الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) أنا عصبية وابني كذلك ..

 
استشارة من الخليج
 
 
 
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم.. بداية، عبد الله ابني البكر (4 سنوات)، وصاحبت مولده ظروف صعبة، وهو ما جعل تعاملي معه كان بالعصبية والتعنيف، ولكن عندما انتهت هذه الظروف كان عمره سنتين وأصبحت أغيِّر من سلوكي معه وأتقرب إليه، ولكنه ما زال لأبيه أقرب للأسباب التي قلتها، ولأن طبعه عنيد، ومشاغب، وعصبي، ولكنه يتمتع بذكاء عالٍ، ولأني خفت عليه من عصبيتي، فقد أدخلته الروضة وهو في الثالثة من عمره، وكان متفوقًا على أترابه، وعندما بلغ الرابعة أدخلته روضة المدرسة الإنجليزية.

ملاحظة: أنا أعرف خطورة المدرسة، ولكن النية الاستفادة من المهارات التي يتعلمها، المشكلة لديّ هي أنني أريد أن أعلمه حفظ القرآن الكريم، لكني لا أعرف كيف أبدأ.

 
 
 

 
 
 
   

ولماذا هذه العصبية في التعامل مع فلذة كبدك يا أختي؟ هل تريدين أن تحصلي على طفل مهزوز مستثار أم على طفل يتمتع بصحة نفسية تامة؟ ألا تخافين أن يكيل لك حين يكبر، وتحتاجين إليه بنفس المكيال الذي تكيلين له به وهو صغير ومحتاج لك؟ أنت ربة منزل ولست أمًّا عاملة لنبرِّر لك بعضًا من عصبيتك، وحتى الأم العاملة لا يحق لها أن تفجِّر غضبها من تصرفات من يعملون معها في وجه أولادها الذين لا ذنب لهم. فما الذي جناه طفلك حتى تغرقيه بوابل من غضبك، بدل أن تغدقي عليه من عواطفك، وحبك، وحنانك؟!

هو أقرب لأبيه بالطبع؛ لأن أباه يعرف كيف يحتضنه، ويشعره بالأمن بعيدًا عن جوِّك المشحون بالتوتر، وهو سيكون أقرب لمدرسته؛ لأنهم ولا شك يعاملونه أفضل معاملة، ولا ينفجرون في وجهه لأقل الأسباب، وكذلك عندما يكبر قد تجدينه أقرب لأصدقائه منك أنت، وعندما يتزوج سيقترب من زوجته ويبتعد عنك، وإذا شعرت بالحسرة على تعبك ومجهودك، وكيف ضاع سدى في المستقبل، فتذكِّري كيف عاملت هذا البرعم الغض بالقسوة والعصبية، وهو ما جعله يصبح غصنًا يابسًا خاليًا من أي عاطفة تجاهك، والحكمة تقول: (كما تدين تدان).

طبعا سؤالك عن تعليمه القرآن هو سبب استشارتك, ولكنني أشير عليك أن تعلميه حب الله عز وجل وحب رسوله -صلى الله عليه وسلم- أولاً قبل أن تبدئي بتحفيظه القرآن الكريم, ولن تستطيعي أن تعلّميه ذلك ما لم تقتدي بخير الأنام الذي كان يسبق حلمه جهله، والذي ما ضرب بيده غلامًا ولا امرأة ولا شيئًا، ولا قال لأنس –رضي الله عنه- الذي خدمه عشر سنوات لشيء فعله لم فعلته، ولا لشيء لم يفعله لما لم تفعله. ذلك هو النبي الأمي –صلى الله عليه وسلم- الذي تربَّى في اليتم، ولكنه تدفق رحمة وحنانًا بأمته وأصحابه رضوان الله عليهم جميعًا، وحفلت سيرته بحبه –صلى الله عليه وسلم- للأطفال ومداعبته لهم، ألم يقل له الله سبحانه: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك"، أليس هو الرحمة المهداة "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين"، فلماذا لا تقتدين به وتكونين رحمة على ابنك هذا الطفل الذكي، وتشعرينه بحبك، ورحمتك، وحنانك كأفضل ما تكون الأمهات؟ أو ليس قلب الأم مضرب المثل في العاطفة والرحمة حتى عند الله سبحانه؟ أم هل تراك لم تسمعي الحديث القدسي "وأنا أرحم بكم من الأم بولدها"؟!

لا أنصحك أبدًا يا عزيزتي بتعليمه القرآن الكريم قبل أن تغيِّري في طباعك؛ لأنك قد تقسين عليه أو تضربينه إذا لم يكن سريع الحفظ كما تتمنين، فينشأ وعنده رد فعل عكسي تمامًا، فيكره القرآن الكريم، ويرفض كل ما له علاقة بالدين عندما يكبر، وبذلك تتحول هذه الطاقة الذكية الخصبة إلى معول لهدم الدين والأمة بدل أن يتم الاستفادة منها على النحو الذي يحبه الله سبحانه ويرضاه.

إذا أحببت يمكنك أن توكلي هذا الموضوع لمن هم أقدر على ذلك منك، كحلقة تحفيظ في مسجد أو مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم في العطلة أو في المساء، وشجِّعيه بالمكافآت المادية والمعنوية كلما حفظ آية أو سورة، وطبعًا يجب أن تتذكري أنه طفل إذا حفظ ساعة يلزمه مقابلها عشر ساعات للعب، والأصل في الطفولة اللعب والمرح، وليس الجد والعنت.

هناك طرق كثيرة للتحفيظ، وأهمها طريقة التلقين، ويبدأ دائمًا بالسور القصيرة مثل سورة الإخلاص، فيتم إعادة الآية الأولى ثلاث مرات، ويردِّدها الطفل في كل مرة حتى يحفظها، ثم تُعاد الآية الثانية كذلك ثلاث مرات، ثم تُعاد الآية الأولى والثانية معًا ثلاث مرات، وهكذا حتى يحفظ كامل السورة.

وبالنسبة لطفل في عمر أربع سنوات يكفيه أن يحفظ قصار السور، ولتكن سورة كل أسبوع، وإذا اعتبرنا أن ربع جزء عم يبدأ من سورة الناس وينتهي عند سورة الشرح، فهي 21 سورة تحتاج إلى نصف عام تقريبًا، وبما أنه يجب إعادة ما حفظه بشكل دائم لتبقى في ذاكرته، فيكفي هذا الكم باعتقادي بين سن الرابعة والخامسة أو بين الرابعة والسادسة؛ لأن إمكانية الحفظ تختلف من طفل لآخر وقليل دائم خير من كثير زائل.

بارك الله لك في طفلك، وهدانا وهداك إلى أحسن الأقوال، والأخلاق، والأفعال.. إنه سميع مجيب.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |