الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) متى يأتي العيد الحقيقي للمسلمين؟
 
 
 

لا أعلم هل سيوافق ظهور هذه المقالة أول أيام عيد الفطر أم ثانيه أم آخر أيام رمضان, لكن ما أعلمه أن الحساب الفلكي قدّم خدمة جديدة للمسلمين إذ لا يستطيعون بناء على تحديد مسبق لأوائل الشهور القمرية أن يتأكدوا من بدء صيامهم وفطرهم ونحرهم فقط بل يكون بإمكانهم تنظيم الكثير من أمور حياتهم كعطل الأعياد وتنظيم رحلات العمرة والحج إلى غير ذلك من شؤون حياتهم الدنيوية المرتبطة بالدين, ولمن يظن أن المطالبة بالأخذ بالحساب الفلكي ليس سوى موضع دندنة للكتاب والمثقفين الذين لا يجدون ما يكتبون ويتحدثون عنه, فيكفي أن يُذكر الدوام في بعض القطاعات الصحية على سبيل المثال وهي التي لا يمكن أن تقفل أبوابها لا في العيد ولا في غيره, بحيث أن الطبيب أحيانا يتفق مع زملائه في ذلك القطاع أن يداوم كل منهم يوما واحدا في عطلة العيد الأساسية والتي هي الأيام الثلاثة الأولى من شوال فعندما يحدد يوم دوامه بشكل سابق للعيد فإنه يستطيع أن يخطط لقضاء إجازته المتبقية مع عائلته بثقة أكبر سواء من ناحية زيارة الأصدقاء والأقرباء أو من ناحية استقبال ضيوف من خارج المدينة وهلم جرا..

هذا المثال الذي ضربته ليس لأقدم شكوى بحكم عملي كطبيبة لكنه مقدمة لما أعتقد أنه فرض عين على كل مسلم ألا وهو أن يكون يومه خيراً من أمسه وأن يكون غده خيراً من يومه, وليس ذلك له على صعيده الشخصي فحسب بل إن من صفات المؤمن الحقيقية هي أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه, لذلك فلا عيد لمن يفكر بنفسه ويخطط لمستقبل عائلته فحسب دون أن يتذكر إخوته في الإسلام ونظراءه في الإنسانية كما في وصية الإمام علي بن أبي طالب لأحد عماله, هذا إذا أيقن المسلم أن وجوده في العالم ليس إلا ليكون خليفة لله في الأرض, فلا يقصُر هذا الوجود على العمل لإسعاد المسلمين بل (الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله) كما في الأثر الشريف.

ما ينقصنا كمسلمين لنستحق أن نفرح بالعيد كثير جدا, فمن الأولويات المفقودة في حياتنا هو التخطيط لحياة أفضل, وكم أتعجب من تلك السيدة التي يبلغ راتبها خمسة آلاف ريال وراتب زوجها عشرة آلاف ريال ثم لا يمضي منتصف شهر رمضان إلا وهما يسحبان من مدخراتهما ليكملا عدة الشهر صرفا وبذخا وترفا وتلفا, ولو كانا في بداية حياتهما الزوجية وهما يدفعان أقساط تأسيس المنزل لما تعجبت ولو كان نصف هذا المبلغ يذهب صدقات وزكوات لدعوت أن يبارك الله لهما, ولكن الحقيقة أن ذلك المبلغ يتقاسمه البقال والخادمة الإضافية في رمضان والمطاعم الفاخرة من أجل الشعور بـ "الأجواء الرمضانية" عبر مفاخرة الزملاء ومباهاتهم بقشور الحياة الدنيا في شهر الزهد والتقشف والإحساس بجوع الفقير, فأي سوء تخطيط يعيشه بعضنا وأي حب للمظاهر يتنافس فيه أغلبنا؟!

أما التخطيط على مستوى المجتمع, فيبدو للمطلع على أحوال المجتمعات العربية كلها أن وزارات التخطيط هي اسم لغير مسمى, ولا يكاد يوجد ارتباط بين هذه الوزارة والوزارات الأخرى, ولذلك فإن كثيرا من الخلل يمكن تلمسّه بسهولة في كل ناحية اجتماعية, فمن تزايد نسب البطالة إلى انعدام المرافق المدنية, إلى غياب الشعور بالمسؤولية عن هذه المرافق إن وجدت, إلى غياب الشعور بالمسؤولية عن المجتمع ككل, وتكفي الإشارة إلى موضوع الصرف الصحي الذي نو’هت إليه مع غيري من الكتّاب, فالطرق المرقّعة في جدة جعلت شوارعها الفرعية أقرب إلى شوارع القرية لا المدينة التي تباهي غيرها بتسميتها عروس البحر, ولم تسلم من ذلك الطرق الكبرى فها هي صحيفة الوطن تنقل لنا خبر الخسف الذي حصل في طريق المدينة النازل تحت عجلات صهريج ماء, بسبب سفلتة الشارع حديثا بعد بقر بطنه من أجل مشكلة الصرف الصحي, ودون وجود أي علامات تمنع مرور المركبات الكبيرة ودون وضع أي تحذيرات؛ وحدث ولا حرج عن اللوحات التي توضع في الطرق السريعة للدلالة على اتجاهات السير وبعد أن يتعطل السير في ذلك الطريق لتركيب اللوحة يكتشف أن الخط صغير ولا يمكن قراءته فيعطّل السير مرة أخرى لنزع اللوحة ويبقى مكان تركيب اللوحة خاليا ودالا على حالة نزع وتشوه!

وإذا تجاوزنا المرافق واللوحات والشوارع لنبحث عن وجود التخطيط في مستقبل أولادنا نجده أمراً لم يعد يخضع لاجتهاد الطالب وجِدِّه بقدر ما أصبح يخضع لجَدِّه أي حظه الذي يتكئ على المحسوبيات والمعارف والواسطة, ويأسف المرء لحال طالب مقيم حصل على معدل يقترب من 100 % في الثانوية ولكن لأنه لا يحمل الجنسية السعودية فلا يحق له الدراسة الجامعية مجانا, وهنا لا يطلب من وزارة التعليم العالي أن تنظر بعين الشفقة لحال هذا الطالب بل يطلب منها أن تنظر بعين الاستفادة من مثابر مثله, فيسمح له بدخول الجامعة في التخصص الذي يرغب به أو حتى الذي تحتاجه المملكة ليكون قدوة لغيره من الشباب المقيمين ومجالا للتنافس مع الشباب السعوديين, ويمكن لوزارة التعليم أن تنشئ قوانين خاصة بالمتفوقين من السعوديين وغيرهم كأن يرتبطوا بها أو بأي من منشآت الدولة بعد تخرجهم ليردوا جزءا من فضل هذا البلد عليهم, ولا حاجة هنا لنذّكر بما تقوم به الدول الغربية من استقطاب العقول المتفوقة والأدمغة المتميزة بل وما تمنحهم من تسهيلات قريبة للمواطن العادي, وليست قوانين الهجرة التي سنتها فرنسا ببعيدة على المنال أو عسيرة على التقليد.

ومع ذلك فليس التخطيط هو الوحيد الذي نفتقده وإن كان أولوية في كل المجالات التعليمية والتثقيفية والترفيهية والصحية والخدمات الاجتماعية وغيرها وغيرها, ولكنه إن كان مسؤولية الجماعة قبل الفرد, فهناك ما هو مسؤولية الفرد والجماعة ألا وهي الأخلاق, ويبدو لي في عالمنا العربي أن الشكليات الدينية هي المسيطرة مع غياب التدين الحقيقي والخوف من الله, وإلا فكيف يمكن أن نفسر ارتكاب الجرائم في رمضان وفي مكة المكرمة حيث الزمان مقدس والمكان؟ والقصص كثيرة وإحداها هي لزميلي في العمل توفي قريبه بحادث سير في مكة, واستغرقت زوجته فترة من الزمن حصلت خلالها على شهادات أولادها مصدقة من وزارة التربية والتعليم ووزارة الخارجية وسفارة بلدها في المملكة, ثم طلبت من زميلنا أن يأتي لمكة كي ينقلها إلى المطار في جدة, وقام زميلنا بذلك أداء لصلة الرحم والقربى, وكانت السيدة تحمل حقيبة من نوع "سمسونايت" وضعت فيها الأوراق المهمة كله, بينما وضعت النقود التي أخذتها كتعويض عن وفاة زوجها في حقيبة يدها وبعد أن ركبت سيارة قريبها مع أولادها رجته أن يتوقف للحظات من أجل وداع أرض مكة بالصلاة في أحد مساجدها ففعل, ولاحظ زميلنا أنها تركت حقيبتها في السيارة فأخذها ليلحق بها ويعطيها إياها فوجد أنها سبقته لمصلى النساء فما كان منه إلا أن رفع سجادة موضوعة على المقعد الخلفي للسيارة ودس الحقيبة تحتها ودخل المسجد وصلى ركعتين ولما عاد وجد زجاج سيارته قد هُشِّم والحقيبة السمسونايت قد سرقت, وأما النقود فقد بقيت في مكانها حيث وضعها, وحزنت السيدة لفقدان شهادات أولادها وحصر الإرث الخاص بزوجها وغير ذلك من الأوراق المهمة لكن ما خفّف حزنها أن الله حفظ المال من السرقة, وربما لأنها أموال أيتام فقد عميت عيون السارقين عنها, ولم يكن بإمكان السيدة التأخر عن موعد إقلاع الطائرة لتقديم شكوى فقام بها زميلنا في اليوم التالي, وبعد هذه القصة لا أخفي سرا إذا قلت أني لأول مرة في حياتي أسحب مبلغا عبر ماكينة الصراف فأتلفت يمينا ويسارا كي لا تكون هناك عصابة تترصد بي كزبون تعيس الحظ, وهنا يمكن لسؤال أن يطل برأسه: ما العمل إذا غابت الأخلاق الفردية وتدهورت الأخلاق الاجتماعية وأصبح كل مسلم يقول: اللهم نفسي!

هذا غيض من فيض أوردته في هذه العجالة حيث يأتي العيد محملا بالأمل رغم كل ما يحيط بنا من ظلم وظلام وظلامات, سائلة المولى الكريم أن يعيده على المسلمين وهم يعملون لبناء غد مشرق, ولا يكون هذا إلا عندما ينطلقون من فهم صحيح للدين شرط ألا يظن كل منهم أن فهمه هو حقيقة الدين, وعندما يعلمون أن اختلافهم رحمة في بعض الأمور لكن اتفاقهم أكثر أولوية في أمور أخرى, ولعل اتفاقهم على الأخذ بالحساب الفلكي, وهو ما بدأت به المقالة, إيذانا لبدء عهد جديد من تصالح الدين مع العلم كي لا يكون انفصال العلم عن الدين سبيلا لابتعاد الناس عن هذا الدين العظيم.

الوطن السعودية بتاريخ 23/10/2006

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |