الصفحة الرئيسية
  
مقالة قـصصيــة
 

لا تسألوني ما اسمه حبيبي!

 

يقول العالم النفسي تيودور رايك في كتابه ( الحب بين الشهوة والأنا) من أن الحب خبرة لم تعرفها الأعراق البشرية في تاريخها القديم, وأنه ظهر على الأرض نتيجة التطور الحضاري للجنس الإنساني؟؟

يؤكد رايك أن الحب لا يظهر إلا عندما يكون الشخص قادرا على مقارنة الفروق بين البشر وتقدير القيمة الذاتية لمن يريد أن يتخذه مثله الأعلى في لاوعيه؛ ولذلك فإنه يقرر أن مقاربة الطفل لموضوع الحب يدل على أن الطفل موهوب بشكل استثنائي؛ وجدير بالذكر أن رايك يفصل تماما بين ظهور الجنس الذي وجد مع وجود الإنسان على الأرض وبين الحب الذي ظهر أول ما ظهر غريبا متطفلا على عائلة الغرائز, فقارع الجنس ثم اتحد معه في النهاية ليكون كمحدث نعمة في تاريخ البشرية, وهو بذلك ينقض كلام فرويد عن أن الحب ما هو إلا جنس مكفوف الهدف!

هل تراها تلك الطفلة كانت موهوبة عندما عرفت الحب وعمرها لم يتجاوز خمس سنوات؟ لقد تعلمتْ القراءة بسن مبكر جدا قبل سن التذكر  أي قبل أن تبلغ الثالثة من العمر, ودون أن تذهب لمدرسة أو روضة, ومع ذلك فهي لا تذكر  عن حياتها في ذلك الوقت الشيء الكثير , إلا أنها كانت تقرأ كل ما تقع عليه يدها, وكأن حب المعرفة الذي يسري في دمها كان موروثا بشدة من أبينا آدم وأمنا حواء عندما أكلا من الشجرة المحرمة.. شجرة الخلد وملك لا يبلى!

لكن كيف كان حبها...  ذلك الحب الطفولي الرائع؟!

تبدأ القصة بمنظر طفولي محبب إلى القلب, وهو منظر الطفلة ( ليلى) وأخيها (إبراهيم) يتوسد كل واحد منهما فخذي أمهما, بشكل يرسمان مع رجلي الأم الممدودتين شكل إشارة زائد, بينما الأم تقرأ كل يوم بعد صلاة الفجر سورة ( يس والصافات)؛ وفي سورة الصافات يعلو صوت الأم مرددا الآية: (سلام على إبراهيم ), فيُعلِّق إبراهيم ذي الأعوام الثلاثة قائلا بلثغته المحببة والتي يستبدل فيها حرف الكاف بالتاء: ( وعلى ليلى تَمان ) أي سلام على ليلى أيضا, فقد كان يحب أخته التي تكبره بعامين والتي كثيرا ما كانت تمثل له القدوة والمحبة والأمومة رغم صغر سنها؛ وهكذا كان خيال (إبراهيم) يجنح بعيدا في مكان يعمه السلام مع أخته (ليلى) التي كان خيالها هي الأخرى يطير محلقا متسائلا عن شكل تلك المدينة الموصوفة في سورة يس (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ) إذ يخيل لها أن أقصى المدينة هو آخر الشارع حيث منزل أهلها شرقي الطراز؛ ورغم أنها كانت تذهب بين الفينة والأخرى مع والدتها أو والدها أو أخيها الكبير إلى مكان يتجاوز ذلك الشارع بكثير, لكن خيال الطفلة لا يفتأ يرسم لها صورة ذلك الرجل الذي يأتي مهرولا ويقف عند ناصية الشارع ناصحا قومه مشفقا عليهم محذرا لهم كما في السورة الكريمة. 

قُدِّر لها أن تتجاوز حدود المدينة الحقيقية حيث مسقط رأسها لتنطلق في سيارة خاصة مع والديها وأخيها المدلل (إبراهيم) إلى مكان إقامة أختها الكبرى المتزوجة من ضابط عسكري يعمل في الجولان. كان ذلك قبل نكسة حزيران بعام واحد, ولا يزال اخضرار جبال الجولان جاثما في المخيلة, حيث أشجار البلوط والكستناء دائمة الخضرة, وحيث كان يعبق نسيم الحب والجمال قبل أن تلوَّث تلك المناطق بالأيادي السوداء المخضبة بدم الأبرياء.

كان سبب السفر أن أختها الكبرى ستضع مولودا جديدا, وكان لتلك الأخت من الأولاد صبيٌّ يكبر (ليلى) بثلاث سنوات, وبنتٌ بعمرها, فقد كانت (ليلى) خالة رغم صغر سنها, وكان هذا كثيرا ما يحدث في العائلات الكبيرة التي يستمر فيها النسل عبر الأجيال فيكون الفرق بين الأخ الكبير والأخ الصغير كالفرق بين الوالد والولد؛ ولا تزال تذكر كيف كان بعض من يقابلون أخاها الكبير مصطحبا إياها, يسألونه إن كانت ابنته, وخاصة للشبه الكبير بينها وبينه؛ ولا تزال تذكر أيضا تلك المرأة التي شاركتها  ذات مرة مقعد "البولمان" في سفرها أثناء  المرحلة الجامعية فسألتها عن اسم عائلتها, فلما أعلمتها, قالت لها: هل أنت أخت فلان؟ وتعجبت (ليلى) من ذلك, ولكن عجبها زال عندما صارحتها تلك السيدة الكبيرة بالسن أنها كانت قد وقعت في غرام أخيها عندما كان يدرِّسها بعض المواد الخصوصية, وأنها ما زالت تتمنى لو كان نصيبها عليه رغم زواجها من رجل ذي مكانة رفيعة, وذكرت تلك السيدة الجريئة أن أكثر ما يذكرها بأخيها هو  عيناها اللتان تشبهان إلى حد كبير عيني أخيها؛ وهل ينسى المحب عيني حبيبه اللتين طالما سهر شوقا إليهما؟!

عوداً إلى الجولان, حيث التقت (ليلى) بالصبي (بيبرس) ذي الأعوام التسعة والذي كان صديقا لابن أختها.. لا تذكر أنه لفت نظرها بشيء, سوى أنه كان يحاول التقرب منها, بتسلق شجرة الرمان الضخمة الكائنة أمام منزله القريب من منزل أختها, فيقطف رمانة, ويعود أدراجه كالفائز, ثم يدخل البيت ويعود بالرمانة وقد شُطرت نصفين, فيقدمها لليلى في نجوة عن ابنة أختها (سلام), قائلا لها بصوت منخفض: انظري كم هي حمراء! هذه لك أنت فقط.. لا تطعمي (سلام) منها!

لم تكن (ليلى) تفهم أن (بيبرس) يتصرف بأنانية المحب الذي لا يسع قلبه إلا حبيبه! ولم تكن تستطيع أن تلبي طلب (بيبرس), إذ يعزّ عليها أن تأكل شيئا وغيرها ينظر إليها, بل على العكس كانت (سلام) تحوز القسم الأكبر من الرمانة, كما حازت (ليلى) على النصيب الأكبر من اهتمام (بيبرس)!

أعلى شجرة الرمان كان (بيبرس) يردد مثل غوار الطوشة: ( ليرة ورا ليرة.. ليرة ورا ليرة.. ليلى ورا ليلى.. ليلى ورا ليلى) .. ولكن (ليلى) لم تكن تفهم لماذا يفعل (بيبرس) هذا إلا أنها تفسر ذلك بسبب تعجله في لفظ الكلمات, فلا شك أن السرعة سبب للخطأ؛ ولكن بيبرس لم يكن يستسلم بسهولة لعدم فهمها مقصده وأنه يذكر اسمها ولهاً وعشقاً!

كثيرا ما كان يصر أن يكون هو العريس في لعبة ( باس باس بسينا.. عند النبي صلينا.. ) ويطلب من أخته الكبيرة أن تختار (ليلى) لتكون عروسه, ولا يقبل أن يكون العريس أحدا غيره, كما لا يرضى أن تجلس إلى جانبه فتاة غير (ليلى), وكانت أخته لا ترفض له طلبا, و(ليلى) لا تعترض خاصة أن الأمر لا يسوؤها, بل على العكس كانت تشعر أن سرورا لا تفهم له سببا يخالج قلب بيبرس إذ ترتسم على وجهه علائم الزهو والانتصار , وكأنه فعلا عريس تلك الليلة!

كان يدعوها إلى البستان البعيد في طرف البلدة الهادئة, فتذهب معه, لكنه لا يكون سعيدا بمرافقة (سلام) لها كظلها, ومع ذلك فكثيرا ما يغتنم ابتعاد (سلام) ليمنح (ليلى) أكبر عنقود عنب استطاع قطفه, ويأتي لها به بعد أن يغسله, ويأكله متلذذا مع رفيقته الغريبة قبل أن تأتي العذولة (سلام) فتقطع عليهما مناجاتهما الصامتة!

تذكُر كيف كان جمع كبير من الأطفال صبيانا وبناتا يخرجون إلى أطراف الضيعة فيصعدون الجبل حيث أشجار البلوط, ويبدؤون بتحدي بعضهم بعضا من يجلب أكبر عدد من ثمار البلوط, وبالطبع كان (بيبرس) يفعل المستحيل ليكون هو الفائز, وفي نفس الوقت لا ينسى أن يساعد محبوبته فيعطيها قسما كبيرا مما التقطه لتفوز هي معه أيضا؛ كل ذلك ليحوز إعجاب (ليلى), و(ليلى) ليست هنا.. و"لا تقرّ له بذاكا"! 

يلوح لها مشهد أخير ؛ وذلك عندما مرض (بيبرس) وذهبت لتزوره مع والدتها وأختها الكبرى. كان (بيبرس) في فراشه ساكنا وديعا قد هدأت شعلة النشاط والحيوية فيه, وربما ساعدت زيارة المحبوبة الصغيرة في شفائه, ولكنها مرضت هي بعد ذلك, هل كان بسبب العدوى؟ أم أنه كما قال الشاعر:

مرض الحبيب فزرتــــه        فمرضت من حزني عليه

وأتى الحبيب يزورنـــي          فشفيت من نظري إليه

مضت الأيام ووضعت أختها طفلتها الجديدة, وحان موعد الفراق, ولا تذكر منه (ليلى) شيئا, فلم تر (بيبرس) في ذلك اليوم, هل كان مريضا أم كان معتكفا يتجرع كأس الفراق المرة؟؟!

ودّعته وبودِّي لو يودعنــــي                     صفوُ الحياة وإني لا أودعه

وكم تشفَّع بي يوم الرحيل ضحى                    وأدمعي مستهلات وأدمعه

يا من أقطع أيامي وأنفذهـــا                 حزناً عليه وليلي لست أهجعه

هل الزمان معيد فيك لذتنـــا                  أم الأيام التي أمضته ترجعه

وإن يدم أبدا هذا الفراق بنــا                   فما الذي بقضاء الله نصنعه؟!

عادت (ليلى) إلى مدينتها, وبعد شهور قدمت عائلة أختها لزيارتهم, ولسبب لا تذكره نَقِم ابن أختها – صديق بيبرس-  عليها, فأتى لينتقم منها أمام أخواتها.

قال صلاح: يا عيب الشوم على خالتي (ليلى)!

سألت والدته: لماذا؟ ماذا فعلت؟

قال صلاح: أخبرني بيبرس أنه يحبها وسيتزوجها!

اصطبغ وجه الطفلة (ليلى) بلون خمري من الخجل, وعلت ضحكات الأخوات, وبدأن يغمزنها بالكلمات: لا .. لن نزوجك (بيبرس) .. سنزوجك من ابن عمك (عبد الرحمن)!

لم تنبس (ليلى) ببنت شفة, لأنها شعرت أنهم يحاولون أن يثيروا غضبها, فهم يعلمون أنها لن تقبل بعبد الرحمن الذي يسخر الجميع من تصرفاته, إذ إنها تشعر بقيمتها الذاتية وأنها تستحق شخصا أفضل, فهل كان (بيبرس) هو الشخص المناسب؟!

بعد أن كبرت أكثر,  نمت في ذهنها تساؤلات كثيرة: لماذا كان الحب شيئا معيبا في ثقافة العرب؟! لماذا عيَّرها ابن أختها بأن هناك من يحبها؟! ولماذا لم تعترض أي من أخواتها عليه رغم أنها لم تكن هي البادئة بالحب بل لم تكن تعرف أنها البطلة في قصة لا تنكر أحداثها؟! ولماذا تدفع الأنثى الشرقية وحدها الثمن؟! ولماذا يجرَّم الفعل البريء حتى لو كان فاضلا فطريا إنسانيا كالحب؟! ألهذا السبب كان (بيبرس) الشركسي أول من علَّم ( ليلى) العربية الحب فكانت تأوي إلى حبه بعيدا عن ترهات قومها؟!

مهما يكن الأمر فقد شعرت وقتها أن (بيبرس) يستحق أن ينال قلبها ما دام قد أحبها؛ وبدأ شريط الذكريات يتداعى في مخيلتها وكيف كان يفعل كل ما بوسعه ليلفت انتباهها. حرنت كثيرا لأنها لم تشكره على حبه لها آنذاك, وشعرت بفضله عليها بإغراقها بحبه العظيم؛ وبما أن النفوس قد جُبلت على حب من أحسن إليها, ما كان منها إلا أن بدأت تبادله الحب سرا في أحلام يقظتها التي بدأت بسن مبكر جدا قبل دخول المدرسة الابتدائية؛ لكن لأنها تعلمت الكتابة  فقد كانت تكتب اسمه على قصاصات ورق, وكي لا يكتشف أحد سرها كانت تكتب الحرف الأخير من اسمه وهو السين بالمقلوب, ظناً منها بأن ذلك يخفي اسم حبيبها عن العيون؛ ومرت الأيام بسرعة واحتُل الجولان وهُجِّر (بيبرس) مع عائلته , ولم تعد (ليلى) تعرف له مكانا, لكن اسمه ما يزال محفورا في ذاكرتها منتهيا بحرف السين الذي كُتب بالمقلوب!

تموز/يولية 2003

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |