الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) كيف نغرس الحياء؟

 
استشارة من مصر
 
 
 
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم، أشكركم على هذا الموقع المفيد والنافع جعله الله في ميزان حسناتكم. ما هي حدود الزينة المسموح للأم إبداؤها أمام أطفالها حسب مراحلهم العمرية المختلفة؟ هل هناك أي حدود بالنسبة للملابس التي ترتديها الأم بين أطفالها؟ فهل من الخطأ أن تجلس الأم بين أطفالها بملابس خفيفة أو شفافة؟ وهل هناك مشكلة في أن تنام الأم مع طفلها بملابس النوم؟ وهل هناك خطأ في أن يقوم الأب بالاستحمام مع أطفاله الذكور، والأم بالاستحمام مع أطفالها البنات لو كان هناك طفلة؟ اختلفت أنا وزوجتي بخصوص هذا الأمر.

 
 
 

 
 
 
   

أهلاً بك يا أخي العزيز، وبارك الله لك في طفلك، وبما أن سؤالك أقرب إلى الفتوى من الاستشارة التربوية، فسألخص لك ما ورد في كتاب (تربية الأولاد في الإسلام) في هذا الموضوع للدكتور عبد الله ناصح علوان ، ثم أعقب عليه بعد ذلك بما يخص طفلك:

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير آية: "أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء" (النور: 31)، يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم، وتعاطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا فلا بأس بدخوله على النساء.
أما العمر الذي حدَّده أغلب الفقهاء لهذا فهو سن العاشرة وما قبلها، على أساس أنه السن الذي أمر الرسول -عليه الصلاة والسلام- أن يُفرق فيه بين الأبناء في المضاجع مخافة إذا اختلطوا في فراش واحد وهم في سن قريب من المراهقة أن يروا عورات بعضهم البعض في حال النوم أو اليقظة، وهو ما يثيرهم جنسيًّا ويفسدهم خلقيًّا، وهذا دليل قاطع على أن الإسلام أمر الأبوين باتخاذ التدابير الإيجابية والأسباب الوقائية في تجنيب الولد الهياج الغريزي والإثارة الجنسية حتى ينشأ على الصلاح ويتربَّى على الفضيلة.
ومن ضمن هذه التدابير تعليم الولد آداب الاستئذان على أبويه في ثلاثة أوقات: من قبل صلاة الفجر، ووقت الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء؛ لكونها أوقات راحة، وقد يخلو الزوج إلى زوجته فلا يصح أن يدخل الولد في هذه الأوقات بدون استئذان على أبويه، فيفاجأ بالاطلاع عليهما في حال من تكشف العورات أو غير ذلك. أما إذا بلغ سن المراهقة أو الاحتلام فعليه أن يستأذن في هذه الأوقات وغيرها.
وأما بالنسبة للنظر إلى ذوات محارمه -والمقصود طبعًا بعد سن البلوغ- فيجوز له النظر إلى ما يظهر منهن غالبًا كالرقبة، والرأس، والكفين، والقدمين، ونحو ذلك مما يظهر من الأم أو الأخت حال عملها في البيت كالذراعين والساقين، وليس له النظر إلى ما يستتر غالبًا كالصدر، والظهر، والبطن؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى النظر إليه ولا يؤمن معه الشهوة. كما يحرم على المحرم الذكر إذا بلغ سن المراهقة أن يرى إحدى محارمه، ولو كانت أمه وقد ارتدت الثياب القصيرة التي ارتفعت إلى ما فوق الركبتين وكشفت عن الفخذين، أو ارتدت ثيابًا تصف أو تشف، وأبدت العورة التي يحرم النظر إليها. كما يحرم على البنت البالغة أو المرأة أن ترى ما بين السرة والركبة من أحد محارمها، ولو كان ابنها أو أخاها أو أباها، مع ملاحظة أن فقهاء الظاهرية لم يعتبروا فخذ الرجل عورة.
أما عورة الصغير فقد ذكر الفقهاء أن الصغير سواء كان ذكرًا أو أنثى لا عورة له إذا كان ابن أربع سنين فما دونها، ثم إذا زاد على ذلك فعورته القبل والدبر وما حولهما، حتى إذا بلغ حد الشهوة صارت عورته كعورة البالغ. انتهى

فهمت من صيغة السؤال أن طفلك يبلغ من العمر ثلاث سنوات وليس ثلاثة أشهر كما ذكرت في البيانات؛ إذ من المبكر جدًّا أن تسأل عن هذه الأسئلة وهو رضيع لا يدرك أي شيء بعد. على كل حال يتبين من كلام الفقهاء السابق أنه حتى يبلغ الطفل عشر سنوات، يجوز لأمه أن تقوم أمامه بأي ملابس ما لم تكن تشف أو تصف العورة المغلظة، ويشمل هذا ملابس النوم الخفيفة إلا المبتذلة، وهو ما لا يصح للمرأة أن تلبسها إلا أمام زوجها.

فلا مانع أن تجلس الأم أمام أطفالها قبل العاشرة بأي ملابس أخرى بحيث يعتاد الطفل على رؤية بعضا من مفاتن الأنثى وزينتها بشكل طبيعي، وهذا ما أفضله أنا شخصيًّا لئلا يحصل فصام في شخصية الطفل، فبينما يرى والدته بثياب ثقيلة وطويلة دائمًا، ينزل إلى الشارع أو يفتح التلفاز، فيرى الكاسيات العاريات المائلات المميلات، أو يذهب إلى المدرسة فيرى معلمته على أحسن صورة وفي أكمل زينة، بينما والدته لا تظهر إلا كفيها ووجهها كما يحصل في بعض البيئات، وهو ما يُوجد في نفسه أثرًا عكسيًّا، أو يلفت انتباهه إلى شيء لم يكن ليهتم به لو أن والدته كانت أكثر مرونة في لباسها أمامه، وخاصة أنها تراعي الشرع الحكيم، فلماذا التشدد والتنطع وهو ليس من ديننا؟ الأفضل دائمًا التوسط في كل أمر كما قال الله تعالى: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل" (المائدة: 77).
هذا موضوع هام جدًّا؛ لأنه كما يجب تجنيب الولد الإثارات الجنسية في المنزل، فلا يتصرف الوالدان كما لو كان الطفل غير موجود، فيقبلان بعضهما بعضًا قبلات حميمية أمامه مثلاً بحجة أنه صغير لا يفهم، كذلك يجب حمايته من التناقض بين جو الأسرة وجو المجتمع ما أمكن؛ لأن هذا التناقض يؤدي إلى ازدواج خطير في الشخصية.

أما أن تنام الأم مع طفلها بملابس النوم فقد بينت أن هناك فرقا بين الملابس العادية للنوم كالبيجاما الصيفية مثلاً، وملابس النوم التي صنعت للإغراء والإثارة. وهنا أحب أن أبين شيئًا عن ذاكرة الطفل أنه قبل ثلاث سنوات ليس لديه ذاكرة بعيدة المدى، أما بعد ثلاث سنوات فيتذكر كل شيء.
وهذا واضح بالنسبة لموضوع الاستحمام؛ إذ لا يحبذ أن يكون أحد الوالدين مكشوف العورة المغلظة أمام أطفاله الذين تجاوزوا الثالثة من العمر، وكرأي شخصي لا داعي لذلك قبل ثلاث سنوات أو بعدها؛ لأن الطفل سيلاحظ الفرق وسيسأل أسئلة أنتم في غنى عنها.

يحصل أحيانًا أن تستحم البنات في العائلة مع بعضهن البعض أو الصبيان مع بعضهم بعضًا، كاشفين عوراتهم فهذا خطأ كبير بعد الثالثة من العمر؛ إذ يجب أن يعود الأطفال على الحياء المطلوب، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء"، فمن الحياء أن نعوِّد الطفل على غضِّ البصر عن المحرمات، وكفِّ الأذن أن تسترق الأسرار، وتنزيه اللسان عن الأذى وقول الفحش، والأهم من ذلك إخفاء العورة إلا في حالات الضرورة أمام أمه أو من يقوم مقامها في حال استحمامه مثلاً الذي لا يستطيع إنجازه لنفسه بشكل جيد قبل بلوغه عشر سنوات. وأسوأ ما يمكن أن يحصل هو استحمام الأخ مع أخته بحجة أنهما أطفال، فهذا لا يصح؛ لأنه قد يكون سببًا لأن يحلم الفتى بأخته عندما يبلغ سن الحلم، وهو ما يؤدي إلى معاناة شديدة بالنسبة له.

أؤكد مرة أخرى على موضوع العورة؛ لأن العاقل من اتعظ بغيره، فسبب من أسباب الإباحية في الغرب هي إنكار مفهوم العورة، وأن الأعضاء الجنسية كغيرها من أعضاء الجسد فلا داعي لإخفائها برأيهم؛ ولذلك يجلس الأب والأم والأطفال عراة أمام بعضهم بعضًا في بعض البيئات الغربية، وهذا سبب من أسباب الشذوذ الجنسي عندهم. وقد بين القرآن الكريم أن آدم وحواء عندما أكلا من الشجرة المحرمة بدت لهما سوآتهما فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة, وهذا دليل على أن الحياء فطرة في النفس الإنسانية, وإلغاؤها تشويه لفطرة الله التي خلق الناس عليها.

وفقك الله وحمى طفلك وأطفال جميع المسلمين من الفتن والمغريات، وذلك بالتزامنا بتربيتهم حسب تعاليم شرعنا الحكيم، وفهمنا لديننا الفهم القويم، دين الفطرة والحياء والذوق السليم.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |