|
الابنة الكريمة: أهلا وسهلا بك, ولعلك قد أرسلت لنا مشكلة سابقة حول علاقتك بهذا
الشاب, وعلى كل حال فأهنئك أنك استطعت قطع علاقتك به, لأن العلاقة بين الجنسين إذا
كانت سرية فيندر أن تؤدي إلى خير, ولذلك فإن علاقات الصداقة بين الجنسين مرفوضة
شرعا – وهي غير الزمالة المفروضة في المدرسة أو العمل- إلا إذا دخلت تحت مسمى
الأخوة في الله, وعندها لا تكون كذلك إلا إذا كانت علنية ولها ضوابطها المعروفة
سواء كانت على الانترنت أو في الواقع.
كما يساعدك أن تطلعي وباستمرار على صفحة مشاكل وحلول
حيث تأتينا مشاكل مشابهة وحلولها وإن كانت مختلفة حسب
حال السائل, لكن ستلاحظين أن العواقب السيئة أكبر
بكثير من العواقب الحسنة والسبب يا ابنتي الكريمة أنه
كما قال عليه الصلاة والسلام:( إن الحلال بين وإن
الحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس,
فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في
الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن
يرتع فيه)(متفق عليه), وفي حديث آخر: ( الإثم ما حاك
في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس), وهنا يمكنني
طمأنتك أنك بإذن الله فتاة طيبة ومؤمنة وتقية لأنك
جاهدت نفسك عن الوقوع في المعصية التي تؤدي إليها هذه
الشبهة وهي محادثة ذلك الشاب على الانترنت, والحمد لله
أنه كان متفهما وتقيا أيضا فابتعد عما يوقعكما في
الإثم.
بالنسبة للجزء الأول من مشكلتك وهو شعورك بالضعف في
شخصيتك, فهذا يتطابق مع المرحلة العمرية التي تمرين
بها حيث تنمو الانفعالات والعواطف والغرائز بشكل أسرع
من النمو العقلي, ولذلك تشعرين بعدم الاستقرار
والتوازن؛ ففي هذه المرحلة تحدث تقلبات شاملة وعميقة
نتيجة تأثير هرمونات البلوغ في وجود الإنسان, ولكن
نتيجة ليقظة الرغبات والأمنيات في هذه السن تظهر
حساسية في المشاعر تتحكم بالنشاطات والفعاليات النفسية
حتى لدى ذوي الطبائع الفعالة والجدية. ويتيقظ العقل
أيضا لكن لا يتوازى نموه مع النمو الجسدي والانفعالي,
لذلك فإنك تجدين بعض تصرفاتك غير متوازنة تماما ولا
تحكمها الإرادة القوية دائما؛ مع ذلك فإن هذا مما يسهل
تحصيله بالثبات على الإيمان والمثابرة على حث النفس
على الخير ومراقبتها لئلا تقع في الشر. وكذلك يجب أن
لا نقتنع كثيرا بما يقال عن سن المراهقة, فهي لم تكن
موجودة في المجتمعات البدائية حيث كان الفتى والفتاة
يتزوجان بمجرد البلوغ فيشعران بالمسؤولية, ولا في
المجتمعات الإسلامية المتوازنة وإنما أتتنا بفعل معاول
التخريب بتأثير الثقافات الغربية والتي تضافرت مع
الجهل حتى أصبح أغلب الناس يتقبلون فكرة أن فترة
المراهقة هي فترة التمرد والطيش وعدم الاستقرار، وهذا
صحيح في بيئة منحرفة عن فطرة الله؛ أما إسلاميا ففترة
المراهقة هي فترة حيوية وحماسة ونشاط, وفترة بناء
واستيقاظ وهمة, وفترة فهم وتوسع في المعرفة والعلم
والمدارك, فاعملي أن تستغلي هذه الطاقات التي لديك,
ويمكنك مراجعة ردي على استشارة :
عندما تتكلم الورود عن نفسها
وكذلك مراجعة مشكلة على صفحة مشاكل
وحلول هي: أخاف من حبي للشهوات. ونصائحي للسائل في هذه
المشكلة هي نصائحي إليك بأن تضعي لنفسك برنامجا
للعبادات وتثابري عليه, وكذلك أن يكون لك صحبة صالحة
تساعدك وتذكرك, فالمؤمن بالمؤمن يقوى, وحلاوة الإيمان
هي ثمرة لبذرة إذا أحسنت سقايتها ورعايتها وتعهدها لا
بد أن تناليها, ولا تكون إلا بترك المعاصي ظاهرا
وباطنا, فخيالات الحب والجنس ليست محرمة إلا إذا أدت
إلى محرم, لأنه من رحمة الله بنا أن الله لا يحاسبنا
إلا على ما كسبت أيدينا أو تناولته ألسنتنا, كما قال
عليه الصلاة والسلام:( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت
به نفسها ما لم تقل أو تفعل) رواه الحاكم, ولكن في نفس
الوقت هذه الخيالات يمكن أن نعتبرها معاصي باطنة لأنها
تجعل علانية المرء خير من ظاهره, والمؤمن هو من يدع
الإثم ظاهرا وباطنا كما قال الله تعالى:( وذروا ظاهر
الإثم وباطنه), وتمنع حلاوة الإيمان التي تسألين عنها,
والتي فصلت عنها في إجابتي:
كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين
التوابون
وأنقل لك قول ابن القيم رحمه الله في
هذا الخصوص:
" دافع الخطرةَ فإن لم تفعل صارت شهوة فحاربها فإن لم
تفعل صارت عزيمة و همة فإن لم تدافعها صارت فعلاً فإن
لم تتداركه بضده صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها ،
واعلم إنَّ مبدأ كل علم اختياري هو الخواطر و الأفكار
فإنها توجب التصورات و التصورات تدعو إلى الإرادات و
الإرادات تقتضي وقوع الفعل وكثرة تكراره تعطي العادة
فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر و الأفكار و فسادها
بفسادها ، واعلم أنَّ الخطرات و الوساوس تؤدي
متعلقاتها إلى الفكر فيؤديها إلى التذكر ؛ فيأخذها
التذكر فيؤديها إلى الإرادة فتؤديها إلى الجوارح و
العمل فتستحكم فتصير عادة فرَدُّها من مبادئها أسهل من
قطعها بعد قوتها و تمامها".
لذلك فمن الأفضل أن تبتعدي عن هذه
الخيالات وكذلك عن العادة السرية التي هي وإن لم تكن
بحرمة الزنا, لكنها تتنافى مع الحياء من الله سبحانه
إذ نخون الأمانات التي أنعم بها علينا, وغريزة الفتاة
مهما كانت قوية لكنها تضبط بالحياء الذي هو فطرة في
الأنثى أكثر من الذكر,
ولم يحرم الفقهاء العادة السرية لمن
يفعلها بحكم الغريزة القوية إذا أوقفت الشاب على باب
الزنا, أما إذا كان من يفعلها هو الذي يستجلب الشهوة
لنفسه فهي حرام قطعا, ولذلك فإذا امتنعت عن المثيرات
الغريزية وقويت مراقبة الله في نفسك وإذا علمت أن
الغريزة الجنسية خلقها الله فينا لتكون كالنهر الذي
يتدفق في الأرض القاحلة فيخصبها لكنه إذا لم يوضع له
السدود فهو يحدث طوفانات تهلك الحرث والنسل, ومن هنا
وضع الشرع ضوابط لهذه الغريزة ولم يسمح بإخراجها كل
على هواه, وفي نفس الوقت لم يكبتها وإنما حدد ممارستها
في إطار الزواج.
وهنا يمكنك الرجوع هنا إلى:
حائرات بين نار الرغبة وتأنيب الضمير
مخاوف الغشاء والعادة
سؤالك الأخير عن العمليات الاستشهادية وهو الذي جعل
دمعة كبيرة تترقرق في عينيَّ, إذ وحده سؤالك هذا يبين
لي كم أنت فتاة صالحة, وكم أنت فتاة مؤمنة, لأن حب
الوطن من الإيمان, فبورك قلبك النبيل يا ابنتي؛ ولكن
حبنا لوطننا هو عاطفة ويجب أن لا تمنعنا من النظر إلى
الأمور بعقل وحكمة, فأول شيء هنا يجب أن نؤكد أن
الدفاع عن الوطن تجاه المحتل هو فرض عين على الجميع,
ولكن أوجه الجهاد لم تعد واضحة تماما هنا خاصة مع
اختلاف آراء المناضلين الفعليين وآراء المتحكمين
بالقرار النهائي في الشعوب, فمثلا السلطة عندكم تمنع
العمليات الاستشهادية وكذلك هناك العملاء الذين
يتغلغلون بينكم, لذلك فالموضوع يجب أن يكون محاطا
بالكتمان تماما, وبالتالي يجب أن لا يدور الحديث عنه
إلا ضمن أضيق دائرة كالمخطط والمنفذ, فكيف يمكن لمن
عزم أن يقدم نفسه فداء لوطنه لتحريره من أعداء الله أن
يُعلِم أحدا من أهله؟ هذا غير ممكن طبعا, كما يجب أن
نعرف أن العمليات الاستشهادية هي ليست فرض عين إلا على
القادر على القيام بها, ويجب أن يتحلى بصفات خاصة لا
توجد إلا في بعض الرجال ومنها قوة الإرادة وثبات الجأش
وفعالية الإيمان وإخلاص النية لله, وكما توجد عند بعض
الرجال توجد عند بعض النساء إلا أن المرأة يغلب عليها
الخوف لذلك لم يفرض عليها الله الجهاد إلا في حالة
مهاجمة البلد من قبل عدو غاصب كما في حالتكم فهنا
إعلان الجهاد مسؤولية الحاكم, وعلى الجميع أن يلبوا
نداء الواجب, وهذا ما لم يحصل وإن كنا نأمل أن يحصل
ويعلم جميع القادة العرب أنه ما تخلى قوم عن الجهاد
إلا ضربهم الله بالذل كما قال أبو بكر رضي الله عنه,
والذل الذي تعيش فيه الأمة ما بعده ذل, ولن يخرجنا منه
إلا التمسك بحبل الله المتين, وتغلغل الروح الفدائية
فينا وليس حب الشهوات واتباع المغريات.
لذلك فرأي الأهل لا يكون بأخذه بشكل
مباشر, إنما يكفي أن يجس الشاب نبض والده ووالدته إذا
كانوا موافقين أم لا, وبالطبع إذا كان إيمانهم قوي
بالله فلن يواجه أي مشكلة بل على العكس سوف يشجعونه
على ذلك, أما إذا كان أحد الوالدين ممانعا فلا أنصح
بالقيام بالعملية وقد بينت رأيي في مشاركتي:
الأم المستشارة .. حي على الجهاد..
مشاركة
لأنه قد يفكر بأمه غير الموافقة وماذا
سيكون موقفها إذا علمت باستشهاده, فيحزن ويتردد وينكشف
أمره فيعتقل ويضطر تحت التعذيب أن يكشف عن أسرار
إخوانه وأسمائهم, فهنا يجب التفكير جيدا ويجب على
القيادات المجاهدة أن تختار الأصلح والأنسب والأقوى
إيمانا واتصالا بالله سبحانه, ومن يحفظ الله يحفظه
الله.
ويمكن أن أضيف هنا رأيي الخاص بأن
العمليات الاستشهادية يجب أن يقوم بها الشباب إلا إذا
مُنعوا كليا من ذلك ولم يبق إلا الفتيات فهنا يفترض
على الفتاة المؤمنة القادرة أن تقوم بذلك, وسبب رأيي
هذا أننا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن المرأة هي
المنجبة فرجل واحد قادر على أن يتزوج أربع نساء
وينجبن, لكن قلة النساء مشكلة لأنه يؤدي إلى قلة عدد
الجيل القادم ونحن نفتخر بأن المرأة الفلسطينية هي
الأقدر على التوالد والإنجاب وهي كذلك الأقدر على
تربية أولادها على العزة والكرامة, ولذلك إذا لم يكن
طريق الشهادة مفتوحا أمام المرأة كما هو أمام الرجل
فيمكنها أن تكون شهيدة بحياتها وثباتها على إيمانها
وحسن إسلامها وتربيتها لأولادها على الكرامة وأول
الكرامة هي كرامة النفس التي لا تكون إلا باجتناب
المعصية, فرحم الله من قال:( من كرمت عليه نفسه لم
يهنها بالمعصية), وهذا ما أرجوه لك بعد قراءتك هذا
الرد وردي على :
أسرى اليهود والفتور.. الأحرار
ينتصرون
وأذكرك بأن الشهادة هي نوعان فالإسلام يدعونا إلى حب
الحياة في سبيل الله, كما يدعونا إلى حب الموت في سبيل
الله, إذ أن كلا من الحياة والموت شهادة في سبيل الله,
فالأولى شهادة على الناس عندما نرفع رؤوسنا عالية بعز
الإسلام: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم
شهيدا}, فهي شهادة الأحياء الذين لهم قدم صدق عند
ربهم, وأما الأخرى فهي حياة الشهداء الذين قال الله
عنهم:{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات, بل
أحياء عند ربهم يرزقون}.
وفقك الله ورزقنا وإياك مكانة الشهداء أمواتا كنا أو
أحياء, وتابعينا بأخبارك.
ملاحظة: المشاكل الواردة أعلاه تم طبعها في كتاب تحت
اسم أسئلة محرجة وأجوبة صريحة. |