الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (تربوية) اغفر لتنسى وسامح لتنعم بالحياة

 
استشارة من مصر
 
 
 
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أحبتي في الله، هذه من المشاكل التي تؤرقني كثيرًا، وأعتبرها من الحواجز التي تمنعني من تحقيق المفهوم الشامل للإيمان؛ بل وتؤثر على علاقتي بربي في كثير من الأحيان:
عمري 15 سنة، تربيت وسط أسرة متوسطة الحال تسعى للالتزام بالدين الصحيح، تربيت تربية متوسطة لا بأس بها تشوبها ثغرات معينة جعلتني -بالإضافة إلى طبيعتي الاجتماعية - أصير عدوانيًّا بعض الشيء في معاملاتي مع أفراد أسرتي.

وبعد بلوغي سن المراهقة ازداد الطين بلة وكثرت المشاحنات، والغريب أني كنت دائمًا أتميز بأجلِّ الصفات وأكرم الأخلاق خارج البيت مع أصدقائي ومحيطي، الشيء الذي جعلني أشعر بانفصام وتذبذب.

وبمرور الأيام ازددت وعيًا ومعرفة وتعلقًا بالإسلام، وتنبهت أكثر لفساد نظام حياتي الذي قد أراه نفاقًا أو ما شابهه.. فقررت وضع حد لهذه المهزلة عن طريق معاملة إخواني وأبويَّ معاملة يرضاها ديننا، لكنني دائمًا أواجه بعقبات:

ومنها صعوبة الانسلاخ الكلي عن الماضي لترسب بعض الصفات السيئة في نفسي، لكنني مع ذلك أحاول، غير أنه في كل مرة أحقق شيئًا، وتركز الأسرة عليه، فإما أن يكون إطراءً، وأنا كما قلت لا أحب ذلك لطبيعتي الاجتماعية، أو أن يصير محط سخرية من إخوتي وتعجبهم المليء بمعاني التهكم، أو أن يصبح سببًا لتأنيبي من أبويَّ، كأن يقولان عندما أخطئ: لا داعي لذلك التصرف الحميد إذا كنت تفعل خطأ مثل هذا... وهكذا هي الأمور حتى أصبحت أتطبع بالصفات السيئة القديمة.

إنني شديد الغضب والعصبية، وأعتقد دائمًا أنني إذا لم أسع لأخذ حقوقي بنفسي فلا منصف لي في هذا البيت. أشعر بعدم التوافق مع أسرتي فأنا الوحيد بينهم الشديد الخجل، وهو ما يسبب سوء التفاهم في كثير من الأحيان.

كان والدي عندما أخطئ يشبعني ضربا رغم صغر سني، بل إن أخواتي ما زلن يعيرنني عند الاختلاف معهن بتلك الليلة التي أشبعني فيها والدي ضربا منذ ما يقرب 6 سنوات عندما رفضت أن أؤدي خدمة لوالدتي.. كل هذا جعل علاقتي بوالدي مبنية على الرهبة والخوف لا الاحترام.

لذلك لما بلغت المراهقة أراد والدي - اتباعا لكتب التربية التي تدعو إلى مصاحبة المراهق - أن يجدد ويغير علاقته معي، لكنني أنا لم أستطع ذلك بحكم علاقتنا القديمة، فصار يحاول محاورتي أكثر وإظهار اللين والرفق، لكنني أبحث دائما عن الخلاص من هذه المواقف، وهو ما يثير غضبه ويدفعه أيضا إلى ضربي.

هذه العلاقة المشحونة مع والدي انعكست على علاقتي بوالدتي التي صرت أعقها كثيرا، كأن أرفع صوتي عند الغضب، وأرفض فعل بعض ما تأمرني به متعللا ببعض المشاغل.. فصارت هي الأخرى ترفض بعض طلباتي وتعارضني دائما وتنسب كل خلل في البيت إليّ، كأن ترى انحرافا في سلوك إخوتي الصغار فتنسب ذلك إليّ لأنهم - كما تقول - يقتدون بي رغم أن هناك أخوات أكبر مني، وكلما ضاع منها شيء أو حدث عطب في جهاز أو تشاجرت مع أحد إخوتي كنت أنا وحدي موضع الاتهام.

هذه المشاكل - كما قلت - تبعدني عن الله وأفقد معها لذة الإيمان لأنني أرى نفسي مقصرا ولا أستطيع إصلاح الخلل، وأرى أن كل ما أقوم به من صالحات يحبط بسبب عقوقي.

أعرف أن مشكلتي معقدة جدا وصعبة الحل، لكنني على الأقل فرجت عن همومي.. جزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 
 
 

 
 
 
   

الابن الغالي:
أنا آسفة إذا قلت بأن مشكلتك أحزنتني لدرجة أنني لم أستطع منع دموعي، ولعل صدق كلماتك هو الذي أثر بي، فأرجو أن تقبل مني ما سأقوله لك كأم حقيقية لك؛ فأنا أدرك تماما معنى عبارتك: (أشعر بعدم التوافق مع أسرتي)، وأعرف كم يحز في نفسك أن تكون عاقا لوالديك، خاصة أمك، رغم معرفتك بشرع الله وأوامره ببر الوالدين والإحسان إليهما. فهل تعدني يا بني الغالي أن تحاول أن تتنازل قليلا وأن تكون أكثر مرونة وتبدأ بتقبل نفسك كما هي لتستطيع تقبل من حولك؟

يا بني، أنت تعرف سمات السن التي تمر بها، لدرجة أنك أوضحت أن والدك قد حاول تغيير طريقته معك وتحويل علاقتكما إلى الصداقة، ولكنك رفضت هذا، فهل تغضب مني إذا أخبرتك بأن هذا تصرف خاطئ منك؟

والدك يعتذر ويحاول أن يصلح ما بينكما، ويقترب منك فلا يجد إلا نفورا وابتعادا؛ لذلك لا يستطيع أن يحتمل هذا الجفاء منك، فلا يكون منه إلا أن يرجع لسابق عهده، مع أن المفترض فيك أن تقبل اعتذاره حتى وإن كان غير مباشر، فيكفي شعوره نحوك بأنك أصبحت رجلا وأنه يجب أن يصادقك لتقبل منه، وأذكرك بما ورد في معنى الحديث: (من أتاه أخوه متنصلا من ذنبه فلم يسامحه فليس بمؤمن)، فهل تريد أن تنزع عن نفسك صفة الإيمان؟

لا تنس أن الذي يعتذر إليك هو والدك وصاحب الفضل عليك، وأنت تعرف كم من الآيات القرآنية التي ربط الله بها بين حقه سبحانه في التوحيد بالعبادة وبين حق الوالدين بالبر والإحسان ومنها هذه الآية الكريمة: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)، وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أحب الأعمال إلى الله قال: (الصلاة على وقتها) قال: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين)، قال: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله).
إذن فحق الوالدين يأتي تماما بعد حق الله سبحانه.

ويبدو من رسالتك أنك شاب واع تعرف الله وتحبه، لذلك عليك أن تعرف أن الله لم يُتعبَّد بأفضل من خلق حسن، وفي الحديث الشريف: (اتق الله حيثما كنت وأتبع الحسنة السيئة تمحها وخالق الناس بخلق حسن)، وعندما سئل الرسول عليه الصلاة والسلام: ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: (التقوى وحسن الخلق).

أنت تقول عن نفسك بأنك عصبي وسريع الغضب، وإنه لشيء جيد أن تكون قادرا على معرفة نقاط ضعفك وعيوبك، لكن يجب أن تكون قادرا على التخلص منها، وأذكرك أن الحِلم بالتحلم والعلم بالتعلم، فعليك أن تتبع الوسائل الإيمانية في رفع الغضب وإبعاده عنك، وذلك بأن تجلس إذا كنت واقفا أو تستلقي إذا كنت جالسا، وتتوضأ وتصلي على الرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا كنت تحبه فيجب أن تتخلق بأخلاقه، ومن صفاته عليه الصلاة والسلام أن حلمه كان يسبق غضبه.

وأكثر من الدعاء:
اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت.

ويساعدك على هذا فعلا أن تزيد من عباداتك وتضع لك برنامجا إيمانيا، فتحاول أن تستيقظ قبل الفجر لتؤدي صلاة التهجد ولو ركعتين، وتجعل لك وردا من الذكر بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب، وكذلك قراءة شيء من القرآن كل يوم، والمواظبة على الصلاة في أول وقتها، ويجب أن يكون لك بعض الأصحاب الملتزمين بالدين المتخلقين بالأخلاق الفاضلة فإذا وجدتهم فالزمهم؛ لأن الطبع يسرق من الطبع شيئا فشيئا، "والصاحب ساحب، والمرء على دين خليله" كما قال عليه الصلاة والسلام.
ثم نظرتك إلى الأمور يجب أن تحاول تغييرها، فهل يصلح أن يضع الإنسان نفسه في ساحة حرب وهو بين أهله وأحب خلق الله له؟

أنت بالطبع لا تشعر بمحبتهم لك لأنهم يستهزئون بك أو لا يشجعونك، ولكنك لو بحثت في الكون كله فلن تجد أحدا يحبك ويريد سعادتك مثل أهلك، فتحمَّلهم يا بني، وإذا أخطأت وانتقدوك فعوِّد نفسك على تقبل النقد بدون حساسية أو على العكس اجعل نفسك أكثر مرونة بأن تضحك من نفسك أمامهم إذا أخطأت، فكثيرا ما يشعر الآخرون برغبتهم في الضحك ليس علينا ولكن لأنهم يرغبون في الضحك لأوهى الأسباب، فلماذا لا تشاركهم ضحكهم حتى لو كنت أنت المادة التي يضحكون عليها؟
هذا سيعلمك فضيلة التواضع، بل أريد منك أكثر من ذلك أن تسألهم – إذا فعلت أي شيء - عن رأيهم فإذا سخروا منك فتقبل سخريتهم بنكتة أو فكاهة أيضا، وهذا لا تصل إليه إلا إذا تقبلت نفسك رغم عيوبك، ومن منا بلا عيوب؟

وربما هم يسخرون منك لأنك أظهرت لهم عدم حبك للإطراء، فإذا مدحك أي أحد فلا تحاول أن تقلل من قيمة نفسك، بل اشكرهم، خاصة أنهم لا يجاملونك، ولماذا يجاملونك وهم أهلك؟! وأنت كذلك يجب أن تمتدح أفعالهم وأن تتحبب إليهم بكل وسيلة.

ودعني ألخص لك حقوق والديك عليك ثم حقوق إخوتك، فإن بدأتهم بها فلا بد أن يردوا لك إحسانك بأكبر منه، لأن النفوس فطرت على حب من أحسن إليها:

حقوق الوالدين:
1- طاعتهما في كل ما يأمران به أو ينهيان عنه ما لم يكن فيه معصية لله.
2- توقريهما وتعظيم شأنهما وخفض الجناح لهما وتكريمهما بالقول والفعل، فلا تنهرهما ولا ترفع صوتك فوق صوتهما.
3- برهما بكل ما تصل إليه يداك، ودفع الأذى عنهما وتقديم النفس فداء لهما.
4- صلة الرحم التي لا رحم له إلا من قبلهما، والدعاء والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما.

أما حقوق أخواتك عليك فهي حقوق كل مسلم عليك، ولكن حقهن عليك قبل حق أي مسلم آخر لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (بِرَّ أمك وأباك ثم أختك وأخاك ثم أدناك فأدناك).

ومن أفضل ما يحقق لك الوفاق معهن أن تسعى لخدمتهن ومساعدتهن والسؤال عنهن والابتسام في وجههن وتفضيلهن على نفسك.
ولذلك أرجو أن تزيل هذه الفكرة من رأسك تماما، وهي أنه إذا لم تسع لكسب حقوقك فلا منصف لك؛ فهذه فكرة فيها الكثير من التحامل على أهلك.

ومع تصديقي لك بأن أخواتك يعيرنك بشيء من الماضي، ولكن هذا يمكنك تعويضه بأن تثبت لهن أنك أفضل بكثير مما كنت عليه من 6 سنوات، فلا بد أنك إذا تفوقت في دراستك مثلا وفي طاعة والديك وفي معاملتهن معاملة ممتازة سينسين طفولتك، وأطمئنك أن ما يحصل في بيتك يحدث في كل بيت؛ لذلك لا داعي لهذه الحساسية أبدا.

إضافة إلى أن تصرفك مع والدتك لا يصح أبدا؛ فأنت تعرف أن حق الأم لا يعدله حق آخر، فكيف ترفع صوتك عليها؟ وكيف تتهرب من خدمتها ومساعدتها؟ إياك يا بني أن تتصرف برد الفعل، فهذا أكبر خطأ نرتكبه في حق أنفسنا، وعليك دائما أن تضع الأعذار لوالدتك، فربما هي تفعل هذا لأنها تعرف أنك تحبها أكثر فتظهر قسوتها عليك لمعرفتها أنك تتحمل منها ما لا يتحمله إخوتك وأخواتك.
ثم أليس لها حق مضاعف عليك، وكونها تعمل خارج البيت لتساهم في صنع مستقبل جيد لك ولإخوتك، أفلا تستحق منك بعد هذا التعب أن ترضيها بكل ما استطعت؟

أما بالنسبة لموضوع خجلك فيجب أن تعالجه بأن تختلط بالناس بالتدريج، وتتمرن بينك وبين نفسك على مواجهتهم، وعلاج الخجل يتم عن طريق التخيل للموقف الذي يثير الخجل ثم تبني التصرف الأسلم في ذلك الموقف, ويمكن مثلا إذا كنت تخجل من الظهور أمام جمع من الناس, بأن تحاول أن تندمج مع مجموعة قليلة الأفراد ثم توسع دائرة معارفك الاجتماعية شيئا فشيئا. وهذا يسمى في علم النفس بالعلاج السلوكي, وأما العلاج المعرفي فهو الذي يعتمد على العقل, فاسأل نفسك لماذا تخجل منهم؟ وبماذا يَفْضُلونك؟ فإذا رأيت فيهم صفة أفضل منك فحاول اكتسابها وتعلمها؛ ولا أنسى أن أذكر لك العلاج بالإيمان فاستمد ثقتك بنفسك من إيمانك بالله سبحانه، واعلم أننا كلنا بشر نخطئ ونحزن ونغضب، وقد وصف الله المؤمنين بهذه الصفة: (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون).

إذن المؤمن بشر قد يغضب، ولكنه يتميز عن غيره بأنه يسامح ويغفر (ولَمَن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور).

أخيرا يا بني، أنصحك أن تحب نفسك وتبحث عن محاسنك وأن تظهرها لنفسك ولأهلك ولمن حولك، وعندما تشعر بحبك لنفسك ستكون قادرا على حب غيرك. وعود نفسك على التسامح ففيه الراحة من كل معاناة، ولا تنس اللجوء إلى الله سبحانه دائما، فهو وليك من دون العالمين، ولا يخيب من التجأ له بصدق لأنه هو القائل سبحانه: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض).
 
وأهلا بك، وأرجو أن أسمع منك أنك أصبحت أفضل. والسلام عليك.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |