لعلّ أكثر ما لفت
انتباهي في صحيفة
الوطن للأسبوع
الماضي هو قصة
الفتاة التي
روتها الزميلة
الكاتبة غادة
الحوطي في عمودها
الأسبوعي وملخصها
– لمن لم يطلّع
عليها- أن هذه
الفتاة اعتادت
على تحصيل معدل
جيد جداً خلال
جميع المراحل
الدراسية مما
جعلها تكوّن
انطباعاً عن
مقدراتها أنها
تتراوح في مكانة
"الجيد جدا",
وكان معدلها في
الثانوية 86% ثم
أتيح لها السفر
إلى أمريكا
للدراسة الجامعية
ورغم الخوف الذي
اعتراها من
الغربة والوضع
الثقافي المختلف
والحال الدراسي
المغاير وخاصة من
ناحية إعداد
البحوث وهو ما لا
يتعلّمه الطلاب
في أي مدرسة
عربية - اللهم
إلا إذا اعتبرنا
الموضوع الأدبي
عن الشعر الجاهلي
وغيره بحثاً- فقد
حازت هذه الفتاة
على معدل ممتاز
مما أهلّها
لمكافأة على شكل
رحلة جماعية مع
الطلاب المتميزين
على مستوى
الولايات المتحدة
الأمريكية للتعرف
على الثقافات
المختلفة في
أنحاء العالم, ثم
شاء لها القدر أن
تعود إلى المملكة
قبل إنهاء
الدراسة, ومع ذلك
فقد كانت سعادتها
غامرة حين وجدت
في جامعة سعودية
نفس التخصص الذي
كانت تدرسه في
أمريكا, لكن
فرحتها تبخّرت
عندما علمت أن
الجامعة لا تحتسب
ما سبق لها
دراسته وهو ما
يعني ضياع عامين
من عمرها, وأما
المضحك المبكي في
الأمر فهو أن
الجامعة لم
تقبلها لأن
معدلها في
الثانوية لا
يؤهلها لدراسة
ذلك الفرع, ومع
أن الزميلة غادة
أنهت القصة
بتساؤل مفاده: هل
علمتم لماذا لا
يشعر أبناؤنا
بالانتماء؟ فأنا
أيضاً لا أستطيع
إلا أن أطرح
سؤالا آخر: ماذا
يعني الاحتفاء
بالموهوبين إذا
كان أمثال هذه
الفتاة لا تقدَّر
مواهبهم إلا خارج
أوطانهم؟!
ابني الأكبر الآن
على أعتاب نهاية
المرحلة
الثانوية, وعندما
كان في الصف
الخامس الابتدائي
طُلب إليه كتابة
موضوع تعبير عن
شيء يفكر
باختراعه
مستقبلا, فكتب عن
حلمه باختراع
سيارة تعمل
بالطاقة الشمسية
كي لا تلوِّث
البيئة, وأما
المتفوق الأول
على الفصل فقد
علمت من والده في
اجتماع مجلس
أولياء الأمور أن
ابنه أراد أن
يكتب موضوعاً عن
ملعب كرة سلة,
فوجّهه أن هذه
الفكرة ليست
اختراعاً, ومن
هذا المثال
أستطيع أن أقول
عن ابني أنه
موهوب رغم أنه لا
يحصّل درجة
الامتياز في
الامتحانات
كزميله, لكن لا
أدري أين المدارس
عن موهبته, علماً
بأنه انتقل في
المرحلة
الابتدائية من
التعليم العام
إلى التعليم
الأجنبي وفي كل
منهما انتقل بين
مدرستين على
الأقل, وأنا لا
أقصد من هذا
الكلام أن أتباهى
بابني, لكن لأني
واثقة أن أمثاله
من الموهوبين
موجودون دون أن
ينتبه لهم أحد
كتلك الفتاة التي
كانت قصتها طرقاً
على موضع الألم,
خاصة وأن نشرها
توافق مع انعقاد
المؤتمر الإقليمي
للموهبة؛ فهل كان
ذلك المؤتمر
لكيفية البحث عن
المبدعين حقاً أم
لتكريم المتفوقين
فقط؟
ليس عدم تقدير
الإمكانيات
الفردية هو الأمر
الوحيد الذي يوصف
بالمعاناة في
المدارس
والجامعات, فهناك
أيضا الفرق
الكبير بين مناهج
التعليم العام
ومناهج التعليم
الأجنبي, ومن
الواجب القول بأن
الأخير يهيئ
المتعلّم لامتلاك
شخصية تتصل
بالعصر أما مناهج
التعليم العام
فهي تعود به إلى
أزمان غابرة؛
وإذا كان ما يؤخذ
على المناهج
الأولى إفراطها
في العقلانية
لدرجة الإيمان
بالعقل فقط, فإن
إغراق المناهج
الأخرى بالمواد
الدينية جعل
علومها العقلية
في درجة متأخرة
جداً بالنسبة لما
يجب أن يكون عليه
التعليم العصري,
ويتساءل المرء عن
إمكانية دمج
المنهاجين معاً
بترجمة المواد
العلمية
كالرياضيات
والعلوم من
المنهاج الأجنبي
إلى اللغة
العربية ثم
تدريسها في مدارس
التعليم العام مع
تعديل المواد
الدينية لتكون
جاذبة للتلميذ
أكثر, ويبقى
الخيار مفتوحاً
أمام الجميع فمن
أراد أن يتخرج
ابنه من المدرسة
فقيهاً أو داعية
فيمكنه إرساله
إلى مدارس
التحفيظ الموجودة
حالياً, وما
يدفعني إلى طرح
هذه الفكرة هو أن
الوضع الحالي
للتعليم في
المملكة يجعل
البون شاسعاً بين
خريجي التعليم
العام وخريجي
التعليم الأجنبي,
هذا من جهة ومن
جهة أخرى فإن
منهاج اللغة
الانكليزية في
التعليم العام
ضحل جداً لدرجة
أن سنوات الدراسة
كلها لا تؤهل
الخريج للالتحاق
بفرع علمي في
جامعة سعودية
ناهيك عن
الالتحاق بجامعة
أجنبية, ومن جهة
ثالثة فإن أقساط
التعليم الأجنبي
عبء ثقيل على
كاهل الأهل, وبما
أن أغلبهم من
المقيمين – حيث
أن التعليم
الأجنبي ممنوع
على السعودي إلا
بإذن خاص - فإني
أعرف بعض من يذهب
نصف دخله السنوي
أو أكثر للمدارس
دون أن يحصّل نصف
قيمة ما يدفع رغم
رفعة المناهج
وعلوّ كعبها,
والسبب أن كثيراً
من المدارس
الأهلية - سواء
كانت تفرض المنهج
العام أو الأجنبي
- ليست سوى
الدجاجة التي
تبيض ذهباً لمالك
المدرسة, دون أي
رقابة من أي نوع
على سير التعليم
وعلى مؤهلات
المعلمين
والمعلمات, وهذا
يعني أن أموال
الأهالي تذهب
لجيوب أصحاب
المدارس فقط دون
الاستفادة منها
في مجالات أخرى
تساهم بتحريك
المال ليعمّ نفعه
في المجتمع؛ ونجم
عن انعدام
الرقابة أن
المدرسة لم تعد
بالنسبة لكثيرين
سوى مكان يلتقي
فيه أولادهم
بأقرانهم
ومعلميهم
فيعتادوا على
الاحتكاك بالناس,
وكأن المدارس
أصبحت بيوت خبرة
اجتماعية أكثر
منها تعليمية أو
تربوية, وإن كانت
هذه الخبرة لا
تقتصر على كونها
خبرة حسنة, فكثير
من الخبرات
السيئة تنتقل بين
التلاميذ
كالتدخين وغيره.
حدّث ولا حرج عن
تردد الأهل في
اختيار المدرسة
الأفضل أو
الجامعة الأنسب,
فهذه زميلتي في
العمل وجهها
يكفهر مع اقتراب
بدء المدارس,
والسبب أن ابنتها
التي تخطو في
العام الرابع
المدرسي أصبحت
كفأر تجارب بين
أهلها وبين
المدارس, ففي كل
عام تُنقل من
مدرستها بحثاً عن
مدرسة خاصة أفضل,
وابن إحدى
صديقاتي الذي
قُُبل في كلية
العلوم بجامعة
الملك عبد العزيز
السنة الماضية
قسم بيولوجيا ما
زال يحلم بدراسة
الهندسة, وقد
سافر إلى ينبع
عدة مرات هذا
الصيف لعله يتمكن
من التحويل إلى
الهندسة ولكنه في
كل مرة يعود بخفي
حنين, علماً بأنه
شاب يلمع ذكاء,
ولكن اللمعان
والذكاء لا يعني
شيئاً لنظام
التعليم الحالي
الذي يتجاهل أن
السنة الثالثة
الثانوية والتي
تحدد مستقبل
الشاب تترافق مع
بعض عنت المراهقة
مما يجعل أكثر
طلاب الثانوية لا
يهتمون بدراستهم
كما يجب, فلا
يسمح لهم النظام
بإعادة الثانوية
من أجل معدل
أفضل, وكأن ندم
الطالب ممنوع
وأما نظام القبول
فالعتب عليه
مرفوع, وأفضل ما
يستشهد به في هذا
السياق مقالة
الدكتور مشاري
النعيم في صحيفة
الرياض يوم السبت
الماضي
بعنوان:(بين
توسيع الجامعة
وتراجع التعليم),
وهو أستاذ جامعي
وأقتطف منها
قوله:(الخلل ليس
في عميد القبول
والتسجيل بل في
نظام وفلسفة
التعليم العالي
التي تفصل بين
الطلاب وبين
إدارة العمل
الأكاديمي
فالطالب في
نظامنا الأكاديمي
لا يساوي المقعد
الذي توفره له
الدولة)؛ ثم يتبع
ذلك بقوله:(إن
نظام القبول فيه
فجوات كبيرة تسمح
لبعضهم بالتلاعب
وباتباع "الهوى"
في قبول هذا ورفض
تلك من دون أسباب
مقنعة, وهذا
الخلل يستخدمه
سماسرة القبول
لتحقيق أهوائهم,
فهؤلاء السماسرة
يعرفون مداخل
النظام ومخارجه
ويوظفونها لخدمة
من يريدون).
أما المعاناة
الأصعب فهي رسوب
الطالب في مادة
ما, حيث يتوجّب
عليه أن يتجاوز
امتحان الإكمال
قبل أن يترفّع
للسنة التالية,
وبالطبع فإن بعض
المدارس عادلة في
هذا الأمر, لكن
بعضها الآخر
-وتحديداً
الأهلية - تجعل
نسبة الرسوب
عالية في مواد لا
يمكن أن يرسب
فيها الطالب
كالمواد
الاجتماعية مثلا,
والسبب أن
المدرسة الأهلية
تخشى أن يسحب
الأهل ملف ابنهم
أو ابنتهم من أول
الصيف لينقلوه
إلى مدرسة أخرى,
فامتحانات
الإكمال التي
تأتي في نهاية
الصيف تصعِّب
اتخاذ قرار
النقل, كما هو
الحال عندما تكون
المدة بين امتحان
الإكمال وافتتاح
المدارس أبوابها
أسبوعاً أو أقل,
وقد حدثتني إحدى
صديقاتي عن
الشقاق الذي حصل
بين صاحبة
المدرسة وبين
المديرة في مدرسة
ابنتها - وهي
مدرسة عالمية –
وأسباب الخلاف
مادية كالعادة,
وأدى ذلك إلى
فوضى وقعت
نتائجها على رأس
التلاميذ
وأهاليهم,
وصديقتي الآن
تفكر في نقل
ابنتها إلى مدرسة
أخرى, لكن
المشكلة أن
امتحانها في 13
سبتمبر بينما
تفتح المدرسة
أبوابها في 16
سبتمبر, فأين
الرقابة عن كل
هذا؟
وأما الكوميديا
السوداء في
الإكمال فهي
الدروس الخصوصية
التي يفرضها عدم
نجاح الطالب في
مواد علمية
كالرياضيات, فهنا
يرتفع سعر الساعة
الواحدة وكأنه في
سوق سوداء
للعملات, فساعة
أستاذ الرياضيات
خلال العام 100
ريالا وخلال موسم
امتحانات الإكمال
150 ريالا, أو
يتضاعف سعر
المنهاج لفصل
دراسي واحد من
ألفي ريال إلى
ثلاثة آلاف دون
ضمان بأن النتيجة
ستكون متناسبة مع
المبلغ المدفوع
وذلك لارتباط
الأستاذ بعدد من
التلاميذ مما
يجعل مردود عمله
مادياً في شهر
واحد يفوق دخله
في بقية العام,
وأما الأساتذة
الخصوصيون فقد
شكّلوا حلفاً
واحداً في وجه
الأهالي اسمه
"الدفع مقدماً",
وليس ضرورياً أن
تكون مختصاً
بالرياضيات
لتنضمّ إلى هذا
الحلف فيكفي أن
تكون من جنسية
عربية معينة وأن
تعرف شيئاً عن
الرياضيات ولا
ضير بعدها أن
تعمل سائق تكسي
في أوقات كساد
السوق!
الوطن السعودية
4/9/2006