الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) العبادات الفردية والجماعية بين الجسد والروح
 
 
 

في بعض المقالات السابقة أشرت إلى الغاية من عبادة الله سواء كانت هذه العبادة عملاً بالطاعات أو اجتناباً للمعاصي, وبينت أن العبادات ما هي إلا وسائل لغايات أكبر من مجرد أداء الشعائر, ويدعم هذا الرأي ما ورد في القرآن الكريم من دلالة على أن أهداف العبادات بأنواعها تتمثل في التقوى والتزكية وإخبات النفس المسلمة لله سبحانه؛ وإذا كان للعبادات الفردية أو التي يمكن تأديتها سراً أثر كبير في صقل النفس وتطهيرها من النفاق والرياء فإن العبادات الجماعية ضرورية أيضاً إذ تؤدي إلى توحيد مشاعر المسلمين أمام الخالق الواحد فيستشعرون أنهم جميعاً في قبضته سبحانه, فهي أخوة العبودية لله رب العالمين.

إضافة إلى ذلك فإن العبادات المفروضة في الإسلام تتميز باشتراك الروح والمادة معاً, سواء كانت المادة جسداً كما في الصلاة أو مالاً كما في الزكاة, ففي الصلاة تتحرك عضلات الجسم ومفاصله بشكل غير معتاد في الحركات اليومية المعهودة, ولذلك لم يخطئ من قال إن الصلاة تقي من مرض الروماتيزم, وهو ما قرأته في كتاب لمؤلفة أمريكية غير مسلمة منذ عشرين عاما وإذا كنت نسيت عنوانه فلا أزال أذكر مضمونه الذي يتحدث عن المحافظة على الشباب والنضارة في الجسد والروح؛ وإن كان الروماتيزم على أنواع فالمقصود هنا هو روماتيزم العظم والمفاصل التنكسي الناجم عادة عن تقدم العمر إلا في حالات معينة كأن ينجم عن استهلاك المفاصل في رياضات غير صحية مثل السير لمسافات طويلة أو صعود السلالم وهو أسوأ تمرين للمفاصل على عكس ما يعتقده كثيرون؛ وبما أني مصابة بهذا المرض فلا مانع من تصحيح ما كتبه أخي الأستاذ صالح الشيحي في عموده اليومي حيث أن آلامي تخف في رمضان نتيجة صلاة التراويح التي أحرص على أدائها عشرين ركعة بدون إطالة القيام اللهم إلا في العشر الأواخر, لأن الإفراط مثل التفريط فالبقاء بوضعية الوقوف لمدة طويلة يؤثر على المفاصل التي تحمل الجسم كالركبتين والقدمين فيزداد المرض سوءاً, وبالطبع فقد رخّص الإسلام لمن لا يستطيع القيام أثناء الفريضة بأداء الصلاة جالساً أو حتى الاستلقاء إذا عجز المريض عن الجلوس؛ وأما في غير الفريضة فلا يعتبر القيام ركناً من أركان الصلاة, وفي هذا تيسير ورخصة لمن أراد, والله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه, وذلك كي يستطيع المسلم الاستمرار بأداء العبادة فلا ينقطع عنها بسبب إحجامه عن استخدام الرخصة مع حاجته إليها, وفي الحديث الشريف:(أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل).

أما ما يقال من صفة صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام وإطالته القيام بالليل, فهو سنة لمن استطاع شرط أن لا يكون إماماً ووراءه العجائز والنساء والأطفال, فمن سنة الصالحين ترفّقهم بالمأمومين أما في خلوتهم فلهم أن يطيلوا الصلاة كما يشاؤون, والحق يقال إن صلاة التراويح في الحرم المكي تؤدى عشرين ركعة معتدلة في طول قيامها حيث يقرأ الإمام صفحة في كل ركعة وبذلك ينهي جزءاً من القرآن كل ليلة مما يجعل المرء يتساءل عن بعض الأئمة في المساجد العادية الذين يصلّون التراويح ثمان ركعات فقط ولكنهم يطيلون القيام فيقرأ أحدهم صفحتين أو أكثر مما يجعل بعض المأمومين يفقدون تركيزهم بسبب تعبهم من طول القيام, فهل هؤلاء الأئمة هم أكثر ورعاً وتقىً من أئمة الحرم المشهود لهم بالتقوى أم إنه التنطع في الدين الذي ذمّه الله ورسوله؟

بالنسبة للصيام فإنه عبادة جسدية أيضاً لها مقصدها الروحي إذ يمتنع الصائم عن شهوته من الطعام والشراب والجماع وفي نفس الوقت يمدّ حبال المودة بينه وبين الله سبحانه الذي يباهي بالصائمين ملائكته؛ أما المردود الجسدي فهو مؤكد إذا حافظ الإنسان على معدته بعد الإفطار فلم يضع فيها كل ما هب ودب مما تقع عليه عينه وتهوي إليه نفسه, وقد ذكر الدكتور براغ في كتابه "معجزة الصيام" أن الصوم يساعد على تخليص الجسم من السموم, ولذلك فإن القول بأن الصيام يمنع جلطات الدماغ قول صحيح, فالصوم ينقص الكولسترول بنوعه الضار الذي يترسب في الأوعية الدموية فيشكل العصيدة الشريانية التي تؤدي إلى ضيق الشرايين وحدوث الجلطات؛ وليس كما ظن الأستاذ الشيحي, وإن كان اعتراضه على زيادة الذكاء في الصوم مقبولا لأننا نرى أن الكسل وسوء الفهم هو السائد, والسبب لا يتحمّله الصوم بقدر ما يُسأل عنه سوء الاستعداد النفسي للصوم وكذلك البيئة الاجتماعية التي لا تساعد الإنسان في رمضان على أخذ قسط كاف من نوم الليل وهو النوم المفيد للجسم عكس النوم الذي يستغرق الجزء الأكبر من النهار مما يزيد الشعور بالكسل, وهرمون النمو يفرز من الغدة النخامية أثناء النوم في الليل وليس في النهار, كما أن هرمون الكورتيزون تبدأ ذروته مع شروق الشمس ولذا يسمى هرمون النشاط, ولعلنا بعد هذا الشرح نأخذ بالرأي القائل في تبكير الناس بأعمالهم في رمضان ومن ضمنهم طلاب المدارس مع ضرورة أن يأووا إلى فراشهم مبكراً كأن يحصل الأطفال والمراهقون على ستة ساعات من نوم الليل ويضاف إليها ساعتان أو ثلاث ساعات في النهار, وبالتنظيم فقط يمكن الجمع بين خيري الدنيا والآخرة.

هذا التنظيم على مستوى الفرد بين صحوه ونومه وبين صومه ونشاطه, لا بد أن يكون موجوداً على مستوى الجماعة في أكثر العبادات جماعية ألا وهي الحج والعمرة, وبما أننا في رمضان حيث يقبل كثير من المسلمين على أداء العمرة في رمضان والتي تعدل حجة مع النبي عليه الصلاة والسلام, فإن عدد هؤلاء المقبلين في ازدياد عاماً بعد عام, وقد قُدِّر لي أن أقوم بالعمرة يوم الجمعة الماضي حيث وصلت الحرم الساعة العاشرة والنصف صباحاً وصحن الحرم يغصّ بالطائفين, ولكن الله سهل الطواف فأنهيت الأشواط السبعة خلال نصف ساعة دون أن تفلت مني لحظات خالدة من التوحد الجماعي الغامر مع أمة محمد عليه الصلاة والسلام مبتهلة إلى الله أن ينزل الرحمة عليهم جميعاً؛  وعندما انتقلت إلى المسعى كان الشوط الأول سهلا بالنسبة للشوط الثاني الذي هو طريق العودة من المروة إلى الصفا بسبب جلوس الناس في المسعى بانتظار الخطبة والصلاة, مع أن اسمه مسعى وليس مجلسا, وهؤلاء الناس يأتون من الأبواب المطلة على الحرم فيدلفون إلى المسعى لأنه مسقوف هرباً من حر الشمس خاصة أنهم صائمون, ثم بدا الشوط الثالث أكثر صعوبة من الأول إذ أخذ الناس يتوافدون من الأبواب المطلة على المسعى ويجلسون في الطريق الذي كان فارغاً في الشوط الأول, وهكذا أصبح التدافع على أشده حتى بدأ الشوط السابع فلم ينته إلا والمؤذن على المنبر, فجلست ومن معي من النساء على جبل المروة, وما زال الناس يتوافدون مع أنه لم يعد هناك موطئ لقدم, والرجال يتدافعون بين النساء, وضرب رجل غير عربي يمشي مستعجلا بركبته رأس امرأة مصرية جلست بجانبي فتآلمت وكادت تصرخ فأخذ يعتذر منها ويطبطب على رأسها لأنها لن تفقه لغته فاستعاض عن ذلك بلغة الإشارة, فأبعدت يده عن رأسها بضجر, فقلت لها مازحة باللهجة المصرية: معلش هو زي أخوك! كويس أنه لم يحبّ على رأسك! فنسيت ألمها وضحكت؛ ثم أقبل رجل يدفع كرسي امرأة مسنة وبما أن الدفع كان على حجر الجبل فقد رفع الكرسي زاوية قائمة وكاد الكرسي أن يفلت من يده وأوشكت المرأة أن تقع على ظهرها فشتمته؛ وعلا صوت الخطيب ولكن المراهقة غير العربية أمامي ما زالت تخطف المقص من يد أختها لتعطيه لوالدتها كي تقص لها شعرها وتحلّ إحرامها, وشعر الإناث مبعثر على الأرض, والرجال مصرون على الدخول من الأبواب الجانبية ولا أدري لماذا لا يتم إغلاق الأبواب الجانبية بما أن من يدخل منها يخرج من الباب الخلفي حيث لا مكان له, ورجل الأمن يخرج المنتهين من السعي من ذلك الباب لولا أن امرأة عظيمة الجثة غافلته ودخلت وجلست بالممر فسدّت الباب ومنعته من إتمام مهمته بإخراج الناس فاشتدّ بالكلام معها ناسيا وإياها الوصية النبوية بعدم الكلام أثناء الخطبة؛ أما رجال الأمن على الأبواب الجانبية فقد لفتت نظري مرافقتي أثناء السعي إلى أحدهم وقد أخذ "تعسيلة" تحت الهواء المكيف, والآخر ارتسمت على ملامحه حيرة وتساؤل عن كيفية التعامل مع هؤلاء الناس الذين لا يبالون بأوامره, والثالث نحيف جداً اختار أن يمشي على الحائط القصير الموجود بين المسعيين إما خشية على نفسه لشدة نحوله أو توفيراً لمساحة من أجل غيره.

لم أسمع من خطبة الشيخ الشريم إلا بعض الكلمات عن القصص القرآني وهو متأثر وصوته يتهدج بين الفينة والأخرى, وما إن انتهى من الخطبة وأقيمت الصلاة وانتهت حتى حمدت الله أنها ليست سوى ركعتين وبمجرد عودتي إلى جدة أعدت صلاة الظهر أربع ركعات لأني أعتقد أن من شروط الصلاة الاطمئنان, وأنا لم أكن كذلك بل كنت خائفة قبل الصلاة من أن يقع علي رجل من خلفي أو تصيبني بالمقص الفتاة من أمامي, وأما أثناء الصلاة فقد كنت حريصة أن أكون آخر الساجدات وأول القائمات كي لا تكون نهايتي, ومع ذلك فأرجو الله أن يكون قد قبل عمرتي وعمرة غيري على ما فيها من تشتت الأذهان وتدافع الأجساد, ولعل المقصد الروحي من هذه العبادة العظيمة يكتمل مع تنظيم أفضل في العام القادم مع أن الجهود التي يبذلها المسؤولون عن الحرم لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد.

 الوطن السعودية 9/10/2006

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |