الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) انطباعات حول برامج الدعاة
 
 
 

في رمضان الماضي كتبت مقالة حول ازدحام الفضائيات بالمسلسلات والبرامج الدعوية, وكان أن انزعج منها بعض من يسبق إليه الفهم الخاطئ فظن أني أشّبه الدعاة بالممثلين, وفي الحقيقة لا بد كي يكون الداعية مؤثراً أن يكون له نصيب من القدرات التمثيلية, ومع ذلك فما قصدت إلى ذلك لكني عنيت أن الزيادة هي كالنقصان سواء كانت على صعيد الدراما أو على صعيد الدعوة؛ فكما أن كل ممنوع مرغوب كذلك فإن كل متاح مرغوب عنه؛ ومن المعلوم أن اقتصاد السوق يعتمد على قانون العرض والطلب فعندما تغرق الأسواق بسلعة ما فإن النتيجة هي هبوط سعر السلعة المعروضة والعكس بالعكس؛ والدعاة ما هم إلا عارضين لسلعة الله ألا وهي الإسلام وتوابعه من الأخلاق والفضائل, ولهذا فقد كانت نصيحة الشيخ حمزة يوسف في رحلته السابقة لمرافقيه أن الدعاة في العالم الإسلامي بحاجة إلى أن يأخذوا بمفهوم تسويق الإسلام.

 أما الظن السيئ الآخر الذي تلبّسه بعض من يهوى الصيد في الماء العكر بعد أن قرأ مقالتي تلك فهو أني أطعن في الداعية عمرو خالد دون أن أذكر اسمه, ولم يعلم من اختار سوء الظن أن علاقتي بالأستاذ عمرو جيدة جدا رغم أني لم ألتق به ولا مرة واحدة لكن يكفي أن أغلب الشباب والفتيات الذين يكتبون في موقعه يتابعونني أيضاً, ويكفي أن سكرتيرته اتصلت بي العام الماضي من لندن لتحصل على موافقتي بالاشتراك في ندوة حول الأسرة, وتابع مدير مكتبه في مصر الاتصال بي لنفس السبب وكدت فعلا أوافق على المشاركة لولا ظروف خاصة منعتني من السفر؛ ولذا أرجو أن يعلم كل من يقرأ هذه المقالة أني لا أكنّ لأي داعية أشعر من كلامه بالصدق سوى المحبة والتقدير, حتى لو لم يعجبني أسلوبه وحتى لو أخطأ بعرض فكرة, فمن منا لا يخطئ فليرجم الآخر بحجر, وأشدّد على كلمة "الصدق" في عبارتي السابقة لأني لست معجبة مثلا بمن يناقض رأيه موقفه مهما برر له المبررون والمريدون, ولست مستعدة للكفّ عن انتقاد أفكاره أو أسلوبه دون التعرض لشخصه طبعاً, لأنه ليس بيني وبين أحد أي ثارات شخصية, ويكفيني فخراً أن داعية معروفاً كالشيخ عائض القرني تقبّل انتقادي له بصدر رحب, وخاصة عندما كتبت مقالتي إبان اعتزاله بعنوان (عائض القرني.. هل يولد من جديد) وكان مما نقله لي أخ قارئ كريم ومحب لي وللشيخ القرني في نفس الوقت أن الشيخ قال في حواره لمجلة المختلف ما يلي:(الكاتبة ليلى الأحدب كتبت في جريدة الوطن كتابة أثرت فينا.. كانت بشفافية وصدق, وأنا أشكرها فقد غلّبت المنطق على الواقع) وأنا بدوري أشكر الشيخ عائض وأشد من أزره في تغيره نحو الاعتدال, وتصريح الشيخ عائض يجعلني أمضي في طريقي الذي اخترته بمحاربة دواعي التشدد وكشف دعاة الغلو لأن ما جنوه على الإسلام  ليس بأقل مما جناه أعداء الإسلام.

يجب أن أوضح بداية أن الدعاة الذين سأذكرهم هم فقط من استطعت أن أتابع شيئاَ من إنتاجهم في رمضان الحالي, وهم الذين تكون برامجهم في الساعة السابقة للإفطار, ويأتي في مقدمتهم الدكتور طارق السويدان, وقد رأيته مرة على شاشة الرسالة ومرة على شاشة اقرأ, والدكتور السويدان موسوعة في رجل, وهو يتمتع بطاقات هائلة في الذكاء والذاكرة والعقل والإحساس, ومع ذلك فإني لا أستطيع أن أتابع حلقة كاملة من أي برنامج ينفرد فيه أمام الكاميرا, رغم أني استمتعت بالاستماع إلى كثير من تسجيلاته الصوتية بما فيها مجموعته عن الإعجاز القرآني, والسبب أحيله إلى أن السويدان ليس ممن يحسنون الأداء أمام كاميرا جافة سوداء لا تهشّ ولا تبشّ كما يقال بالعامية؛ على العكس من حواراته حيث يتجلى إبداعه خاصة إذا كان المحاور ممن يحسنون الطرق على كنوزه المخفية؛ وأعتقد أنه في محاضراته حين يكون أمامه جمهور يبدع أكثر وأكثر, وهذه ميزة الداعية المتفاعل مع الناس, ومن هنا أفهم انتقاد السويدان في محاضرته الأخيرة في المملكة لانفصال النساء في قاعة خاصة بهن دون أن يراهن, فهذا الفصل ليس من الإسلام أولا, ويجعل الملقي – المحاضر في مثالنا عن السويدان- عاجزاً عن قراءة تعابير وجه المتلقين أو معرفة تجاوبهم معه على الأقل وذلك في حالة نسوة لا يرغبن بكشف وجوههن؛ وهو الأمر الذي حصل معي في محاضرتي في النادي الأدبي بالمدينة المنورة في شهر شعبان الماضي وكانت حول حقوق المرأة في الأسرة والمجتمع إذ كان هناك بعض الحاضرين من الرجال والذين تفاجأت بتواجدهم واستماعهم لي من وراء حجاب!

من الدعاة الذين سررت كثيراً برؤيتهم هذا العام هو الشيخ غسان القين, وكان برنامجه يعرض على قناة "عين" بعنوان "حديث الصيام", وقد عرفت الشيخ القين شخصياً بعد أن اطلع على كتبي "أسئلة محرجة وأجوبة صريحة" لأن له نفس الاهتمام حيث عمل في إصلاح ذات البين لأكثر من عشرين عاما في جدة, ويتميز الشيخ القين باطلاعه الواسع على كثير من العلوم الشرعية؛ كما يتميز بأدبه وتواضعه الجم حيث ما زال يشكرني لأني كنت ممن شجعوه على اهتبال فرصة الظهور في الفضائيات لإطلاع الناس على الإسلام المعتدل من خلال آرائه الفقهية المعاصرة, وآمل أن يظهر في السنوات القادمة بأسلوب أكثر حداثة أيضا, وخاصة من حيث الأسئلة وطريقة إدارة الحوار لاسيما وأنه مختص بالعلوم الإدارية؛ وأما الديكور الموجود في الأستوديو فهو حديث لدرجة مبالغ بها, ومن الجميل أن يكون المحتوى متفقاً مع الخلفية التي تظهر خلف المحاور والضيف, وهو الأمر الذي غاب وبدا بدلا عنه شيئا مشابها لأدوات المطبخ أو الحمام, وبالطبع هذا الأمر يتحمّله المخرج وليس الشيخ الذي يطلّ على المشاهدين لأول مرة في برنامج رمضاني.

نصيحة حمزة يوسف التي ذكرتها سابقا حول تسويق الإسلام استفاد منها أحد مرافقيه في رحلته السابقة, وهو أحمد الشقيري فبدأ بتقديم برنامجه القصير على شاشة MBC بعنوان "خواطر شاب" منذ العام الماضي واستمر فيه هذا العام, ولا أستطيع أن أجامل الأخ أحمد فيما يقدم لأني أعتقد فيه الإخلاص والاجتهاد والمثابرة والرغبة في إنجاز شيء هو دافعه للقبول بتقديم برنامج لا يتجاوز خمس دقائق, لكن الحلقتين اللتين رأيتهما هذا العام لم تكونا على المستوى المطلوب, ومع أن رؤية حلقتين لا تكفيان للحكم على كل البرنامج, لكن مقالي بعنوان (انطباعات..) وانطباعي عن شخصية أحمد أنها تحتاج إلى نضج وصقل أكثر, وهو بحاجة إلى المزيد من الخبرات والنصائح قبل تقديم برنامج دعوي, فعلى سبيل المثال في الحلقة التي كان يذكر فيها معوقات الوصول إلى الله ذكر العائق الأول وأنه الكفر بينما كان المشهد المختار هو فتاة محجبة بغطاء رأس وثوب سابغ وتريد الخروج من البيت ولكن الشيطان ظهر على الشاشة - بشكله المتخيل طبعا- وهو يوسوس لها أن تتبرج وترفع الخمار, فما كان منها إلا أن حسرت غطاء رأسها إلى الوراء قليلا فبدت غرّتها وصبغت وجهها ببعض المكياج, والخطأ في المشهد أن ما فعلته الفتاة معصية وليس كفرا, فالشاهد ليس في مكانه المناسب, هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن التبرج المقصود بالآية الكريمة (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) ليس هو بإبداء بعض الشعر, ولكن التبرج هو إظهار المفاتن لحد الإغواء, وأنا أعتقد أن تلطيخ الوجه بأصباغ قلت أو كثرت لا يعد تبرجا إلا إذا كان معه دعوة واضحة للافتتان سواء بالمشي الخليع أو الثوب الرقيق أو الخضوع بالقول وما شابه؛ وبالنسبة للحلقة الثانية التي شاهدتها فقد كانت عن فقه الأولويات, ومع أن الشاب أحمد يؤكد في كل مرة أنه ليس عالما ولا فقيها بل هو ليس سوى طالب علم, فإنه في هذه الحلقة ارتقى المركب الصعب, ففقه الأولويات لا يحسنه كل أحد, وإذا مرّ عليه أمثالنا من غير المختصين مرور الكرام فإنه لا يستطيع الإحاطة به وتخصيص حلقة له قصرت أو طالت إلا المختص, ومع ذلك فقد كان المشهد كما يلي: ميزان وراءه الشقيري وزن به أولا حسنة سنة التهجد وحسنة فريضة صلاة الفجر فرجحت الفريضة على السنة؛ ولكن هذا بعيد عن فقه الأولويات الذي يحتاج معضلة أصعب من مجرد وزن النافلة والفريضة, وأما المشهد الآخر فقد كان نفس الميزان واختار الشقيري أن يزن به معصية السفور مع الكفر, فرجَح الكفر على كل شيء, فبالله عليك يا أحمد لماذا لا تختار إلا السفور؟ هل لأن الشغل الشاغل للمجتمع هو سفور المرأة وحجابها ففضّلت أن تعزف نغمة مطروقة وغير مستهجنة؟ فأين الجديد والإبداع كشاب؟ ثم كيف قبل ذهنك أن تقيس بالميزان نفسه الطاعات مرة والمعاصي مرة أخرى, والله قال:(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة).

هذا ما أسعفتني به المساحة وإن كنت أود أن أختمها بالمسك وهو الشيخ حمزة يوسف وبرنامجه الجميل في رحلته حول "النساء ما لهن وما عليهن", ولذلك أتمنى أن تعيد قناة MBC   البرنامج بعد رمضان وأن تعلن عنه كما تفعل مع مسلسلاتها وبرامجها الأخرى, لأني ما علمت ببرنامج حمزة إلا بعد عرض عشر حلقات منه, مع الأسف الشديد.

الوطن السعودية 16/10/2006

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |