|
أهلاً وسهلاً بك يا أختي، وبارك الله لك في أسامة الذي يمثِّل الطفولة
بكل معانيها، وهكذا هم الأطفال عناء وتعب، لكنهم سعادة القلب وزينة الحياة الدنيا.
نأتي إلى المشاكل واحدة واحدة، وأطمئنك منذ البداية أنها ليست مشاكل
بقدر ما هي صفات طفولية مناسبة لعمر ابنك -حماه الله-:
- المشكلة الأولى: العنف والعناد، وقد سبق أن عالجنا هذه المواضيع في
استشارات سابقة، أتمنى لو تعودي إليها , فقد بيَّنا أن أغلب صفات الطفولة إما
وراثية أو مكتسبة أو الاثنين معًا، كما يحصل عندما يرث الطفل صفة خُلقية (بضم
الخاء) من أحد أبويه، ثم تشجعه البيئة على إظهار هذه الصفة كونه يعيش بين أبويه،
ويراهما كيف يتصرفان، وهما قدوة له فيتصرف مثلهما تمامًا، وأحيانًا يكون سبب العناد
هو غياب الحنان والاهتمام، فيكون رد فعل الطفل بالعنف والعناد لكسب المزيد من
الاهتمام، أو سببه إثبات الوجود، وهو من طبيعة المرحلة العمرية، وتمتد من السنة
الأولى حتى السنة الرابعة، لكن طفلك هنا يثبت شخصيته على حساب شخصيتك التي كثيرًا
ما تنهار فتفقدين أعصابك ، ومع ذلك يعود فيكرِّر الخطأ ضاحكًا؛ لا لأنه لا يفهم،
فهو كما يبدو من وصفك له أنه –ما شاء الله– ذكي جدًّا وحساس أيضًا، بل لأن أوامرك
ليست حازمة وشخصيتك ليست قوية كما يجب، فالذي يعطي الأوامر من موقع قيادي يجب أن
تنفذ أوامره، وإلا فما معنى هذه الأوامر؟! طبعًا يجب الأخذ بعين الاعتبار واقعية
هذه الأوامر، وملاءمتها لسن الطفل وإدراكه.
لذلك إذا فعل أسامة أي شيء من تصرفاته الشقية انهريه بطريقة حازمة -وليس بصيغة
ناعمة- بالكلام، وبالنظرة الصارمة، ويجب أن تعرفي أنه عليك تقمص دور الأب في غيابه؛
كي يهابك ويحترمك منذ الآن، فإذا أعاد أخطاءه فالجئي إلى القصص؛ إذ أن بعض الأطفال
في سنه يكون لديهم مقدرة على فهم القصة، خاصة إذا رافقها بعض الحركات التمثيلية،
فاحكي له عن قصة القط الذي أغضب أمه، وهي قصة معروفة، أو ألِّفي قصة من بنات أفكارك
عن طفل لم يسمع كلام أمه فغضبت منه، وعندما جاءت المرأة الشريرة إلى البيت أعطتها
الأم هذا الولد المزعج، كي تجعله ابنها وتعذبه؛ لأن المرأة الشريرة لا تحب الأولاد،
لكن لا تسمي الولد بطل القصة بأسامة، ثم إذا كرَّر الخطأ يمكنك أن تعيدي القصة لكن
بشكل أغنية يفهمها دون أن تظهري أنك متأثرة من فعله الخاطئ، فقط نادي على المرأة
الشريرة في أغنيتك، واطلبي منها أن تأتي لتأخذ أسامة كما أخذت ذلك الطفل وأن تجعله
ابنها، وأفيضي من خيالك ما يمكن أن تفعله المرأة به، فبدلاً من أن تطعمه الطعام
الذي يحبه تطعمه طعامًا سيئًا، وبدلاً من أن تنظفه توسخه، وتعطي ثيابه الجميلة
لأولادها بينما تعطيه ثيابًا ممزقة.
انظري ماذا يكون رد فعله على أغنيتك؟ هل يقبل بها أم لا؟ أم يطلب منك أن تتوقفي عن
الغناء بطريقته طبعًا فقد يقول فقط كلمة لا أو يغلق فمك بيده الصغيرة، وبالتالي
يحاول إرضاءك في كل مرة، وأنا أنصحك بهذه الطريقة؛ لأن أسامة رغم شقاوته يبدو أنه
عاطفي، فاستغلي هذه العاطفة لمصلحتك من الآن.
إذا لم ينفع هذا الأسلوب فيمكنك اللجوء إلى العقاب في خاتمة المطاف، ولا أعتقد أن
العقاب النفسي له دور كبير في هذه السن، بل على العكس تأثيره سلبي على نفسية الطفل؛
إذ لا يجوز حرمانه من اللعب ولا مقاطعته أو هجره كذلك، وما يمكن اعتماده كعقاب هو
الضرب، لكن شرط أن تضربيه بيدك على يده لتشعري أنت بلسعتها كي لا تكون شديدة أيضًا،
لكن يجب أن تكون مؤثرة فإذا بكى لا تظهري له حنانك، ولا تعلقي بأي كلمة، بل اتركيه،
واخرجي، ومارسي أعمالك المعتادة، وإذا شعر بخطئه من نفسه وأتى إليك فعلِّميه كلمة
"آسف"، حتى لو ينطق سوى حرف واحد، واطلبي منه أن يقبلك أيضًا لترضي عنه، فهذا مما
يزيده عاطفة لك وارتباطًا بك، وإذا اعتذر فعامليه كأن شيئًا لم يكن، وإياك أن تفقدي
أعصابك معه، فهو طفل وبحاجة إلى الصبر وسعة الصدر، وما الضرب الذي نصحتك به إلا آخر
العلاج، ويجب أن تقومي به دون أن تكوني منفعلة أبدًا، فالتربية لا يصلح معها
الانفعال؛ لأن ردود أفعالنا كثيرًا ما تؤثر تأثيرًا سيئًا في نفوس أطفالنا، فقط
كوني حازمة دون قسوة، وحنونة دون لين، كما تقول الحكمة: (لا تكن لينًا فتعصر، ولا
صلبًا فتكسر).
وأنا أقول هذا يا أختي؛ لأنه يبدو من رسالتك أنك عاطفية وربما انفعالية أيضًا؛ إذ
يبدو أنك متأثرة بوضعك وبعدك عن أهلك، والحمد لله أنك في بلد عربي مسلم، فلماذا لا
تحاولي أن تكوِّني بعض العلاقات الاجتماعية مع الجيران مثلاً كي تكسري هذا الحاجز
النفسي بينك وبين أهل البلد الذي تقيمين فيه، وأذكرك ونفسي بالحديث: "من أغلق بابه
دون جاره مخافة على أهله وماله فليس بمؤمن"، ولعلَّ الله تعالى يعوضك بأهل خير من
أهلك، "وربَّ أخ لك لم تلده أمك"، كما قال الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
وهذا أيضًا يساعد أسامة على تكوين بعض الصداقات التي قد تخفف عنفه وتجعله
اجتماعيًّا محبًّا للناس ومحبوبًا منهم.
- المشكلة الثانية: مص الإصبع فهي ظاهرة كثيرة الشيوع، بل تكاد تكون سلوكًا موحدًا
عند جميع الأطفال في سن ابنك، لكن إذا استمرت فيما بعد فقد تكون دليلاً على وجود
نوع من الحرمان والشدة، أو أنها استجابة لفطام فجائي مبكر جدًّا كما ذكرت في نهاية
رسالتك، وكذلك لا داعي لتحميل نفسك أي شعور بالذنب، فهذه إرادة الله وليس لها كبير
تأثير على أسامة بإذن الله -عز وجل- إذا منحته بدلاً عنها الحب والحنان، ولكن لا
يعني ذلك عدم الحزم معه في المواقف التي أشرنا إليها سابقًا.
- المشكلة الثالثة: وهي الكلام فمن الطبيعي في سن أسامة أن يكون قاموسه اللغوي
محدودًا جدًّا، ويمكنك مساعدته بتوسيعه رويدًا رويدًا، بأن تلفظي أسماء الأشياء
أمامه وتشجعيه أن يرددها وراءك، وأنت محقة بأن وجود أطفال آخرين يساعده على سرعة
النطق والكلام، ولكن أطمئنك أنه أحيانًا يكون السبب وراثيًّا فيبقى الطفل صامتًا في
السنتين الأوليين، لكن ما إن يتجاوزهما حتى ينطق كل الكلمات دفعة واحدة.
- المشكلة الرابعة: عندما يجلس أسامة بينك وبين والده فهذا دليل على حبه لكما،
وحرصه الشديد على التصاقه بكما أنتما الاثنين، فهو لا يريد أن يخسر أي واحد منكما،
وكذلك دليل على حاجته لحبكما واهتمامكما، فلا يصح أن تهتما ببعضكما أمامه، وخاصة
بالقبل، وهو يجلس يراقبكما بعينيه الصغيرتين الناقدتين، ولسان حاله يقول: وأنا هل
نسيتموني؟! واعلمي يا أختي أن الطفل قد يشعر بالغيرة إذا ما رأى والديه منصرفين عنه
مهتمين ببعضهما؛ إذ إن في مفهومه أنك إذا أعطيت حبك له لا يمكن أن تعطيه لغيره إلا
إذا أخذته منه هو؛ ولذلك إذا أحببت أن تقبلي والده أمامه فلتكن قُبلة بريئة من نوع
القبلة التي ينالها هو، أي على الخد، وقبليه هو أيضًا، واطلبي منه أن يتبادل
القبلات مع والده، ولا أحبذ أبدًا تبادل القبل من الشفاه بين الأبوين أو تقبيل
الطفل من فمه كما يفعل البعض؛ لأنه قد يشجِّع على نمو الحس الجنسي الغائب في هذه
السن.
-المشكلة الأخيرة: تقولين إن أسامة متعلق بأبيه بشكل مبالغ فيه، لكن
أتعرفين يا أختي ما أجمل ما في الطفولة؟ إنها البراءة، فالطفل لا يعرف المبالغة،
ولا يعرف التمثيل، إنما هو كتلة من المشاعر والأحاسيس، ونحن علينا أن نعدل من هذه
المشاعر دون أن نؤذي الطفل نفسيًّا، فمهما كان الأب متعبًا من عمله يجب عليه أن
ينسى تعبه بمجرد رؤية صغيره يهرع إليه، ويرتمي في أحضانه، وبعض الآباء يظنون أن
كتمان مشاعر الحب والعطف أفضل، خاصة مع الطفل الذكر، لكنهم لا يعلمون أن الطفل
بحاجة إلى الحب والاهتمام كما هو بحاجة إلى الغذاء والماء؛ لذلك أرجو أن تنبهي زوجك
بلطف إلى هذه النقطة، وذكِّريه بقول الشاعر:
وأجمل ساعٍ في الحياة لديّا عشية أخلو إلى ولديّا
وقد بينت باستشارات سابقة كثيرًا من سنن النبي المصطفى -عليه الصلاة والسلام-،
وكيفية تعامله مع الأطفال ورحمته بهم، وأضيف عليها ما رواه جابر -رضي الله عنه-
قال: دخلت على النبي -صلي الله عليه وسلم- فدعينا إلى طعام، فإذا الحسين -رضي الله
عنه- يلعب في الطريق مع صبيان، فأسرع النبي -عليه الصلاة والسلام- أمام القوم، ثم
بسط يده فجعل الحسين يفرّ هاهنا وهاهنا، فيضاحكه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
حتى أخذه، فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه وأذنيه، ثم اعتنقه وقبله ثم
قال: (حسين مني وأنا منه.. أحب الله من أحبه، الحسن والحسين سبطان من الأسباط)،
والسبط هو ولد الولد.
وكان -عليه الصلاة والسلام- يصفّ عبد الله وعبيد الله وكثير بن العباس
-رضي الله عنهم-، ثم يقول: (من سبق إلي فله كذا وكذا), فيستبقون إليه فيقعون على
ظهره وصدره، فيقبلهم ويلتزمهم.
صلى الله على نبي الرحمة قدوتنا وحبيبنا، وخاتم
الأنبياء والمرسلين، وأعاننا على التخلق بأخلاقه،
والاهتداء بهديه، والسلام عليك. |