الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) الشباب بين الوصاية والغواية
 
 
 

كان مما قرأته في كتب التربية نصيحة هامة موجهة للأبوين فحواها أن الأوامر المزدوجة من الطرفين تهز شخصية الطفل إذ لا يدرك ما هو الموقف المناسب لاتخاذه بين أبوين يأمره أحدهما بالفعل بينما يأمره الآخر بترك الفعل؛ وإذا أطلقنا هذه النصيحة من إسارها التربوي وجدنا أنها تبقى صحيحة في كل مكان وزمان يستقبل فيه الفرد أوامر أو توجيهات تتعارض مع بعضها بعضاً؛ ولكن إذا كان الناضج يستطيع أن يبدي رأيه في ما يتعرض له من تناقضات - أحياناً وليس دائماً بحكم الرقابة المستفحلة في كل مستويات حياتنا - فإن الناشئ لا يستطيع ذلك بسبب عدم نضج قدرات المحاكمة العقلية وقد لا يستطيع ذلك أبداً إذا لم يُسلّح منذ طفولته بأدواتها المنطقية, وهذا السلاح المنطقي هو ما نفقده نحن الكبار بسبب وراثة في حالات قليلة أو تربية خاطئة في حالات أعمّ أو تحريم لدراسة المنطق من قبل الأوصياء على العقل خشية أن تجتاحه رياح الفلسفة, وقد نملك المنطق ونُمنع من استخدامه في كثير من الأحيان بسبب الاستبداد المستشري في الثقافة العربية, فهل يستطيع فاقد الشيء أن يعطيه؟!

المشكلة الواضحة هي اغتيال البراءة واهتزاز القيم بسبب التوجيهات المزدوجة التي تُقدَّم للناشئين والشباب من الأوصياء عليهم تارة ومن الغواة تارة أخرى؛ فأما الوصاية على العقل والدين فلم تعد مقبولة أبداً بعد أن دخل العالم الألفية الميلادية الثالثة حيث كل شيء مباح ومتاح, وكم تحدثت في كتبي ومقالاتي – كما تحدّث غيري - عن "ثقافة المناعة لا المنع" كأولوية لنفض ركام التخلّف الكامن في عقولنا ونقض أسوار السجون الرازحة داخلها أرواحنا؛ ولكن إذا وُجد القارئ النابه فأين الذي يسمع القول فيتبّع أحسنه؟ وعلى من تقرأ مزاميرك يا داوود؟! عجبي من أناس نذروا أنفسهم لله – زعموا! – فكّرهوا الناس في الدين بدل أن يجذبوهم إليه, وأين هم من كلام الله القائل:(ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة, وجادلهم بالتي هي أحسن)؟ أفضل ما أقتنع به كتفسير لهذه الآية الكريمة هو أن الدعوة تكون للمماثل في العقيدة أي للمسلم فإذا أمرته بالمعروف فلا بد أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة؛ وأما الجدال فهو للمخالف في العقيدة فلا بد أن يكون جدالا يُقرّب إليه الدين لا ينفرّه منه ومن أهله؛ فهل اتبع الأوصياء على العباد هذه السُبل المحببة للنفس البشرية أم ركبوا القارب منكوساً فأغرقوا أنفسهم ومن يريدون انتشاله في بحر لجي لا أول له ولا آخر؟

هذه قصة رواها لي أحد الشباب الذين يتواصلون معي وقد التقيته مرة مع صديقه للمساعدة في حل مشكلة أحدهما مع والديه المطلقين؛ ولم أجد منهما إلا تهذيباً وأدباً وتديناً ودليل تدينهما – ظاهريا على الأقل – أن كلا منهما حرص ألا تفوته صلاة الجماعة في المسجد القريب بمجرد أن سمعا الأذان, ولكن شاء القدر لهما أن يكونا معاً في مدينة الرياض حيث يتابعان دراستهما الجامعية, وكان أن رُفع الأذان لصلاة العشاء وهما على أعتاب خروجهما من مجمّع تجاري فبمجرّد أن حاول أحدهما فتح باب سيارته ليقودها إلى المسجد إذا بيد غليظة تقع على كتفه ساحبة إياه من ثوبه إلى سيارة "جمس"؛ وهنا أتساءل: هل عليّ أن أكمل المشهد المعروف والذي صوّرته حلقة "صالون الهيئة" في مسلسل "طاش ما طاش" في رمضان الماضي؟ أغلبنا رأى الحلقة عبر الانترنت وهي من أفضل حلقات المسلسل, ولم تركّز على الجانب السلبي في عمل الهيئة بل صورت "المطوّع" في سنوات سابقة حين كان يتفقّد الناس ويسأل عن أحوالهم ويساعدهم قدر استطاعته ولو بكلمة طيبة ويحضّهم على الصلاة ويمشي, تاركاً كلا منهم لضميره الذاتي وتقواه الداخلية والتي لا يعلمها إلا الله, ولم تقتصر الحلقة على ذلك بل صورت "المطوّع" الإيجابي الخلوق الرحيم الذي يستر على أخيه إذا رآه في معصية وينبّهه بأسلوب رفيق يجعله يتحرق شوقاً كي يسانده في إصلاح المجتمع بعد أن ساعده في إصلاح نفسه دون أن يكون عوناً للشيطان عليه؛  عكس فرقة المطاوعة التي كانت تتلذّذ بالقبض على مخالف وتُدينه بسادية ووحشية؛ وكلنا يعلم أن الفرقتين موجودتان, وأنا شخصياً عندما عملت في مستشفى حكومي بالقصيم تعرّفت على "مطوع" من أحسن الناس خلقاً إذ كانت زوجته تلد فوضعت أنثى ومع أن ترتيبها الرابعة بين أخواتها دون أن يكون لديه ابن ذكر فقد أبدى فرحته بها, وكم كان المشهد مؤثراً عندما مال على زوجته وهي تدخل غرفة المخاض مسِّرا لها بكلمات تشجيعية تشدّ من أزرها؛ وعندما خرجتْ من الغرفة كان أول من استقبلها وهنأها على سلامتها, فلماذا لا يكون لدينا من هذا "المطوّع" الكثير الذين يكونون أرفق الناس بأهاليهم فيستطيعون أن يكونوا رفقاء بسواهم؟ لقد كان الحديث الشريف الذي وُضع في بداية الحلقة ونهايتها كافياً لأن يشفع لتلك الحلقة بالعرض ألا وهو:(إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه) ولكنها لم تُعرض بسبب الفقرة التي انتشرت عبر البلوتوث والتي تبيّن هجوم أصحاب صالون الهيئة على شباب يلعبون الورق ليلا في البر طالبين منهم أن يسلّموا لهم جوالاتهم ليدينوهم بما خزّنوه من صور,؛ وقد حدث مع الشاب نفسه حادث مشابه بأيام تلت عيد الحب "الفالنتين" وهو اليوم الذي تُمنع فيه كل المظاهر الحمراء من السوق خاصة الورود والوسائد على شكل القلوب, وكان الشاب يتجوّل في السوق ليسلّي نفسه في ساعة خالية بين محاضرتين, والتسلية حق للجميع فالرسول أوصى فقال:(روِّحوا القلوب ساعة فساعة فإنها إذا كلت عميت) وماهية التسلية لا يستطيع أحد أن يفرضها على أحد ولا يمنعها عن أحد ما دامت لا تخرج عن المباح الشرعي؛ فهذا الشاب لم يجد ما يفعله سوى التوجه إلى السوق في وقت قبل الظهيرة أي أن السوق يكاد يكون خاليا فلم يذهب وقت الزحام ليعاكس النساء كما يظن بعضهم, ولكن حظه العاثر جاءه تلك اللحظة متلبساً بهيئة مطوّع أمسك بكتفه وخطف جواله من يده وبدأ يبحث فيه متّهماً إياه بالرغبة في شراء الورود الحمراء؛ والشاب يصيح: من أنت؟ ليس لك حق أن ترى ما في جوالي؟ والآخر يسأله عن صورة المرأة السافرة في جواله والشاب يصرخ شبه مستغيث: إنها أمي وهذه أختي, هل تحب أن ينظر أحد إلى نسائك؟ فرمى الخاطف الجوال من يده وتركه مقتحماً خصوصية امرأة كاشفة الوجه مهيناً إياها بكلمات مثل "احتشمي يا حرمة" وغيرها, وخاطفاً جوالها من يدها مع أنها تكلّم بواسطته شخصاً ما, وعلا صوت المرأة موضحة أنها تحدّث زوجها ليأتي ويأخذها للبيت, وازداد صوتها ارتفاعاً مطالبة إياه بردّ جوالها وهو مشغول بالبحث في الصور الموجودة ومطالعة الرسائل المحفوظة, فبالله عليكم هل قرأ هذا الرجل وأمثاله حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي ينهى المسلم عن الاطلاع على صحيفة أخيه بدون إذنه؟

هذه هي بعض أساليب الوصاية أما أساليب الغواية فأسوأها – ربما - ما تعرضه القنوات الفضائية من أمور يندى لها الجبين تؤثر بالناشئين مبعدة إياهم عن الفطرة السليمة؛ لا يستثنى من ذلك الإعلانات التجارية ولا القنوات الغنائية ولا الأفلام العربية والغربية ولا حتى الفواصل التي تدعو إلى القناة نفسها, فإذا قبلنا بوجود قناة للطرب الأصيل, فإن حجة القنوات الغنائية الهابطة أن "الجمهور عاوز كده" فالشباب – كما تزعم تلك القنوات - لا يريدون طربا أصيلا لأنهم يلهثون وراء الأغاني على نمط "بوس الواوا" وأمثالها, والإعلانات التجارية بعضها بطول فقرة مسلسل كاملة تعرض معنى قميئاً, وقد أخبرني قريبي الشاب أن دعاية أحد مشروبات الطاقة نالت الجائزة الأولى لما فيها من فنية عالية, فعلّقت على كلامه بأنها أسوأ ما شاهدته في حياتي من حيث المعنى التافه الذي تحمله ابتسامات ونظرات الشاب والشابة بطلا الإعلان؛ ومثلها دعاية الطفلة التي تتصنّع الأنوثة فتلبس حذاء عالياً وتضع شالا يبدو أنه خاص بإحدى المطربات المحتفى بها في عالمنا العربي المتناقض, مع أنها بدت قليلة القيمة في السوق الغربي عندما عرضت فقرتها بعد فقرة مغني الروك العالمي "جون بون جوفي" في حفلة عالمية, وعندما أذكر اسمه بعد أن استضافته "أوبرا" في برنامجها وعرضت نبدة عن أعماله الخيرية فإني لا أملك سوى الدعاء لأدعياء الفن أن يكونوا بمثل صلاحه لمجتمعه؛ وأما الأفلام فهي لا بد أن تنتهي بقبلة البطل للبطلة حتى لو كان الفيلم الغربي يحكي أحداث قصة جرت قبل الحرب العالمية الثانية حيث كان يُنظر إلى هذا الفعل نظرة استنكار اجتماعي, ولهذه النظرة تفسير أنثروبولوجي ليس هنا مجاله؛ أما الفواصل فأشدها ثقلا على النفس تلكم الفتيات اللواتي اعتجرن بغطاء كالملحفة على رؤوسهن متنافسات في التلوّن والتلوّي, مع شعار القناة "إنها لأجلك" بمعنى أنك حتى لو كنت محجبة فلا تفوّتي الفرصة لتكوني عصرية بقدر قدرتك على الحركات اللامعنى لها, ولله درّ ذلك الفتى المعجب بعصرية الثقافة الغربية والمغرم بأصول الثقافة العربية والذي علّق على منظرهن الغريب بقوله:(الفتاة المحجبة لا يناسبها أن تكون cool بهذه الطريقة!)؛ والسؤال: كم جاهد والدا هذا الفتى ليحفظا له فطرته السوية فلا تغتالها الوصاية ولا تشوهّها الغواية؟

الوطن السعودية  13/11/2006

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |