الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) رمضان في بلاد العربان
 
 
 

في اتصال هاتفي مع قريبي المغترب باركت له بقدوم شهر الرحمة والمغفرة والإحسان, وخلال المحادثة سألته عن طول فترة النهار في مكان إقامته فأجابني بأنها تقرب من طول النهار في المملكة, لكنه أردف قائلا: شتان بين الصيام في بلاد الغرب وبين الصيام في بلاد المسلمين؛ وفهمت أنه يقصد صعوبة القيام بهذه الشعيرة العظيمة حيث يقيم كما أن لرمضان طابعه الثقافي والروحاني في بلادنا, وقريبي هذا استقر في أوربا مع عائلته منذ بداية مراهقته أي منذ عشرين عاماً, لذا فإن انطباعه عن رمضان إبان طفولته ما زال راسخاً في ذاكرته, لكن أي انطباع يكونّه المرء عن رمضان الحالي في بلادنا العربية؟

بداية فإن الاختلاف العربي في كل شيء يظهر في عدم الاتفاق على بدء الصيام مع أن الحساب الفلكي قد سهّل الأمر وأصبحت في متناول الجميع القدرةُ على تحديد مطالع الشهور القمرية, وإذا كان مقبولا أن تختلف مطالع القمر بين الشرق والغرب فإنه من غير المقبول أن تختلف في البلاد المتجاورة؛ ولا يظهر الاختلاف العربي إلا ويظهر معه التخلف النابع من التشبث بالقديم والإعجاب بالرأي, أما التشبث بالقديم فهو الذي يجعل الفرق بين الوسائل والغايات معدوماً, فإذا كانت الغاية من رؤية الهلال هو تحديد أول الشهر فإن وسيلة الرؤيا تختلف من زمن إلى زمن, لكن بعضاً من بني يعرب أنزلوا الوسيلة مكان الغاية فلا غنى عن العين المجردة التي رأت "عطارد" بدل القمر على ما أخبرنا به مشكوراً الأستاذ قينان الغامدي نقلا عن مقال لمهندس كويتي مختص؛ وأما الإعجاب بالرأي فهو الذي يجعلنا نفتقر إلى فضيلة الاعتراف بالخطأ, ولو كان الخطأ على الصعيد الشخصي لهان الأمر, لكن المشكلة أن الخطأ في تحديد أول الشهر القمري تؤثر على المصداقية الدينية للمملكة العربية السعودية, لأن كثيراً من المسلمين في الدول الغربية يصومون حسب ما يُعلن هنا, وعليه فإن هذا الإصرار على الرؤية بالعين المجردة لا معنى له, ورحم الله الشيخ علي الطنطاوي الذي كان يمتّعنا بأحاديثه المتلفزة على الإفطار, وكان مما ذكره بمناسبة الاختلاف في رؤية الهلال أن رجلا أقسم لقومه أنه رأى هلال شوال فأفطر الناس بناء على قسمه, ولكن الهلال استمر يلوح أمام عينه بعد صلاة العيد, فلما نظر في المرآة وجد شعرة بيضاء في أعلى حاجبه لم يكن رآها من قبل!

ليس هذا الرجل هو الوحيد الذي يرى ما لا يُرى فمن درس مادة الأمراض العينية في كلية الطب يعرف أن هناك ما يسمى بالذباب الطائر الذي يراه بعض المصابين بالآفات العينية على شكل بياض يتحرك بحركة العين, إضافة إلى كم آخر من المرئيات المعروفة في الأمراض النفسية باسم "الهلوسات البصرية" وقد صوّرت شيئاً منها إحدى حلقات مسلسل طاش ما طاش؛ وبما أن الكلام عن رمضان لا يعتبر كاملا دون الإشارة إلى ما تعرضه الفضائيات في هذا الشهر الفضيل, فإن أهم مسلسل يمكن ان يشار إليه محلياً وربما عربياً أيضاً هو هذا المسلسل الذي يعالج كثيراً من هموم المجتمع وشجونه, وقد تفوق المسلسل في حلقة (إرهاب أكاديمي) التي صوّرت غسيل الدماغ الذي يتعرض له الشباب في بعض المراكز الصيفية وكذلك في حلقة (أيام اللؤلؤ) التي لم يعط اسمها دلالة على مضمونها رغم أنها عالجت مشكلة الزوجة ابنة "الحمايل" التي تزوجت من ابن "الصنايع" والتي رفع إخوتها قضية لتطليقها من زوجها مع أن لديها طفلين منه فكسب الإخوة المتعنّتين القضية وتم تفريق المرأة عن زوجها, ويحسب لفريق طاش هذا الالتقاط الفذّ لمشكلة لم يمض عليها سوى شهرين وإعدادها بسرعة دون أن تؤثر السرعة سلباً على القالب الذي عالج المشكلة بخلطة مزجت الكوميديا بالتراجيديا.

بخلاف المسلسلات الاجتماعية الناقدة كمسلسل طاش السعودي ومرايا السوري فإن ما تعرضه الفضائيات في رمضان يزداد عاماً بعد عام شكلا وكمّاً وينقص مضموناً وكيفاً, فكثير من المسلسلات التاريخية تتناول جزئية تاريخية وحيدة ليتم تضخيمها وتطويلها ومطّها بحيث تغطي ثلاثين يوماً, والأنكى هو تشويه الحقائق التاريخية وإظهار البطل العربي المسلم كأنه دنجوان أو زير نساء, وإذا كنا نتقبّل بعض التغيير لتوائم الأحداث التاريخية شيئاً من الحاضر, فإن الفانتازيا أصبحت مشوهة للتاريخ وكذلك الحوارات الهابطة أو المبالغ فيها على سبيل المثال تهديد هند بنت عتبة لحمزة بن عبد المطلب بالقول: حمزة.. يوماً ما سألوك كبدك؛ فهذه الجملة بدل أن تكون جاذبة للمسلسل تصبح طاردة عنه, فأين التقت هند - وهي في مكة- بحمزة - وهو في المدينة - لتقول له هذا الكلام؟!

إذا لم يسيطر المشاهد على الفرامل فإن الشهر الفضيل كله يذهب سدى بين الانتهاء من مسلسل والبدء بمسلسل آخر, وإذا كان لا يحق لأحد تحريم بعض المتعة والتندر بعد الإفطار عبر مسلسل اجتماعي ناقد أو فكاهي هادف, فإن الاستغراق في متابعة التلفزيون يحوّل شهر الصيام إلى شهر المسلسلات, علما بأن بعض الشر أهون من بعض فما أجمل ما تعرضه المسلسلات العربية بالرغم من غثائه مقارنة بما تعرضه المسلسلات والأفلام العربية والأجنبية على قنوات خاصة بعرض المسلسلات والأفلام, ومع أن بعض الأفلام التي تعرض هي بقمة الروعة وذروة الإنسانية, فإنها القلة القليلة مقابل الكثرة الكاثرة والتي يمكن لأي ناضج أن يتابعها فيدرك مدى تأثيرها السيئ على الجيل الأصغر سناً والذي لم يعد يجد القدوة الحقيقية أمام عينيه فاستعاض عنها بما يراه على الشاشة؛ وعلى كل حال فهذا الإنتاج التلفزيوني المضاعف يذكّر بأن ما يضاعَف في رمضان هو الحسنات فكأن الفضائيات قد تآمرت على الإنسان لتشغله بمضاعفة إنتاجها من المسلسلات عن مضاعفة إنتاجه من الحسنات, وحائط الصدّ الوحيد ضد هذه المؤامرة هو بالنوم المبكر بعد صلاة التراويح, أو بإقفال التلفاز من مبدأ نوم الظالم عبادة أو إقفال الظالم عبادة.

لماذا أنعت التلفاز بالظالم؟ لكم أن تشاهدوا صور الطلاب النائمين في الفصل في نهار رمضان لتتساءلوا: أين كان هؤلاء الأولاد يقضون لياليهم؟ إما أن الأهل غافلين عنهم فيستمر الأولاد بعادة السهر السيئة خارج المنزل كما في أيام الصيف, وكأنه لا مدرسة ولا يحزنون؛ أو أنهم يشاركون أهاليهم بمتابعة الفضائيات وكما يقول بيت الشعر: إذا كان رب البيت بالطبل ضاربا...... فلا يلام الطالب النائم في المدرسة إذا كان والده أيضا نائماً في عمله؛ وهكذا ينقلب شهر الحسنات والعمل إلى شهر النوم والكسل؛ وآخر صيحة سمعناها أن أكاديميا يقترح دوام المدارس بين الساعة التاسعة ليلا والواحدة صباحا, وهكذا تكمل انقلابية الناس على سنة الله في النوم, وكأنه لا يكفي أن الناس في العطلة الصيفية تقلب الليل نهاراً والنهار ليلا حتى تستمر هذه العادة السيئة في رمضان!

لا يضاعف الناس في بلاد المسلمين مشاهداتهم للتلفاز فقط بل هم يضاعفون معه أشياء أخرى كأسعار المواد الغذائية التي ترتفع بشكل جنوني, ويصبح الاحتكار ميزة لرمضان ويزداد عاماً بعد عام مع إغراق الناس في حب المظاهر والتقليد, فالغني ينفق ببذخ ويقلّده الفقير في هذا حتى لو تراكمت ديونه, والغني لا يأبه لفقر الفقير ولو كان جاره, وأين هؤلاء المسلمون من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي يوصي بعدم السماح للطفل بإخراج الفاكهة إذا لم يكن لدى الجار القدرة على شرائها؛ وأين هم من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي ذر:(يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)؟ ويتساءل المرء عن صلة الرحم وتعهد الجار وبر العائلات المستورة في رمضان, والغريب أن بعض من يدّعون الالتزام يأخذون إجازة من العمل طوال شهر رمضان وذلك لأنهم يريدون أن يناموا طول النهار كي يستطيعوا القيام بعبادة الله في الليل, مع أن الصيام فرض والغاية منه الشعور بجوع الفقير أما قيام الليل فهو سنة, وهكذا يضيع المقصد من الفريضة من أجل إحياء السنة, ويضيع في شهر الصوم والعبادة العمل الذي هو عبادة!

وإذا أتينا إلى المساجد, فكم تحدثت وغيري عن ظاهرة رفع الصوت بالصلوات الجهرية لدرجة تتداخل معها أصوات القراء في المساجد فتتحول إلى إزعاج بدل أن تكون مصدر راحة وشفاء للناس, وفي ذلك مخالفة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام الذي نهى أصحابه عن رفع الصوت بالقراءة؛ إضافة إلى أنها مخالفة واضحة لأوامر وزارة الأوقاف بتوجيه مكبرات الصوت بعد الأذان إلى داخل المسجد؛ وأما الأمر الغريب فإن النساء ليس لهن حق في العبادة دائماً, وحول منزلي خمسة من المساجد تقام فيها صلوات التراويح ولا مكان للنساء في أحدها, وإذا صليت وحدي وجب علي أن أنتظر هذه المساجد الخمسة أن تنهي صلواتها كي لا أخطئ بقراءتي, وهكذا تعود أسرتي من صلاة التراويح ولم أتمكن من صلاة ركعة واحدة!

العبادة تنظّم وقت المسلم وتنمي فيه الروح الجماعية التي تزيد أواصر المحبة في المجتمع, ورمضان يزيد على ذلك بأنه ينظم معدة الصائم وليس وقته فقط, فهو نظام حياة وثورة على الشهوات وترك لسيء العادات, ولكن الشهر الكريم تحوّل في بلادنا عن مقاصده فما عُدنا نجد فرقاً بينه وبين باقي الشهور سوى بالمزيد من الفوضى والكسل والشهوة والفراغ.

الوطن السعودية 2/10/2006

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |