الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) شكوى أم في بلاد الغرب

 
استشارة من المملكة المتحدة
 
 
 
 
 

 السلام عليكم ورحمة وبركاته في بداية احب أن أشكركم على جهودكم جعلها الله عز وجل في ميزان حسناتكم مشكلتي هو أنني أعيش في الغربة وعندي أربعة أطفال وتعبت في تربيتهم من حيث الحفاظ على دينهم ولغتهم وأخلاقهم حيث نعيش ونسير في عالم عكس التيار والحمد لله. عندي بنتان أعمارهما 13و11 ولابسات الحجاب ولله الحمد مع أننا نعيش في مكان عدد المسلمين جدا قليل ويوجد بنات في أعمارهما ولكن لا يلبسن الحجاب وأريد الحفاظ على بناتي من التأثر بالآخرين وأخذ العادات السيئة وابنتي الكبيرة بدأت تأخذ من حاجبيها مع أنني لم أفعل ذلك في حياتي سوى قبل الزواج أو بعده. ويمكن تقولون أن ابنتي تفرق عني أو تقولون اختلاف الفقهاء في ذلك أقول صحيح ولكن ليس من هذا العمر وتكلمت معها مرارا ومن الذي علمها وبأي شيء تستعمل ولا تجيب وأخشى عليها أن تتعلم أشياء أخرى وتعرف أننا نعيش في بلد الحريات ليست لها حدود والله المعين انصحوني كيف أتعامل معها وكيف أعلمها الطريق الصحيح وجزاكم الله ألف خير .. أم تعبانة في الغربة

 
 
 

 
 
 
   

لم تشرحي لنا يا أختي العزيزة ما الذي يجبرك على هذه الغربة, ولن أجادل فيما أفتى به الفقهاء أنه على المسلم أن لا يعيش بين ظهراني المشركين ما لم يكن متأكدا من أنه لن يخسر دينه وعائلته, فهذا حق لأن خسران الدنيا كلها لا تعادل خسران شيء من الدين .

ورغم صعوبة تطبيق الإسلام في الغرب, لكنني شخصيا لا أحبذ تسمية دار الكفر ودار الإسلام في هذا العصر , إذ أنه في بلاد الغرب يتاح للمسلم من الحرية في الدعوة وإبلاغ رسالة الله ما لا يتاح للمسلمين في ديار الإسلام, وإن كنت لا أتجاهل أن الوضع ربما أصبح أصعب قليلا بعد أحداث 11 سبتمبر(أيلول), لكن الأزمة عامة على المسلمين في الشرق والغرب, ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ذكرت أن ابنتيك حماهما الله؛ عمر الكبيرة 13 سنة وعمر الصغيرة 11 سنة, وهما يضعان الحجاب, فأقدر هذا تماما وأدعو الله أن يثيبك عليه, لكن أسألك: هل علمتهما معنى الحجاب الحقيقي قبل أن يضعا الحجاب الظاهري؟ هل غرست في قلبيهما حجاب تقوى الله سبحانه والخوف منه ومحبته وشكره على نعمه؟ هل شرحت لهما أن شكر الله سبحانه يقتضي العمل بما أمر والابتعاد عما نهى عنه؟

ألوم كثيرا كل أم وأب يسعيان إلى تطبيق أولادهما لفرائض الإسلام قبل أن يوضحا لهما الغاية منها, وكمثال أسألك: هل تستطيعين في هذا العصر وخاصة وأنت في بلاد الغرب أن تضربي ابنتك إذا بلغت العاشرة ولم تصلي, حتى لو كان ضربا غير مبرح؟ إذا كان من السهولة عليها أن تتصل بجمعيات حقوق الأطفال وتشتكيك, فهل ترين الضرب مثلا وسيلة محمودة لإجبار الطفل على الصلاة؟ وإذا لم تكوني في بلد غربي بل في بلد شرقي هل تظنين أن الضرب وسيلة ناجعة؟ لقد رأيت في حياتي الكثير من الأطفال يصلّون خشية عقاب والدهم, ثم ما إن يكبروا ويستقلوا عن أهلهم خاصة عند اختلاطهم بغيرهم ممن لا يهتمون بهذه الفريضة, حتى يرفعوا الإبريق عاليا – كما يقال – وينسوا الوضوء والصلاة والصوم وغيرها, فلماذا نصر على أن يكون تطبيق الأولاد أو البنات لفرائض الله ليس نابعا من اقتناعهم وفهمهم لمعاني هذه الفرائض العظيمة؟

لقد أصبحنا في زمن نحتاج معه أن نربي أبناءنا على الحرية المنطلقة من العبودية الخالصة لله وحده, وإلا فإنهم سيصبحون أحرارا على هواهم بمجرد ابتعادهم عنا, أو أنهم سيكونون عبيدا لغيرهم, فلماذا لا نشرح لهم أن الصلاة للروح كالغذاء للجسد؟ ولماذا لا أعدد نعم الله سبحانه لطفلي كل يوم وأعرفه بها, كي يحبه ويرتبط بخالقه أكثر مما يرتبط بي؟ ولماذا لا أخوفه منه سبحانه- طبعا عندما يصل إلى سن كسن فتياتك-  كي يقبل على عبادته طالبا رضاه خائفا من عقابه, بدل أن يقبل عليها إرضاء لي وخشية مني؟

لماذا لا أشرح له معنى كونك مسلما يقتضي أن تكون محبا لله وخلقه عاملا على نشر العدل والفضيلة ؟ لماذا لا أفهمه أن الله هو من خلق الإنسان وأنه يعرف ما يصلحه وما يسيء إليه؟

لماذا لا أقول له أن الدين هو كتيب التعليمات الذي أوجده الله سبحانه ليعمل به الإنسان فينال خير الدنيا والآخرة؟

أحكي لك قصة أخت داعية في بلدها, اضطرتها الديكتاتورية التي سيطرت آنذاك أن تعيش في بلاد الغرب, واستمرت بالدعوة هناك,  وبلغت ابنتها سن المحيض لكنها لم تجبرها على وضع الحجاب, بل على العكس كانت الفتاة تريد أن تضعه والأم تمنعها طالبة منها ألا تفعل إلا عندما تجد أنها تستطيع أن تدافع عنه كقناعة من قناعاتها. ووضعته الفتاة واستطاعت أن تستمر على طريق والدتها في الدعوة, وقد يعترض البعض على هذا الكلام, ويقولون: على فرض أنها لم تقتنع به فهل نسمح لها بالخروج بدون حجاب؟ ولهؤلاء أقول: كم رأيت في حياتي فتيات فرض عليهن الحجاب من قبل عائلاتهن, ولكنهن ما إن يتجاوزن الشارع حيث منزلهن حتى يختفي الحجاب من على رؤوسهن, فإذا كنتم تريدون حجاب التقليد فهذا هو ما تريدون, أما إذا كنتم تريدون حجابا يملأ القلب جلالا ويضفي على الوجه جمالا, فهو حجاب الباطن الذي ينسكب على الظاهر فيكون شعارا على رأس المسلمة تفخر به لا قماشا تخجل منه وترفعه في أول مناسبة.

إذن أرجو يا أختي العزيزة أن تعيدي شرح معاني الحجاب لفتاتيك, وتوضحي لمن بلغت المحيض منهن الحكمة منه بأن تختفي المظاهر الأنثوية عن أعين الرجال فلا يستثيرهم من الفتاة ما يمنعهم من التعامل معها كأخت قريبة وليس كأنثى مرغوبة, وعليك أن تضربي لها المثل بما يحصل أمامها في المجتمعات الغربية حيث تقوم علاقات الصداقة الدائمة أو المؤقتة مكان علاقات الزواج, بعد أن تخلت الأنثى عن حيائها الفطري وأصبحت تطلب الرجل قبل أن يطلبها, وأفهميها أن في هذا ضياع للشاب وخسارة للفتاة وتهدم لمؤسسة الزواج, واحكي لها عن ظاهرة الأمهات العازبات في الغرب, وأوضحي لها عدد اللقطاء في الشوارع, وانتشار المخدرات والجرائم وما إلى ذلك من تفكك أسري وانحدار أخلاقي وكله بسبب البعد عن الله سبحانه والتعدي على حدوده, وبيني لها فضل الله علينا سبحانه إذ خلقنا مسلمين, فديننا دين الفطرة وقد قدس الجنس عندما وضعه في إطار الزواج بحيث يجمع بين روحين في متعة حلال , وأما الغرب فقد هوى بالإنسان إلى درك الحيوانية, عندما أصبح الجنس هدفا بحد ذاته, واذكري لها أن البلاء الأكبر وهو الإيدز رغم أنه قد عرف منذ أكثر من عشرين عاما إلا أن الطب ما زال عاجزا عن اكتشاف علاج له, وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى عندما يمنح الإنسان نعمة الجسد والصحة والعافية ليستعملها في مرضاته فيستخدمها في مرضاة الشيطان فإن الله سبحانه يسلبها منه, ومن لم يعرف نعم الله بدوامها عرفه الله إياها بزوالها.

كل هذا وأكثر منه يجب أن تناقشيه مع ابنتك وتستمعي إلى آرائها, فليس من حل لهذه المشكلة إلا أن تكوني صديقتها وتفهمي دوافعها وتحاولي أن توضحي لها- بشكل معتدل وبدون مبالغة أو تهويل- كل شيء يمكن لها أن تسمعه من غيرك, فأن تعلمه منه بشكل صحيح خير من أن تدركه من غيرك بشكل خاطئ؛ وامنحيها ثقتها بنفسها وأكدي لها أنك تثقين بها ولا تظهري لها أي مبالغة في الخوف عليها, فتأتي النتائج معاكسة لما تريدين, بل على العكس شجعيها أن تختلط بالبنات الغربيات وأن تصطحب منهن إلى المنزل من تراها مناسبة لها, فهناك عائلات غربية تتمسك بالمسيحية وبتعاليمها المشتركة مع تعاليم الإسلام كالوصايا العشرة وغيرها, وتحدثي مع صديقاتها كأنك صديقة لهن, ولكن أرجو ألا تكوني جاهلة للغة البلد الذي تعيشين به كما هو حال النساء غير العاملات المسلمات المعزولات عن المجتمع, لأن هذا الانعزال والتقوقع ضرره أكثر من نفعه, فكيف نتعامل مع الناس إذا كنا نجهل لغتهم؟ وكيف نقدم لهم الإسلام على أنه دين الانفتاح والمحبة ونحن بعيدون عنهم؟ وكيف يقبل الناس على الإسلام وهم يرون هذا الإسلام الانعزالي المتخوف ؟

يجب أن ينطلق حديثنا مع الغرب أيا كان من مبدأ أننا إخوة في الإنسانية شركاء في هذه الأرض, وأنهم إذا كانوا يفضلوننا بعلمهم وتقنيتهم وتقدمهم, فإننا نفضلهم بأننا حملة أفضل رسالة للعالم أجمع: رسالة الإيمان الذي يعالج أمراضهم النفسية, ورسالة المحبة التي تقلب أعداءنا أصدقاء لنا, ورسالة الرحمة للعالمين أجمعين.

وأما موضوع أنها تأخذ من حواجبها وتخشي عليها أن تتعلم ما هو أكبر فتوقعي ذلك يا أختي العزيزة إذا لم تبادري من الآن فتحتضينيها وتستوعبي عمرها والجو المحيط بها وأنها في مجتمع تمارس فيه الفتاة الجنس منذ بلوغها العاشرة وتتعلم كيف تمنع الحمل وكيف ترفض من أهلها التدخل بحياتها بمجرد بلوغها الخامسة عشرة أو السادسة عشرة, فدول الغرب على ما أعلم تهيئ للمراهقين مساعدات إذا أحبوا أن يستقلوا عن أهلهم, فإياك أن تخسري ابنتك, وابحثي لها عن الصحبة الصالحة, ولعلك تجدينها في مركز إسلامي قريب, وإذا لم تجدي فأعيدي تثبيت مفاهيم الإيمان في قلبها فهي الطريق لتثبيت الحجاب على رأسها, ولا تنسي الدعاء لها ولأختها, وكذلك ليكن والدها قريبا منها بحيث تتفقان معا على أسلوب واحد فلا يرخي أحدكما الحبل بينما يشده الآخر, فتقع في تناقضات أنتم جميعا في غنى عنها, وكوني دوما قدوة لها, واغمريها بحبك وعطفك وقربك حتى تأنس إليك فتبث لك همومها ومشاكلها, وبذلك تكسبي نفسا فتحييها في نعيم الإسلام بدل أن تخسريها بأن تتركيها عاجزة عن مواجهة جحيم الغرب, وتذكري أن الله سائلك عن أولادك وبناتك وأنه كما قال عليه الصلاة والسلام:( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)  والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |