|
أهلا وسهلا بك ضيفة جديدة على صفحتنا, وجديدة على مرحلة البحث عن الذات التي تتناسب
تماما مع عمرك لذلك يسميها بعض العلماء النفسيين بالولادة الجديدة, فها أنت تبحثين
عن هدف لحياتك, وتريدين أن تطوري نفسك بحيث تكونين ذكية ومبدعة وحكيمة؛ لكن أنت
بالتأكيد ذكية وهذا واضح من سؤالك كما هو واضح من قولك أنك متفوقة؛ إذن ما نريده
الآن هو كيف نستخدم هذا الذكاء لتحديد الهدف والوصول إليه بشكل أكيد؟
دعينا نتساءل يا صديقتي معا, ما الغاية من خلقنا
جميعا؟ أي ما الهدف الذي وجدنا من أجله على الأرض؟
الغاية واضحة في كلام الله سبحانه وتعالى عندما خاطب
الملائكة فقال:( إني جاعل في الأرض خليفة), أي أن الله
خلق الإنسان على هذه الأرض لينشر فيها المبادئ
الإنسانية فيتم عمران الأرض وفقاً لها, وهذه المبادئ
تستمد من صفات الله سبحانه التي أُمرنا أن نتخلق بها
مثل الرحمة والعدل والحكمة, وهكذا فإن حياتنا الدنيا
تكون طريقا للآخرة, فالمسلم لا ينفصل لديه الدين عن
الدنيا, بل هو يؤمن بما قاله الله سبحانه ويسعى
لتحقيقه:( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب
العالمين).
وكل منا مسؤول أن يحقق هذه المهمة على حسب ما منحه
الله من طاقات وعلى قدر ما أودع فيه من إمكانيات,
فالهدف يجب أن يكون هو بناء المجتمع الإنساني الذي
يقوم على أسس حضارية سامية, بحيث يكمل الناس بعضهم
بعضا, فلا يتصارعون ولا يتكالبون , إنما لكل واحد منهم
مهمة صغيرة كانت أو كبيرة تكمل مهمة الآخر, فالأستاذ
يكمل مهمة الأب مثلا, والطبيب يقوم بدور لا يقوم به
المهندس, وعالم الاجتماع يعمل على صعيد المجتمع, بينما
الطبيب النفسي يكتشف النفس البشرية, وهكذا, فكل واحد
يعمل في مجاله المتمم للمجالات الأخرى.
ومن الممكن بالطبع لمن يدرس الهندسة أن يدرس الطب, لكن
يجب أن يسأل نفسه ماذا أحب أنا؟ وماذا أفضل؟ لأن
الإنسان لا يبدع إلا في المجال الذي يهواه, فأنت ماذا
تفضلين؟
هذا السؤال يجب أن توجهيه لنفسك, فأنت مثلا تذكرين في
بياناتك أن والدك ووالدتك حاصلان على تعليم عال, فهل
أنت ترغبين أن تكوني مثل أحدهما؟ أم أن مجالهما لا
يستهويك؟ ما هي المادة التي ترغبين في دراستها أكثر
أو تجدين نفسك بها ؟ هل تحبين المواد الأدبية أم
المواد العلمية؟
هكذا يمكنك أن تسنتجي أن وضع الهدف يعتمد على شيئين
أساسيين: أولهما حاجة المجتمع لما تنوين أن تكوني عليه
في المستقبل, وثانيهما: حاجتك أنت النفسية ورغباتك
لتحقيق ذاتك .
فليس من الضروري أن نكون كلنا أطباء أو مهندسين بل على
العكس مجتمعاتنا الإسلامية تئن من كثرة هؤلاء وأولئك,
بينما هناك نقص كبير في الدارسين لعلوم النفس
والاجتماع والتربية عن رغبة وهواية وليس لأن المجموع
العام في الثانوية هو الذي حدد دخول هذا الفرع أو
غيره, لأننا لا نريد أن نحصل على دارسين لهذه العلوم,
ولكنهم ليسوا إلا أبواقا للنظريات الغربية يرددونها
كالببغاوات, بل نريد مختصين في علم النفس والاجتماع
والتربية والسياسة يستفيدون من تجارب وكتب وثقافات
الأمم الأخرى وفي نفس الوقت يكونون قادرين على نقدها
والبحث فيها والتعمق في معرفة المجالات التي تلتقي
فيها مثلا الثقافة الغربية مع الثقافة الإسلامية ,
وكذلك المجالات التي تفترقان فيها, لأننا نريد الخير
للمجتمعات الإسلامية ولباقي المجتمعات الإنسانية التي
تاهت في نظريات بشرية وهي إلى الآن لم تقتنع أن
الثقافة الإسلامية قادرة على خوض غمار هذه العلوم بسبب
أننا نعاني من نقص في المسلمين الدارسين المتعمقين في
هذه العلوم, فهل تراك تصلحين أن تكوني منهم؟ أي هل
تحبين أحد هذه المجالات التربوية أو النفسية أو
الاجتماعية؟ إذا كنت كذلك فتأكدي أنك تسدين ثغرة كبيرة
من الثغرات الكبيرة والموجودة في مجتمعاتنا فقد سبقتنا
فيها المجتمعات الغربية لدرجة أن كل علم من هذه العلوم
الإنسانية يتضمن تحته تخصصات دقيقة بعضها لم نسمع به
نحن إلى الآن.
إذن سؤالك هذا ما زال أمامك سنة أو أقل أو أكثر لتجدي
الإجابة عليه إذ أعتقد أنه يجب أن تقرري في أي طريق
تسلكين لتستطيعي أن تختاري بين العلوم الإنسانية
كالتربية وما شابهها أو الآداب واللغات, أو العلوم
الأخرى كالرياضيات والفيزياء وما يماثلها, وقد تجدين
أنك متفوقة هنا وهناك, فهنا يجب أن تضعي حاجة المجتمع
المسلم في إحدى الكفتين لترجح على الأخرى.
أما إحساسك أنه ليس لديك أفكار, فلم أعرف من أدخل هذا
الانطباع عن نفسك في رأسك, فكيف لا يكون لديك أفكار,
وأنت تفكرين أن تضعي لنفسك هدفا منذ الآن بينما غيرك
كثيرات في سنك لا يعبأن بهذا؟ لماذا تقللين من شأنك
وأنت متفوقة؟ وعلى كل حال فالأفكار لا تأتي من فراغ
إنما تأتي عن طريق المشاهدات والملاحظات والنظر إلى
الأمور بعين متبصرة متفحصة ناقدة, وعن طريق القراءة
المستمرة المنهجية, وعن طريق التجارب تتكون الخبرات
التي تتضافر مع القراءة لتكوِّن الثقافة وهي تبصر
بالنفس ووعي بالمجتمع وإنزال هذه المعارف على أرض
السلوك, وهذا كله يأخذ وقتا طويلا ويحتاج جهدا عميقا
فلا تتعجلي.
وأما أنك تجدين نفسك تافهة أحيانا, فهذا أيضا بسبب
عمرك إذ أنك في طريقك إلى النضج الانفعالي, فلا بد أن
تغلب الانفعالات في كثير من الأحيان وما عليك فعله
دائما هو عدم الانقياد لها بل جعل العقل هو القائد
والمرشد؛ ولو أنني كنت أتمنى لو أنك شرحت لنا أكثر ما
هي التصرفات التي تجعلك تشعرين بالتفاهة؛ فأنت يُحسب
لك أنك بدأت بالبحث والتنقيب في أرض نفسك, وهذا إن دل
على شيء فهو يدل على حكمة لديك وليس كما تقولين, فأنت
لا تريدين أن تمضي عشوائية في طريقك, بل تريدين أن
تسيري في طريق مضيء معبد, وليس أفضل من طريق الله
سبحانه فعندما أتى الرسول عليه الصلاة والسلام رجل
وقال له: يا رسول الله أوصني, قال: قل آمنت بالله ثم
استقم.
وهذا ما أنصحك به فعلا أن تسيري على طريق الله
المستقيم بوعي وتبصر , وهذا ما يجعل أخطائك أقل بحيث
أنك تستفيدين من تجارب غيرك فتتجنبي الوقوع بها, ونحن
معك إن شاء الله في بحثك عن ذاتك وفي وضع هدف لك, وفي
تطوير شخصيتك, فتابعينا بأخبارك. |