|
الأخ السائل، سبق وتكلمت عن فصل الطفل عن أبويه في المنام في استشارة سابقة هي فصل
المنام بداية الاستقلال, وبينت أنه لا يفضل للطفل أن يشارك والديه غرفة نومهما
أبدًا بعد عمر السنتين، وحتى قبل ذلك لا يحبّذ أبدًا مشاركته لهما في سريرهما، بل
يجب أن يكون له سريره الخاص في غرفتهما بمجرد انتهاء فترة النفاس؛ ولذلك فأنا معك
تمامًا في أنه يجب فصل طفليك عن أمهما في غيابك؛ ليسهل ذلك في حضورك.
ولكن الصعوبة تكمن الآن في أن طفلك الكبير–حماه الله وأخاه– قد اعتاد على أمه
بطريقة يصعب معها الفصل بشكل فجائي، وخاصة حركته هذه من وضع يده على صدرها التي تدل
على أنه بحاجة ماسة لها؛ إذ إن تفسيرها هو إما فطام باكر عن الأم أو فقده للحنان
والحب في فترة سابقة، وهذا لا يكون إلا عندما يتعرض الطفل لبُعْد أمه عنه، وهو أشد
ما يكون حاجة إليها، ومن البيانات التي ضمنتها رسالتك أن أمه معلمة، وهي معه الآن
24 ساعة، فهل سبق لها أن عملت وتركته في سن مبكر؟
المهم الآن أن يتم الفصل بالتدريج مرة أخرى، وبطريقة سلسة، وأسلوب حكيم كي لا يؤثر
هذا الفصل في نفس طفلك، ومما يساعد على ذلك وجود أخ له، لكن يجب أن تطلب من زوجتك
العاطفية أن تخفف شيئًا من توقد عاطفتها؛ وذلك لمصلحة الجميع، وأولها مصلحة
الطفلين، ففصلهما هو بداية استقلال شخصيتهما، وكذلك مصلحتها هي كي تستطيع أن تقوم
بدورك في غيابك، وهذا يتطلب أمًّا عاقلة أكثر مما هي عاطفية، أي تغلّب عقلها على
عاطفتها وهذا شيء يصعب على الإناث -وخاصة الأمهات اللواتي خلقهن الله نبعًا للرحمة،
وسكب في قلوبهن حنانًا يفيض على الكون فيملؤه ودًّا وحبًّا- لكنه ليس مستحيلاً
بقليل من الحكمة، وأخيرًا مصلحتك أنت أيها الزوج الذي يقضي أكثر أيامه بعيدًا عن
زوجته، ومن كامل حقه أن يجد عندها السكينة، والرحمة، والحب، والمودة، فعليك نصحها
برفق كي تُعدِّل (بضم التاء وتشديد الدال) من عاطفتها تجاه طفليها، وأن تَعْدل
(بفتح التاء وتسكين العين) بينك وبينهما، وذكِّرها بحديث الرسول -عليه الصلاة
والسلام- عن الحقوق، وهو حديث طويل خاتمته هي: "إن لربك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك
حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقه" رواه البخاري.
أخي الفاضل؛ أحب أن أؤكد أن الفصل يجب أن يكون بطريقة تدريجية، ويفضل أن يكون لكل
من الطفلين سريره الخاص الذي يسعه مع والدته، بحيث تبدأ في غيابك بالنوم ليلة قرب
الكبير، وليلة أخرى قرب الصغير، وتشرح للكبير أن أخاه يحتاجها مثله، وإذا أصرَّ فلا
بأس أن تبقى إلى جانبه فترة من الليل تقص عليه حكاية ما قبل النوم، وتؤهله نفسيًّا
لتقبل بُعدها عنه ولو إلى جانب أخيه، ويمكنها أن تحكي قصة عن حيوان أليف كقط صغير
اعتاد أن ينام إلى جانب أمه، وأن يعتمد على أمه كليًّا، وأن يلتصق بها كظلها،
وعندما كبر وتركته أمه كما تترك كل القطط أبناءها لم يكن قادرًا على تدبير شؤون
نفسه، فالقطط الأخرى تعرف كيف تحصل على الطعام، وكيف تدافع عن نفسها أما ذلك القط
المدلَّل فلم يكن يعرف شيئًا من هذه الأمور، فلم يحصل على طعام إلا بشق النفس،
وعندما حصل عليه جاء قط آخر وأخذ منه طعامه بسهولة، فلم يعرف كيف يتصرف ولا كيف
يدافع عن نفسه؛ لأنه اعتاد على أمه، وبذلك بقي جائعًا ومن دون طعام.
وفي ليلة أخرى تحوَّل بطل القصة من قط إلى طفل دون أن تشعره أنه المقصود بذلك، ويجب
أن تختم القصة بعبرة يستفيد منها الطفل، وما أعتقده شخصيًّا أن تغيير السلوك في هذه
السن يصعب إلا بالاستعانة بالقصص؛ لأن عالم الطفولة هو الخيال الخصب، وليس الإدراك
الواعي، وفي كل يوم قصة قريبة، وإذا كان يحسن الكلام جيدًا فلتشجعه على حكاية القصة
في صباح اليوم التالي؛ كي تكون أكثر رسوخًا في ذهنه، وبالتالي أشد تأثيرًا في تعديل
سلوكه، وعليها أن تحاول أن تبعد يده الصغيرة عن صدرها بلطف، حتى إذا اضطرت أن
تمسكها له بعيدًا عن صدرها ليشعر بحنانها؛ لأن في ذلك تخفيفًا من جرعة الحنان دون
قطعها فجأة، وبعد أن ينام تترك يده، وتذهب لتنام في سرير أخيه.
وإذا استيقظ باكيًا فلا مانع أن تضمه، وتقبله، وتعيده إلى سريره مذكرة إياه بقصة
القط أو الطفل أو غيرهما، وتطمئنه أنها تنام في نفس الغرفة، لكنه قد يندس بجانبها
ليلاً، فلا بأس من الصبر، وأعتقد أن هذه الحالة ستزول بإذن الله تعالى مع نمو
الصغير، وبدئه في الكلام، فبذلك يتشارك مع أخيه في تخفيف مشاعر الوحدة، ولتبقى
عندها الأم إلى جانبهما فترة، ثم تقبّلهما وتذهب إلى عملها المنزلي أو غرفتها، وقد
يستأنسان أكثر إذا بقي بابَا غرفتي النوم مفتوحين في غيابك، ولتحاول أن تخفف قدر
الإمكان من التعلق المتبادل بينها وبينهما، وهذا مما يقوي شخصيتهما ويزيد ثقتهما
بنفسيهما، لكن يجب أن يتم كل ذلك بهدوء وحكمة ودون أي رد فعل من طرفك أو طرفها،
وأؤكد هنا على ما ذكره عالم النفس "إريك إريكسون" وهو "أن فقد الطفل لأمه في وقت
حاجته إليها يؤدي إلى فقدانه ثقته بالناس عند كبره، ويصبح من الصعب عليه بناء الثقة
بينه وبين أي أحد فيما بعد"، ومع ذلك فإن ترك الطفل من قبل أمه بداعي ظروف عملها أو
انشغالها بأي شي آخر، لا خوف منه شرط أن تمنحه المحبة الكافية بطريقة موضوعية
ومعتدلة ودون إفراط.
أمر آخر أحب أن أنبِّه إليه هو أن موضوع الخوف قد يكون سببه ليس الانفصال عن الأم
بقدر ما هو خوف من الظلام أو الوحدة؛ لذلك لا مانع من ترك النور مضاء، ولتجرب أن
تكون أنت من ينام إلى جانبه في سريره في حال وجودك ولو ريثما يغفو، كي يشعر بقربك
واهتمامك من جهة، وكي يستبدل تعلقه بأمه تعلقه بك نوعًا ما من جهة أخرى، وبذلك يتم
إلهاؤه عن وجود أمه أو عدمها، وعليك يا أخي أن تتحلى بالصبر، فهناك بعض المخاوف
العابرة، لا يقتضي الأمر التوقف عندها، فهي ستزول تمامًا مع نمو الطفل وتطور قواه
العقلية، شرط أن يحاط بالرعاية والحماية والتوجيه الرقيق، وتستطيع أنت مساعدته على
تخطيه لهذه المشكلة أكثر من والدته بتشجيعك له عن طريق تعريفه بقدراته، وأنه يستطيع
فعلاً النوم بعيدًا عن أمه، وقد ثبت أثر المكافآت والثواب في هذا الأمر أكثر من
الوعيد والعقاب، فقد تحصل على نتيجة أفضل إذا وعدته مثلاً بشيء يحبه كنزهة أو لعبة
إذا ما نام لوحده، وبالطبع يجب أن توفي بوعدك في كل مرة.
أخيرًا.. أطمئنك أنه قد يشجعه بعده عن أمه نهارًا بأن يصبح أكثر تقبلا لانفصاله
عنها ليلا، وذلك بإرساله إلى الحضانة أو الروضة الآن أو مع بدء السنة الدراسية
الجديدة، فعندما يعتاد البُعْد عن أمه عدة ساعات في النهار فسيكون سهلا عليه
الابتعاد عنها في الليل، فأرجو التفكير في هذا الموضوع بجدية رغم أنه قد يتحول خوفه
من تركها ليلا إلى تركها نهارًا، لكن هذا شائع في جميع الأطفال تقريبًا في البداية،
ويمكن أن يتم الأمر بشكل تدريجي وبتعاون كامل من المدرسة، وعندها يخفّ تعلقه بأمه
لأن أشخاصًا آخرين سيحتلون جزءاً من قلبه الصغير كالمعلمة أو الأصدقاء، وهذا قد
يساعد زوجتك على أن تعود لعملها إذا كانت قد أخذت إجازة مثلاً لرعاية طفل، وهو ما
يخفف عنك مصاريف الروضة أيضًا.
طبعًا أنا أقترح حلولاً، وأنتما من يختار الأنسب حسب الظروف، وفقكما الله عز وجل
لما فيه خيركما وخير أطفالكما، وجعلهما غرسين صالحين في بستان ديننا الرحب، وزهرتين
فوَّاحتين تمنحان عبير الأمل لهذه الأمة في جيلها القادم، والسلام عليك. |