الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) أشتاق لك.. كلمة طيبة أم فخ منصوب؟

 
استشارة من بلاد الشام
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال لي أحد مستشاري الصفحة عندما أخبرته أنني أتكلم مع شاب على الانترنت, أنه حرام أن أتكلم مع ذلك الشاب، لكنني حقًّا لا أدري ما أفعل، فأنا لا أريد الابتعاد عنه، فهو كأبي، وإن كانت "اشتقت إليك" هي الحرام فلن أقولها له، فأنا لم أقل له أكثر من ذلك وأغلب كلامنا عن الدين وحال الدنيا ليس إلا.

لقد سألت يومًا أبا صديقتي، وهو مفتٍ، وقال لي إنه ليس حرامًا إذا كان الكلام بالدين، وليس فيه أي حرام، لا أدري لمَ أبعث هذا الكلام الآن، لكنني حقًّا لا أريد أن أفعل شيئًا يغضب الله، ولا أريد أيضًا أن أبتعد عن ذلك الشاب.. أرجوكم أن تقولي لي إن كانت "اشتقت لك" هي الحرام فلن أقولها له.. ربما تعلقي به ازداد، ولكن.. بُعد صديقتي عني وإحساسي بأنه أبي، وأنا متأكدة أنه شاب، فقد سمعت صوته على الإنترنت وليس يخدعني، وأخلاقه جيدة جدًّا لذلك تعلقت به أكثر.

لقد قال لي إنه كان إنسانًا متدينًا وملتزمًا جدًّا، لكن حصلت معه حادثة أدت إلى بعده عن الله لفترة وانقطع عن الصلاة، لكنني ألح عليه بها، وقال لي إنه سيبدأ في رمضان إن شاء الله.. أرجوكم أن تقولي لي كيف يمكنني أن أعيد له إيمانه؟ أريد منكم إرشادي لبعض الخطوات التي أتبعها لأزيد من إيمانه وإرجاعه له، فلا أريد له أن يعذب بالآخرة أو بالدنيا.. آسفة على إطالة حديثي، لكن أرجو أن تجيبوني بسرعة. وأشكركم على هذا الموقع كثيرًا.

ملاحظة: أبي وأمي منفصلين وأنا أعيش مع والدتي.

 
 
 

 
 
 
   

حبيبتي الغالية:

ذكرت أكثر من مرة أن الحب - أو ما تصفيه أنت هنا بالتعلق-  لايدخل ضمن الأحكام التكليفية من حرام أو حلال لأن الحب شعور قسري أي لا يدخل ضمن الاختيار؛ لكن ينبغي أن أبين لك أمرين:

الأول: إذا افترضنا أنك لم تقومي بالحديث مع هذا الشاب سواء على الشات أو وجها لوجه, لما كنت تعلقت به أو أحببته؛  أليس كذلك؟ إذن الشعور أتى نتيجة الفعل فأنت غير محاسبة على الشعور, لكنك – وبصراحة-  أنت من وضعت نفسك في هذا المأزق.

الثاني: ما يدخل ضمن الإرادة هو التصرفات التي يدفع إليها شعور الحب.. وأنت تعرفين أن الكلام شيء يخضع للإرادة, فأنت تستطيعين أن تقولي لهذا الشاب أشتاق لك كما تستطيعين أن تمتنعي عن قولها, فإذا كنت تريدين معرفة حكم كلمة اشتقت لك هل هي حرام أو حلال, وتخلطين بينها وبين كلام المفتي الذي يخبرك أن الكلام في الدين ليس حراما فأسألك يا حبيبتي هل كلمة اشتقت لك من الدين؟! أم أنك تحسبينها كلمة طيبة والكلمة الطيبة صدقة؟!!

لا يا حبيبتي.. كل ما أدى إلى حرام فهو حرام, فإذا توقف الحب عند حدود المشاعر القلبية والعواطف الإنسانية دون أن يؤدي إلى ما هو أكبر من ذلك فليس حراما أبدا, ولكنه على العكس شيء جميل ويضفي على الحياة نكهة خاصة, وقد يساعد على تهذيب النفس إذا عرف المرء كيف يستغل هذا الشعور فيجعله يرقى به في درجات القرب من الله سبحانه وتعالى.

وقد تسألين كيف؟ فأقول لك: لو كنت مكانك لالتجأت صادقة إلى الله سبحانه أشكو إليه هذه العاطفة التي تملأ قلبي فهو الذي خلق القلوب سبحانه وهو الذي يقلبها كيف يشاء؛ وأطلب منه سبحانه أن يجنبني الزلل باتباعي لعاطفتي دون أن يكون لها رقيب من عقلي وإرادتي؛ وأتضرع إليه وحده سبحانه لأنه هو الذي خلقني وهو الذي يعلم ضعفي وأنني إنسانة بحاجة إلى من يحبني وأحبه, لكنني لا أريد أن أخطئ وبنفس الوقت لا أريد أن أكتم صوت العاطفة الذي يتردد صداه في كياني, فمن لي غير الله سبحانه يكون سندي وعوني في معاناتي الرائعة هذه؟

يا ابنتي الغالية, ليس أجمل في الحياة خاصة لمن كان في عمرك من أن يشعر بأن هناك من يهتم به, لكن يجب أن نحذر نحن معشر النساء من عواطفنا لأن المرأة ضعيفة أمام قلبها, كما أن العاطفة لدى الفتاة تختلف عنها لدى الفتى, إذ أن الحب عند الفتى يميل إلى النزعة الغريزية أكثر أي أنه لا يستطيع كبح جماح حبه أن يترافق مع الغريزة الجنسية إلا في حالات نادرة, وهذه طبيعة الذكر يا غاليتي, فمن الذي يضمن لك ألا يتحول هذا الحب الطاهر من مجرد المشاعر إلى الكلمات ثم إلى ما هو أكثر من الكلمات؟!

ولذلك علي أن أنبهك أن الشيطان ليس غبيا ليوقع ابن آدم في الخطيئة من البداية, لكنه يسول لك أن كلمة أشتاق لك ليس فيها شيء ولن تثير شيئا في نفس ذلك الشاب لأنها قد لا تثير شيئا في نفسك,  ولكنها في الحقيقة ليست إلا فخا من فخاخ إبليس.. إذ رويدا رويدا تتفعل العاطفة أكثر وتسيطر على الجوانح أكثر فتترجم بالجوارح وأولها اللسان وتؤدي إلى كلمات أبعد, والكلمات تؤدي إلى أفعال أشد وطأ في ميزان السيئات؛ وكم بدأ شباب وفتيات مثل بدايتك ثم انتهوا بالزنا حتى لو كان على الانترنت, ولا أظنك ترغبين بنهاية ساقطة مدنسة مجرمة للحب الرفيع الطاهر البريء, أليس كذلك؟

حبيبتي: أدرك مدى حاجتك إلى الرجل في حياتك خاصة مع انفصالك عن والدك, لكن إياك يا ابنتي الغالية أن تجعلي شعورك بهذه الحاجة يدفعك إلى الخطأ, وأنصحك هنا بهذا الدعاء :( اللهم ما أعطيتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب, وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب). وتأكدي أن الله سبحانه أرحم بنا من الأم بولدها كما في الحديث القدسي, وأنه بقدر صبرك على الحرمان سيمنحك الخير الكثير ويجعل لك بعد العسر يسرا وبعد الضيق فرجا.

أما بالنسبة لموضوع ترك هذا الشاب للصلاة, فلا مانع أن تنصحيه بها, وذكريه بنعم الله سبحانه عليه وفضل الصابرين والشاكرين, فإن كان تركه للصلاة بسبب مصيبة ما فاذكري له قول الله سبحانه في فضل الصابرين:( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين.ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون. ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون). وذكريه بنعم الله الأخرى في الصحة والعقل والإيمان ومحبة الأهل وغير ذلك من نعم الله الوافية كي يشكرها: ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم). واسأليه كيف يقبل أن يترك إبليس الرجيم يخرجه من عز الطاعة إلى ذل المعصية, فقد عصى إبليس ربه بأن امتنع عن السجود لآدم الذي هو في الحقيقة سجود لله لأنه طاعة له, وجلَّ ما يريده عدونا اللعين أن نمتنع نحن أيضا عن السجود, فلماذا نجعله يكسبنا في صفه ولو يوما واحدا؟ ذكريه بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام:( أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) واسأليه لماذا يحرم نفسه من نعمة القرب من الله سبحانه الذي ( يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء )؟!

يجب علي أن أنبهك إلى شيء أخير يا حبيبتي أنك لم تذكري من أي بلد هذا الشاب, وما هو تفكيرك البعيد لنهاية هذا الحب أيضا؛ فإذا كان في بلد آخر, فأنت تعلمين صعوبة وصوله إليك خاصة أنك من فلسطين الحبيبة, فهل سينتهي حبكما بالزواج وأنتم في ظروف كهذه؟ ثم يا حبيبتي حبك هذا نابع عن فراغ عاطفي بسبب سنك أولا وعدم وجود الرجل في حياتك ثانيا إذ أنت تقولين أنك تحبينه كوالدك, لكن هل عمره مناسب لعمرك؟ ما الذي يضمن لك ألا يتغير حبه لك ريثما تستطيعان تتويج حبكما بالزواج؟

هذه الأسئلة يجب أن تطرحيها على نفسك وتكوني صادقة مع نفسك في الإجابة عليها, وإذا تمكنت من أن تشغلي نفسك بالصداقات والعلاقات الاجتماعية مع الفتيات فهذا ما يجب أن تفعليه, خاصة أنك تذكرين هنا أن تعلقك بالشاب قد زاد بسبب بعد صديقتك عنك, فابحثي عن صديقات غيرها وستجدين بغيتك بإذن الله, وإذا أحسنت التوكل على الله فلن يخيبك أبدا, ولا يكون التوكل إلا بعد الأخذ بالأسباب ومنها أن تبدئي من تعرفينهن من الفتيات بالمحبة والبسمة والكلمة الطيبة والهدية, فتكسبي صداقات كثيرة إن شاء الله.

أخيرا أذكرك أنك تورطت في هذه العلاقة وإن لم تؤد إلى شيء بعد, فانتبهي ألا تسقطك في أوحال الرغبات الجسدية, وألا تشغلك عن دراستك ومستقبلك والهم الذي تعيش فيه أمتك التي تحتاج جهودك ووعيك كما تحتاج كل جهد ووعي من كل شاب وفتاة مسلمين, فإذا استطعت أن لا تغرقي في بحر من عدم التوازن بين الواقع والخيال, وكذلك من عدم التوازن بين الواجب والعاطفة,  فلا عليك أن تستمري في هذا الحب وإلا فاقطعي العلاقة من البداية قبل أن يصبح التراجع صعبا أو مستحيلا.

لكن إذا اخترت الاستمرار فأرجو كي لا تخطئي وتخلطي المشاعر بالدين مرة أخرى أن تصارحي والدتك بمعاناتك, وأن تخبريها أنك تعرفت على هذا الشاب ليكون الأمر بعلمها, فمن المهم جدا في سنك الخطر هذا أن تكون والدتك قريبة منك, ولم أستطع أن أتبين من خلال رسالتيك مدى علاقتك بها, فإن استطعت تمتين علاقتك بها ومصارحتها فهو أفضل, وإلا فاعتبري أن لك هنا أهلا وأمهات وآباء يسعدهم دائما أن يسمعوا منك وأن يضعوا أنفسهم رهن مساعدتك.

وبانتظار أخبارك أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك, والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |