|
لا أدري أين تكمن المشكلة؟! هل هي في أطفالنا أم فينا نحن الآباء والأمهات؟ إذا لم
يكن عالم الطفل خيالاً، وحركة، وأسئلة، وفضولاً، فمتى يكون ذلك؟ هل نمنعه من الخيال
الآن ليعيش في أحلام اليقظة عندما يصبح رجلاً؟ هل نتهرب من أسئلته ليرى إجاباتها في
أحلام نومه؟ هل نقيده بدروس الدين ليكون شيخًا معممًا وهو طفل، ثم يصبح راقصًا
ومغنيًا عندما يكبر ويتحرر من قيودنا؟
لماذا نقتل ملكات الخيال والإبداع في أطفالنا؟ لماذا نكبت طاقاتهم الطبيعية ونحرمهم
من أبسط حقوقهم في اللعب والحركة؟ لماذا نريدهم نسخة طبق الأصل منا؟ أو لماذا
نريدهم نسخة واحدة مكررة؟ أين هو الاختلاف والتنوع الذي هو السنة الربانية في
الحياة إذن؟ ألا نشوِّه الطفولة عندما نحشو عقول أطفالنا بأفكارنا ولا نعين أفكارهم
وخيالاتهم أن تنمو؟ ألا نظلم الطفولة البريئة عندما نحولها إلى شيخوخة نظنها
حكيمة؟!
ارحموا الأطفال.. أرجوكم.. لأنكم ترحمون أنفسكم بذلك، وترحمون مجتمعكم من زيادة
حالات الفصام وازدواجات الشخصية، وزيادة عدد المارقين من الدين والأخلاق، والأهم من
ذلك كله ترحمون أمتكم من زيادة عدد المنافقين!!
معذرةً يا سيدتي لمقدمتي القاسية، لكنها ليست لك وحدك، بل لكل أب وأم ينكر حق الطفل
في الخيال، والسؤال، واللعب، والكلام، ويفرض عليه أشياء مخالفة لطبيعته التي خلقه
الله عليها, وإليك الآن الإجابات على أسئلتك:
أولاً: الخيال نعمة كبيرة من نعم الله على الإنسان،
ولا يمكن أن توجد حقيقة دون خيال، ولا يمكن أن يتفتق
إبداع دون خيال، ولا يمكن أن يحدث تقدم دون خيال، ولا
يمكن أن يتحقق إيمان دون خيال، فلماذا نحوِّل النعمة
إلى نقمة؟!
تسألين: وما علاقة الإيمان بالخيال؟ وأنا بدوري أسألك:
ما هو دافع أي واحد منا للإيمان والعمل الصالح؟ أليس
هو نيل رضا الله والرغبة بدخول الجنة والنجاة من
النار؟ وهل أحد منا رأى الجنة أو النار؟ ألسنا نتخيل
الجنة والنار عندما نقرأ الآيات والأحاديث المرغبة
والمرهبة، فنسأل الله عز وجل الجنة ونستعيذ به من
النار؟!
ثانيًا: أسئلة الطفل قد تكون دليل ذكائه، وملاحظته،
وانتباهه، وإنّ كبت الأهل لرغبة الطفل في المعرفة وطرح
الأسئلة، أو التهرب منها ورفض الإجابة عليها، يلجأ
الطفل إلى غيرهم ليصل إلى جواب يشفي غليله ويروي فضوله
من أي مصدر كان، وقد يكون مصدرًا خاطئًا خطرًا على
الطفل، وليس مصدرًا أمينًا كأبويه.
لذلك أرجو أن تعتادي على أسئلة ابنك، سواء ما كان له
علاقة بالدين أو بمواضيع أخرى، وأن تشجِّعيه على أن
يعرف الإجابة منك لا أن يطلبها من غيرك، ويجب أن تعدّي
نفسك للإجابة عليها بشكل تكون أجوبتك بسيطة وملائمة
للسن التي هو فيها ومناسبة لقدرته على الاستيعاب
والإدراك.
أنت تقولين أنك تحضرين دروسًا دينية، أفلا تمنحك هذه
الدروس أبسط معرفة بالعقيدة مثلاً؟ من المفترض أن
تعرفي الإجابة على هذه الأسئلة قبل أن يطرحها طفلك
عليك، فإذا سألك أي شخص هل لله سبحانه يد فماذا
تقولين؟ أو هل له تبارك وتعالى عين فما هو الجواب؟
طبعا لن أدخل معك في أبحاث العقيدة وأقوال السلف
والخلف في الذات الإلهية والصفات؛ لأنها لا تنفعك مع
طفلك، لكن أنصحك بقراءة بعض كتب العقيدة المبسطة؛ كي
تتمكني من الإجابة دون أن تلجئي لنا، ولا يعني هذا
أننا لا نريد أسئلتك، بل على العكس تمامًا، مرحبا بك
في كل وقت.. ما أقصده أنه عليك أن تهيئي نفسك للتعامل
مع أي سؤال طارئ دون أن تكوني مضطرة للهروب منه.
يسأل الطفل: أين هو الله؟ الجواب ببساطة: الله في
السماء.
وأقول: الله في السماء هو جواب جارية صغيرة على سؤال
رسول الله –عليه الصلاة والسلام- حين سألها ليعرف إن
كانت مؤمنة: أين الله؟ فقالت: في السماء، وكان مالكها
قد ضربها على وجهها؛ لأنها كانت ترعى له غنمه فهجم
الذئب فأكل واحدة، فقال -عليه الصلاة والسلام- عندما
سمع جوابها: اعتقها، فإنها مؤمنة.
يسأل الطفل كذلك: هل لله عين، فالجواب: نعم له سبحانه
أعين لكنها ليست كأعيننا، بل معناها أنه يبصرنا
جميعًا، يسأل: كيف يرانا جميعًا؟ الجواب: إذا صعدت إلى
سطح البناية ألا ترى كل الناس في الشارع، كذلك الله
يرى الجميع؛ لأنه في السماء، والسماء محيطة بالأرض.
يسأل: هل لله يد؟ نقول له: نعم له تبارك وتعالى أيدٍ،
لكنها ليست كأيدينا، بل هي تدل على كرمه سبحانه وعطائه
غير المحدود، خاصة مع عباده المؤمنين به، كما تدل على
بطشه وجبروته مع الكافرين به.
الله لا يأكل، ولا ينام، ولا يشرب، وليس له زوجة، وليس
له ولد؛ لأنه ليس بشرًا، بل هو الرب سبحانه الذي لا
يحتاج أحدًا، بل الكل يحتاجه جل وعلا. أين الصعوبة في
هذه الأجوبة؟ ألم يتعلم الصحابة الإيمان بالله هكذا؟
ألا يعرف ابنك سورة الإخلاص؟ علميه إياها واشرحي له
معناها أنه هو (قل هو الله أحد) الإله الواحد (الصمد)
المستغني بنفسه عن غيره (لم يلد ولم يولد) مفهومة
طبعًا، (ولم يكن له كفوا أحد)، أي ليس له مثيل سبحانه،
ولا يشبهه أحد من خلقه، وبعد أن تنتهي من شرحها
علِّميه ببساطة أنه يتوجب علينا أن نفكِّر بكرم الله
ونعمه الكثيرة علينا، وعدِّدي له هذه النعم، وقصِّي له
عن الجنة ونعيمها، ودعيه يحلِّق بخياله في آفاق
الجنان، أو ليس الأطفال هم عصافير الجنة؟
وما أقصده أن توجِّهي خياله
لا أن تمنعي انطلاقته.
أحكي لك عن طفل كان أصغر من
ابنك بسنة أي
عمره ست سنوات, ولم يكن يحفظ من القرآن الكريم إلا
سورة الإخلاص والمعوذتين، ولم يحضر في تلك السن أي درس
ديني، واضطرت أمه لتركه عند امرأة نصرانية عدة أيام
عندما كانت تذهب إلى عملها، فقال لأمه ذات يوم: "فلانة
تقول إن لله ولدًا، وأرتنا صورته، لكنني قلت لها: الله
ليس له ولد؛ لأن في القرآن كذا وكذا…، وتلا سورة
الإخلاص". هذا رد طفل عمره ست سنوات كان أشد إخوته
حركة، وأكثرهم أسئلة، وأوسعهم خيالاً، الآن بعد ست
سنوات أخرى هو يفكِّر كيف يخترع سيارة تسير دون بنزين
كي لا تلوث البيئة، ويفكِّر كيف ينتج أقراص كمبيوتر
ذات فكرة إسلامية، وفي نفس الوقت تجذب الأطفال، رغم
أنه لا أحد يتدخل في أفكاره، ولا يُفرَض عليه أي
قناعات أكبر من عمره، لكنه يرى القدوة الصحيحة أمامه،
وأمه تقول:ما
علمته إياه فقط هو
الإيمان بالله تعالى أولاً، ثم الأخلاق والثقة بالنفس
ثانيًا، ونميت له ملكة حب الاستطلاع وقوة الملاحظة ,
ولم أمنعه بالتالي من الأسئلة، كما لم أمنعه من اللعب
والحركة، وهي
فكرتنا التالية.
ثالثًا: اللعب يا سيدتي هو جزء مهم من حياة الطفل،
كالأكل، والشرب، والحب، والحنان، يساعد في نموه الجسمي
والروحي، فكيف نطلب من طفل أن يجلس مثلنا ليُصغي إلى
موعظة؟ ماذا يفهم منها؟ هل تعرفين لماذا ذهب ابنك إلى
الدرس؟ لأنه إما وجد نفسه وحيدًا في البيت، أو لأنه
سئم من المقارنات بينه وبين أخته، واتبع المثل الذي
يقول: (من لم يأتِ معك اذهب أنت معه). أنت لم تستطيعي
أن تتفهمي صعوبة بقائه إلى جانبك، وهو يصغي إلى ما لا
يفهمه، فاضطر إلى إرضائك على حساب ميوله وحبه للحركة
والكلام، والأغرب من ذلك أنه بدأ يبكي أو يتباكى لينال
رضا الناس، فلا أحد على ما يبدو شرح له أن الأهم هو
رضا الله سبحانه وتعالى.
أتعرفين قصة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما وجد
رجلاً بالمسجد يطيل السجود، ويلوي رقبته متخشعًا لله،
ماذا فعل عمر؟ ضربه بالدرة وهو يقول: افعل هذا في
بيتك، فلو كان عمر موجودًا لانهال ضربًا على كل هؤلاء
المتباكين والذين تريدين أن يكون ابنك واحدًا منهم.
ألم يقل الله تعالى: "وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ
الْقَوْل" (الأعراف: 205)، وقال عز وجل:
"ادْعُوا رَبَّكُمْ
تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِين"
(الأعراف: 55)، أي أن الدعاء المفضل هو ما كان بين
العبد وربه، وأما التباكي
أمام الناس فهو نوع من الاعتداء الذي لا يحبه الله عز
وجل, ويخرج من كلامي البكاء من خشية الله الذي يأتي
بدون تصنع أو تكلف.
أنا معك في اصطحاب أطفالك للمسجد، ولو كان من الأفضل
أن يذهب ابنك مع أبيه ليبدأ باكتساب الرجولة، لكن يكفي
بالنسبة لمن في سنه أن يسمع خطبة الجمعة فهي قصيرة، كي
لا يمل ويضطر لفعل ما ليس من طبعه، فالولد أكثر حركة
من البنت، ولا تنسي أن ابنتك أكبر سنًّا، والبنت أكثر
وعيًا من الولد غالبًا في هذه السن؛ ولذلك تصل قبله
إلى سن البلوغ، فلا يجب أن تقارني بينهما، كما لا يجب
مقارنة أي طفل بآخر؛ لأن الله خلق كل فرد بإمكانيات
وطاقات مختلفة، ومن هنا أتت كلمة فرد أي متفرد متميز
عن غيره.
الإسلام يا أختي دين الواقع
والحياة، يعترف للإنسان بأشواقه القلبية وميوله
النفسية وطبيعته الإنسانية، ولقد أوصانا الرسول الكريم
-عليه الصلاة والسلام- بأن نروِّح عن القلوب؛ لأنها
إذا كلت عميت، فكيف بقلب طفل جُلّ وقته يجب أن يكون
سرورًا وفرحًا، ولعبًا ومرحًا؟!
هلا اطمأننت يا أختي أن شخصية ابنك طبيعية؟ فلا
تجعليها مريضة بتشويه طفولته وحرمانه من اللعب وتجاهل
أسئلته وكبح جماح خياله.. دعيه فلربما ربح الإسلام
مبدعًا يساهم في انتشالنا من التخلف الذي عشناه
وعشقناه زمنًا طويلاً!! |