الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) العناد وراثة أم بيئة?

 
استشارة من بلاد الشام
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله.. عندي طفلان يُمنى ذات السنتين والنصف وأسامة ذو السبعة أشهر.
وصف يمنى: هي عنيدة منذ صغرها، ولا تتنازل عن رأيها أبدًا إلا بعد استنفاد طاقتنا وصبرنا أو بحسمنا بالقوة في نهاية الأمر. حماتي تقول إنها كعمتها في صغرها (العند أعني).

كانت محور اهتمامنا حتى بعد ولادة ابني أسامة، فنحن آثرنا الاهتمام بنفسيتها حسب توجهات التشريع النبوي الكريم وتوجيهاتكم (مثل تقريب فكرة ولادة أخيها، إخفاء حلوى في كم قميص الصغير ونقول إنها من أخيها، عدم تقليل ساعات الاعتناء بها... إلخ)؛ لذا كانت البداية جيدة جدًّا وحتى الآن، فهي تحبه وتلاعبه، وبعض الغيرة القليلة والمحمولة نسبيًّا.

منذ شهر مضى بدأت تظهر عليها علامات عِند زائدة عن حدِّها، وتقوم من النوم (في الليل)، وتصرخ صراخًا متواصلاً، حتى توقظ أخاها، وكل حركة نقوم بها تصرخ علينا ألا نفعل ذلك، لا تغطياني، أريد ماء... كلا أريد أن أشرب لوحدي... لا تقبلني... اسكتا... إلخ، وبدأت بقضم أظافرها في بعض الأحيان. مع العلم أنها تذهب إلى الحضانة من قبل ولادة أخيها، وهناك ترى أطفالاً من كل الأعمار، وتشهد مدرستها بذكائها، وكبر مداركها ولغتها الصحيحة نسبة لأبناء عمرها، كما لاحظت التغيير الذي ذكرته منذ فترة أصبحت تأمر معلمتها وتتعبني في إلباسها، ومأكلها، ومشربها، وحمامها، أي باختصار كل عمل نريد أن نقوم به معها بدأنا نشعر أنه كابوس؛ إذ نتوقع العناد الزائد.

تخرج بشكل جيد إلى الملاهي والمطاعم ولديها كم من الألعاب وأفلام الكارتون، وتستمع بشكل دائم للقرآن الكريم، وكانت بدأت بحفظ قصار السور عندما بدأت حالة الرفض هذه والمشاكسة. مع العلم أنه ليس لديها لعبة مفضلة وبشكل عام ملولة من الألعاب، وإن كانت تحافظ عليها، ولاحظنا أنها تحب لعبة الأرجوحة وتلك المزالق الخاصة بالأولاد في مدينة الملاهي، وأفلام كرتون محددة، حيث البطلة تكون بنتًا. عذرًا على الإطالة الزائدة، ولكنكم الصدر الرحب لهذه الأمة.
وأسأل: هل العناد وراثي فعلاً؟ وماذا يتوجب علينا إزاء موجة العناد الزائدة هذه الأيام مع بنت المفروض أن تكون مفعمة بالوداد والأنوثة؟ وكيف التعامل مع أهل زوجي الذين يُصرّون على إنفاذ رأيها على أساس أن طبعها "عنيدة وكفى"، حتى رغم معارضتي وزوجي.

سبحان الله.. عندما كنت حاملاً بها، كنت أستذكر قول الله تبارك وتعالى: "أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين"، وأقول ما أجمل البنات في العائلة.. أما الآن أقول أين هي من أخيها الودود والبريء؟

 
 
 

 
 
 
   

أبدأ معك برأي قد لا يوافقني عليه آخرون، وهو أنني أقتنع بفكرة الوراثة في أمور كثيرة، وذلك لما بيَّنه العلماء من وجود ما يسمَّى الذاكرة الوراثية، والتي تنتقل عبر المورثات من جيل لآخر، لكن هذه الفكرة لا تبرِّر أبدًا الاستسلام وعدم معالجة الطباع المتمكنة، وعلينا في هذه الحال أن ندرك أننا لا يمكن أن نبدل طباع الطفل؛ لأننا بذلك نشوِّه شخصيته، ولكن ما يمكننا فعله هو تهذيب هذا الطبع وصقله وليس إلغاؤه، لنحافظ على ثقة الطفل بنفسه ليكون كما هو، أي كفرد مختلف عن أبويه؛ ليضيف إلى الحياة التفرد والتميز المطلوب، ولا يخرج نسخة مكررة منا نحن الأبوين.

العناد يا سيدتي هي ظاهرة مألوفة في مراحل الطفولة الأولى، وهو وسيلة لإثبات الذات، وجذب انتباه الآخرين والتأثير عليهم، وهناك مرحلة يطلق عليها العالم الألماني (كرون) مرحلة العناد أو المقاومة، وهي مرحلة تمتد من لحظة الميلاد إلى العام الثالث أو الرابع. واستمرارها بعد ذلك وبشكل قوي وسلبي يحولها من ظاهرة طبيعية إلى مرضية، تسيء إلى علاقة الطفل بالآخرين فيسوء تكيفه الاجتماعي، وهنا فقط تستدعي الحالة علاجًا نفسيًّا.
وكي لا تصل ابنتك الغالية إلى هذه المرحلة يجب مساعدتها على التخلص من العناد تدريجيًّا، وذلك بتنفيذ طلباتها المشروعة وإشباع حاجاتها إلى الحنان قبل كل شيء.

وابدأ باستعراض أسباب العناد غير الوراثية والتي قد تكون سببًا عند طفلتك:
1 - الرغبة في تأكيد الذات وهذا دليل الصحة النفسية، حيث تؤكد الدراسات أن خلو مرحلة الطفولة الأولى من سلوك العناد قد يؤدي إلى ضعف الإرادة، والخنوع، والخضوع في المراحل العمرية التالية.

 2 - تدخل الأهل في حياة الطفل، حيث يريدون رسمها حسب إرادتهم، وهذا يعتبر خطأ تربويًّا شائعًا؛ إذ يجب أن ندع الأطفال يعيشون طفولتهم دون قيود تحدُّ من رغباتهم في ممارستهم للعب مثلاً إلا في حدود ما يضمن سلامتهم.

3 - إهمال الوالدين للطفل، خاصة غياب الأم وتركه مع آخرين لفترة طويلة.


4 - الأسلوب المتذبذب بين اللين والقسوة المتبع من قبل الوالدين أو من يقوم بدورهما في حال غيابهما، وهو ما يجعل الطفل في حيرة من أمره، ولا يعود يستطيع التمييز بين ما هو حق له، وما هو حق لغيره، فيعبر عن عدم الاستقرار النفسي بالعناد والرفض.

ولعلَّ هذا السبب الأخير هو أكثر الأسباب ورودًا في حالة طفلتك؛ إذ يبدو من كلامك تدخل أطراف أخرى في التربية تبرِّر لها تصرفاتها العنادية، وعلاج هذا التدخل يكون برفضك ورفض زوجك له بشكل ودّي دون وجود الطفلة طبعًا، والأفضل أن يطلب زوجك منهم عدم التدخل في تربيتها؛ كي لا تنشأ بينك وبين أهله نزاعات أنت في غنى عنها، وإن كان لا بد من تدخلهم فليكن لمصلحتها، وهي في أن تتخلص من عنادها في صغرها، قبل أن يصبح ملازمًا لها في كبرها.

العلاج يكون بالتعاون بينك وبين معلمتها، من أجل إشباع حاجاتها ورغباتها الأساسية؛ لقطع الطريق على تكرر حالات العناد عندها، وعلاج العناد لا يكون بالعناد، فعليكم ألا تضعوا أنفسكم في مواجهة مباشرة معها؛ إذ كثيرًا ما يتلذَّذ الأهل أو المربون بانتصارهم على الطفل إذا هم أرغموه على الطاعة، زاعمين خطأ أن هذه إحدى الوسائل الترويضية، بينما التصرف الأفضل هو محاولة الإقناع باللطف واللين لامتصاص العناد، وهذا يحتاج إلى طاقة كبيرة من الصبر وهدوء الأعصاب، دون الرضوخ لطلباتها بعد الرفض المتكرر؛ إذ تعتبر ذلك نوعًا من المكافأة على عنادها، وهو ما يشجعها على اعتماد العناد والإصرار باستمرار.

ولا أستطيع أن أجزم إن كان سبب العناد عندها غيابك عنها فيما مضى؛ لأنك كتبت في بياناتك أنك كنت تعملين سابقًا، فقط أحب التنويه إلى ما بينته بعض الدراسات أن الأم المشغولة تتحمل مسؤوليتها عن العناد عند طفلها، فهي بغيابها عنه لم تَعُد تستطيع تغذية طفلها بحليبها وحنانها إلا في ساعات قليلة، فتبدأ تظهر حالات العناد والتمرد عند الطفل، مدفوعًا برغبة لا شعورية لتعويض ما حرم منه.

إضافة إلى أنني أحب أن أنبهك إلى شيء قد يغيب عن بال الكثيرين، وما دعاني إليه إلا ما ذكرته في نهاية رسالتك عن الفرق بينها وبين أخيها، وكذلك وصفك لها حماها الله بذكائها، وكبر مداركها، وغير ذلك.. أقول قد نكون أمام طفلة مبدعة أو موهوبة؛ لأن الطفل في هذه الحالة يعاني من سوء تكيفه مع مجتمعه، حيث يمتاز باستقلاليته في التفكير ويبحث دائمًا عن فرديته، وأي طفل يكوِّن انطباعه عن نفسه من أفكار المحيطين به ومدى تقديرهم أو تحقيرهم لأفعاله؛ لذلك يجب على المربين أن يدعموا الأطفال بالتشجيع، وأن يساعدوا الأطفال المبدعين على الإبداع، وإلا تحوَّل هذا الإبداع إلى مأزق نفسي واجتماعي بالنسبة للطفل، فهو إما أن يتخلى عن إبداعه ليتحول إلى طفل عادي، وبذلك يحطم هذه الموهبة ليبقى قريبًا من الناس، أو أن يستمر في إبداعه منبوذًا من الجماعة المحيطة به والتي لا تقبل أن يكون مختلفًا عن الباقين.

وكتعليق على ما قلته من أنها يجب أن تكون مفعمة بالوداد والأنوثة أنقل لك بالضبط ما قرأته في كتاب عن دور الجنسين في الإبداع: (لما كان الإبداع يحتاج إلى الاستقلال الفكري والحساسية، والاستقلال الفكري هو إحدى فضائل الذكورة، بينما الحساسية هي فضيلة أنثوية؛ لذلك فإن الأولاد ذوي الإبداع الرفيع يحتمل أن يميلوا إلى صفات الأنوثة أكثر من زملائهم، بينما تميل البنات ذات الإبداع الرفيع إلى الصفات الذكورية أكثر من زميلاتهن)، فقد تحمل صفاتها الذكورية مفتاحًا لإبداعها.

بالنسبة لظاهرة قضم الأظافر أنبه إلى أن الطفل يلجأ إليها في حالات الحرمان والشدة وفي مواقف الغيرة، وهي من الوجهة النفسية تعتبر حالة عصبية غير معلنة مصاحبة للإحباط؛ بسبب عدم تحقيق الرغبات، أو عدم شعور بالاستقرار، أو ما يسمَّى بعدم التوافق الانفعالي، فابنتك قد لا تنال التقدير الكافي في الوقت الذي توجه فيه العناية لأخيها الصغير الذي بدأ الآن بشد انتباه المحيطين أكثر من قبل، وعلاجها إذا استمرت فيها يكون في التوجيه نحو الموسيقى أو الرسم؛ لتشغل فمها وأصابعها، وتشعر بأهميتها وقيمتها، أو استخدام الأسلوب الإيحائي كتسجيل شريط كاسيت يحمل عبارة (لن أقضم أظافري فهي عادة قذرة)، بالإضافة إلى الحديث برفق عن مساوئ هذه العادة كأن يقال لها: قد تسبب دودًا في البطن يأكل طعامك الذي تتغذين به، فتصابين بالمرض وأنا أحبك ولا أريدك أن تمرضي.

ولا تنسي أن تغدقي عليها من حنانك وحبك الكبير، وأن تمنحيها من وقتك الكثير، وأرجو الله تعالى أن يبارك لك فيها وأخيها. والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |