: نسمع مقولة أن سبب ضحك أو ابتسامة الطفل أثناء نومه هو مداعبة الملائكة له؛ فهل هذا صحيح؟ وما هو التفسير العلمي الصحيح؟

سؤال آخر لو سمحتم: منذ حوالي شهر بدأت في وضع إصبعها في فمها وأحيانا أكثر من إصبع؛ لدرجة أنها تتقيأ، ليس مصًّا فقط، ولكنها تظل تمص في إصبعها قليلا، ثم رويداً رويداً تدخل إصبعها للداخل فتتقياً، ويحدث هذا أكثر من مرة عندما أغفل عنها أو تكون أمها مشغولة، وأحيانا ونحن جالسان نلاعبها تفعل ذلك، فهل هذا طبيعي، وما الحل؟ حاولنا إعطاءها بزازة صغيرة فرفضتها.

الشيء الثاني أشعر أن لديها نوعين من النوم: النوم العميق وأثناء هذا النوم لا تتحرك وتكون هادئة وساكنة جدا. أما النوم المتقطع الذي يأخذ وقته أحيانا ساعة أو ساعتين أو 3 ساعات، فتقوم بفرك وجهها أو دعكه بيدها بشدة وبشكل عصبي، وهو ما يؤدي إلى خربشة وجهها واحمراره؛ فهل هذا يدل على العصبية؟ وما هي التصرفات التي تدل على أن الطفل عصبي؟ فهل هذا طبيعي؟

سؤال أخير –اعذروني-: هل سماع الطفل للقرآن لفترة طويلة له تأثير فيما بعد، بالرغم من أنه لا يفهم الآن ما يقال أو ما هذا؟ وما تأثيره؟ وبفضل الله أنا وأمها كنا حريصين أثناء الحمل على تشغيل القرآن بصفة مستمرة أحياناً لفترات طويلة، فما تأثير ذلك على الطفل؟

اعذروني للإطالة جزاكم الله خيراً. وبارك الله فيكم وفي أولادكم، ورزقكم الله بِرَّهم ووفقكم في تربيتهم، وجعلهم الله عوناً لكم على طاعته.

 
 
 

 
 
 
   

شكرا لك يا أخي العزيز على إطرائك ومتابعتك للصفحة، ونرجو الله أن نكون عند حسن الظن دائما. وقبل أن أجيبك على أسئلتك أحب أن أذكر لك أن تربية الأطفال هي فن قبل أن تكون علما؛ لأنها تعتمد على إحساس المربي بخصائص الطفل وشعوره بحاجاته، وقدرته وطريقته في تفهم هذه الخصائص وتلبية تلك الحاجات؛ فليس هناك في علم النفس والتربية معادلة 1+1=2، ومع ذلك فهناك نقطة أساسية أؤكد عليها دائما، وهي أن أفضل ما نمنحه لأطفالنا بعد الإيمان بالله هو الثقة بالنفس.

ومن الأمور التي تساعد على بناء ثقة الطفل بنفسه هي تفهم الاختلاف بين الفرد والآخر؛ فالبصمات الوراثية مختلفة بين البشر كما تختلف بصمات الأصابع؛ لذلك فعلى الأهل ألا يجعلوا الطفل نسخة من أحد إلا نفسه؛
 بل يُترك على طبيعته التي فطره الله عليها، وفي حال وجود طبع غير لائق لا ينفع التفكير بتغيير الطبع؛ فهذا مستحيل، إنما الممكن هو تهذيب الطبع فقط.

هذا رد على تحيتك لنا، راجية ألا تسقط كل ما نقوله في الاستشارات على طفلتك؛ لأن المقال يختلف باختلاف الحال، ولكن يمكنك أخذ فكرة عامة فقط.

بالنسبة لأسئلتك سأحاول الإجابة عنها بالترتيب:
أولا: الأثر النفسي والتربوي للإسراع أو الإبطاء في الاستجابة لبكاء الطفل يختلف باختلاف سبب البكاء، فإذا كان السبب حاجة فيسيولوجية مُلحة كالغذاء والإخراج والراحة والنوم؛ فيجب تلبيتها فورا دون تأخير، وإلا فإن ذلك يسبب إحباطا لحاجة أساسية من حاجات النمو الجسدي المهم لتوازن الطفل النفسي.

وقد يكون سبب بكاء الرضيع شعوره بالوحدة؛ فيجب إشباع حاجته للحب والعطف، وإلا أدى ذلك إلى زعزعة شعوره بالأمن، وهذا بدوره يؤثر تأثيرا سلبيا على نموه النفسي والعاطفي والاجتماعي؛ إذ إن الطفل الذي يُحرم من الحب والحنان في صغره لن يمكنه منح حبه لأحد عند كبره، وقد ينشأ كارها لنفسه؛ لأنه لم يشعر بحب أحد له من قبل، وفاقد الشيء لا يعطيه.

أما فيما عدا ذلك فيجب ألا نغالي في الاهتمام بالطفل، وإذا بكى فلا يجب الإسراع في حمله وتهدئته، ولا مانع من أن يُترك في سريره ليبكي ثم يهدأ وحده، والأمهات يعبرن عن ذلك بحكم تجاربهن فيقلن (لا نريد أن نعوده على الحمل كلما بكى)، وذلك كي لا ينشأ مدللا، والدلال يفسد الطفل كما تفسده القسوة.

ثانيا: أثر البعد عن العائلة أو عن المحيط الاجتماعي له أثر كبير على شخصية الطفل حتى لو كان رضيعا؛ فينشأ على الخوف من الغرباء وقلة الثقة بالنفس؛ لذلك يجب أن تكون لدى الوالدين علاقات اجتماعية، وليس من أجل طفلهما فقط، ولكن لأن الحرمان من الأصدقاء له تأثيره النفسي على الشخص الكبير؛ فالإنسان لا يمكن له الاستغناء عن أخيه الإنسان بحال.

ولا يبرر لكما بعدكما عن الوطن والأهل عدم تكوين صداقات؛ فالرجاء الانتباه لهذا الأمر كي لا تصبح علاقاتنا نحن المسلمين قائمة على أساس العمل والمصالح فقط، وديننا يدعو إلى التعاون بين البشر ويحارب العزلة والانكماش، ويقوي صلة الفرد بالمحيط الذي يعيش فيه؛ فهو دين وسط بين الفردية والجماعية.

وإذا كان الإسلام يحترم الفرد وشخصيته وتميزه فهو يربطه بالجماعة في كل شيء حتى الشعائر والعبادات التي تصل العبد بربه؛ فلها كلها مفهوم جماعي كبير؛ فصلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، والحج عبادة تجمع المسلمين في مكان واحد وفي زمان واحد، والزكاة لها مغزاها الاجتماعي العميق بالطبع، وحتى الحكمة من الصيام هي التقوى (لعلكم تتقون)، والتقوى هي أساس التعامل الصادق والسليم بين الناس.

ولا ننسى أوامر ديننا في معاملة الناس كقوله -عليه الصلاة والسلام-: (كل سلامَى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)، فهذا الحديث وغيره من الأحاديث التي تأمر بالإحسان إلى الجار، وتحث على إكرام الصاحب، تجعل الأخلاق والنفع العام في المحل الأول، وذلك واضح في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (الخلق كلهم عيال الله؛ فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)، فللناس من حولنا حقوق كثيرة علينا، ولا يصح أن نعيش منعزلين عن مجتمعنا مهما كانت عاداته وتقاليده غريبة عنا.


ولو نظرنا من منظور نفسي لتكوين الصداقات نجد أنها تساعد على كسر روتين الحياة الممل، كما ذكرت "من البيت للعمل ومن العمل للبيت"، وكذلك معرفة الناس فيها خير كبير، وبعضهم معرفته كنز يفضل كنوز الدنيا، ولنتذكر قول الإمام الشافعي: (الانقباض عن الناس مكسبة لعداواتهم، والانبساط إليهم مجلبة لأصدقاء السوء؛ فكن بين المنقبض والمنبسط).

يمكن كذلك الخروج إلى المتنزهات والحدائق في نهاية الأسبوع على الأقل كي تعتاد صغيرتك على الناس وتتنفس هواء بعيدا عن هواء الشقق الضيقة، ولا يوجد أجمل من منظر السماء الواسعة والأشجار الباسقة لبهجة النفس، كيف وقد قال تعالى: {فأنبتنا به حدائق ذات بهجة}؟

ثالثا: ابتسامة الطفل أثناء النوم ليس سببها مداعبة الملائكة له، وكذلك عبوسه وتقطيبه ليس سببه تحرش الشياطين به، بل سبب هذه الحركات اللاإرادية عدم نمو الجملة العصبية، وبالتالي تكون حركاته هذه ناجمة عن عدم قدرته على التحكم بعضلات وجهه التي تتقلص وتتمدد بدون أن تعطى الأوامر من الدماغ، وهناك منعكسات كثيرة تكون موجودة بعد الولادة، وتستمر فترة ثم تغيب مع نمو الطفل.

رابعا: حركات المص يقوم بها الجنين في بطن أمه، ويستمر فيها بعد الولادة؛ فبعض الأطفال يستمرون بمص حلمة ثدي أمهم طوال الليل وليس غايتهم الرضاعة، وبعضهم يستعيض بالبزازة، وبعضهم يرفضها، ويستبدل بذلك مص أصابعه.

ويشكر لك ولا شك اهتمامك بمراقبة طفلتك؛ لكن هل لم تلاحظ هذه الحركات منذ الولادة أنت أو أمها؟ إذا كان الأمر كذلك فقد يكون السبب أعراض التسنين الباكرة. أما إدخالها أصابعها حتى تتقيأ فذلك لأن جهاز الإحساس والحركة عندها غير ناضج أيضا وهو شيء طبيعي. وأما موضوع القيء فيمكن أن يكون سببه عدم اكتمال نمو العضلات المعصرة للمعدة، كما هو الحال في أغلب الأطفال.

خامسا: لا تدل خربشتها لوجهها وهي نائمة على أنها عصبية، ولا يمكن الحكم على الطفل أنه عصبي وهو في سن ابنتكم، لكن أهم أسباب العصبية عند الطفل هي الحرمان المادي والعاطفي خاصة من الأم، إضافة إلى تقليد تصرفات الكبار.

وعلى كل حال فالأطفال يختلفون في مزاجهم العصبي منذ اليوم الأول لولادتهم؛ فمنهم الطفل الهادئ، ومنهم الكثير البكاء أو الشديد الحساسية للأصوات المحيطة به.

ولمواجهة العصبية لدى الرضيع يجب تهيئة الأجواء المريحة للنوم، ويجب ألا يُحمل إلا في حال الضرورة، ويجب الفصل بين موعد الرضاعة ونوبات الصراخ كي لا تصبح بمثابة منعكس شرطي؛ فيعتاد على الصراخ في كل مرة يريد فيها شيئا ما.

سادسا: سماع الجنين للأصوات وهو في بطن أمه أظهرتها بعض الدراسات وكذلك تأثر الجنين بها، وقد يكون السبب تأثر الأم؛ حيث تفرز بعض الهرمونات في حالة الهدوء غير التي تفرزها في حالة الغضب، وبالتالي فإن هذه الهرمونات تصل للجنين عن طريق الدم فيتأثر بها بدوره. طبعا بالنسبة للقرآن فهو شفاء ورحمة للمؤمنين.

ونرجو الله أن يجعلها فتاة صالحة، وغرسة يانعة، وزهرة عطرة، وسببا لاستمرار سعادتكما، وقرة لأعينكما.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |