يوماً بعد يوم
يزداد العداء
للمسلمين في
الغرب ويرتفع
منسوب الكراهية
ضدّهم, وعلى
الجانب المقابل
يزداد المتشددون
من المسلمين
اعتقاداً بصواب
ما يفعلون, ولا
يمكنني حشد
الشواهد على أيها
الفعل وأيها رد
الفعل في هذه
المساحة؛ لكن ما
يدعوني للكتابة
في هذا الموضوع
هو الرسالة التي
وصلتني من "كير"
أكبر منظمات
الحقوق المدنية
الإسلامية
الأمريكية عن
تكرر محاولة
الاعتداء على
مسجد في
كاليفورنيا مرتين
خلال أسبوع واحد,
فقد تعرّض باب
مسجد لاميردا
بلوس أنجلوس
للتدمير بطلقات
نارية في ساعة
مبكرة من صباح
يوم الاثنين
الماضي الموافق
الرابع عشر من
أغسطس، وكان
المسجد نفسه قد
تعرض قبلها بعدة
أيام لطلقات
نارية أصابت
نافذتين به؛
وأشار مسئولو كير
أن المسجد
المذكور تعرض
لجرائم كراهية في
الماضي، كما سبق
وأن تلقى مسئولو
المسجد رسائل
مكتوبة تقول:
"الدين الإسلامي
طائفة شاذة ومحمد
إرهابي خارج عن
القانون"، وأن
"لا مستقبل
للمسلمين في
أمريكا".
أكثر ما ساءني
في هذا الخبر هو
التهم التي ألصقت
بالرسول عليه
الصلاة والسلام,
وهو دافعي إلى
كتابة هذه
المقالة لعلّها
تزيل التصور
الخاطئ عن رسول
الله والذي
نتحمّل نحن
المسلمين جزءاً
كبيراً من
أسبابه, فكثير من
كتب السيرة تغصّ
بالحروب والمعارك
والغزوات دون أن
تقترب من حياة
الرسول كإنسان
وكمبعوث رحمة
للعالمين أجمعين؛
وقد انتبه لهذا
الجانب بعض
الكتاب
الإسلاميين
فبدؤوا مؤخراً
بعرض حياة الرسول
في ثوبها
الإنساني الأرحب,
أما ما يتحمّله
الكتاب العرب
الذين يصنفون
أنفسهم
كليبراليين فهو
إعجابهم بتجارب
الأقوام الآخرين,
وليس في هذا
الإعجاب من بأس
إلا عندما يصل
إلى حد الانبهار
فلا يعود العربي
يرى شيئاً في
ثقافته يستحق
الاحترام ولا
شخصاً يستحق
التقدير, مع أنه
من واجب المثقف
إذا كان ليبراليا
حقاً أن يبحث عن
الصواب قبل أن
يدعي امتلاك
الحقيقة المطلقة,
وهذا التملك هو
التهمة التي
اعتاد
الليبراليون
توجيهها إلى
الإسلاميين فإذا
بهم يقعون في نفس
الحفرة التي
حفروها لإخوانهم؛
بينما تقضي
الأزمة الراهنة
أن يحاول كل طرف
البحث عن مشتركات
تخرج الأمة
العربية من
مأزقها, وأما
المشتركات فإن
أكثرها أهمية هو
الاشتراك في
الانتماء, وإذا
لم يشعر الكاتب
بهذا الانتماء
فلا أقل من
احترامه لمشاعر
العربي المسلم
تجاه الرسول
الكريم, إذ لا
يبرر غايتنا
الحميدة المتمثلة
برفع مستوى وعيه
ووضع يده على
مواضع الألم في
الحاضر أن نفصله
عن جذوره
الأصيلة,
فالانتماء مهمّ
لأي قوم كي
ينهضوا من كبوتهم
ووجود القدوة
ضروري لهذه
النهضة, وليس
للمسلمين مثال
وأنموذج سوى
المصطفى عليه
الصلاة والسلام؛
وأما أكبر مآزق
الأمة حالياً فهو
حاضرها المليء
بالعنف والدم
سواء من أبنائها
أو أعدائها.
في مجتمع مكة
القديم بقيت
الدعوة إلى دين
الإسلام سرية
ثلاثة عشر سنة,
وخلال الأعوام
الثلاثة الأولى
لم يؤمن بالرسول
عليه الصلاة
والسلام سوى
أربعين شخصاً, بل
إن بعض المؤرخين
يذكر أن إسلام
عمر بن الخطاب
كان في السنة
السادسة وبإسلامه
اكتمل عدد
المسلمين إلى
أربعين, أي بمعدل
سبعة أشخاص
ينتقلون إلى جانب
الحق كل عام,
وإذا أخذنا هذه
الأرقام بقانون
النسبة والتناسب,
مع الفارق أن
الداعية إلى الحق
كان الرسول
المؤيد بالوحي,
فإن أمتنا بحاجة
إلى عدد لامحدود
من السنوات كي
تعود إلى إسلامها
الحقيقي الذي
يبني المجتمع
السليم كخطوة
تأسيسية للنصر,
فمجتمعاتنا
العربية ذات
الغالبية المسلمة
لا يتجاوز
إسلامها المظاهر
دون استبطان
للأعماق وعلى هذا
فهو إسلام غير
فاعل ما دام
المسلمون بعيدين
عن فهم الإسلام
وديناميكيته, وقد
أشار إلى ذلك
المفكر مالك بن
نبي إذ أوضح أن
المسلمين ليسوا
بحاجة لعقيدة
جديدة بل بحاجة
إلى تجديد الصلة
بالله.
في مجتمع مكة
تحمّل الرسول
وأصحابه الأذى,
فذاقوا كل أشكال
التعذيب نساء
ورجالا, وحوصروا
في شعب بني هاشم
ثلاث سنوات لم
يجدوا إلا أوراق
الشجر طعاماً,
ومع ذلك لم يفكر
الرسول باستخدام
العنف تجاه قومه
لأن دعوته سلامية
وليست دعوة
إكراه, ولم يلعب
على أوتار الفتنة
الحزبية أو
العصبية, فقد جاء
بدين يسفّه آلهة
قومه ويؤلّب
مجتمع قريش على
بني هاشم ومع ذلك
لم يطالب أحداً
من أقربائه
بالوقوف إلى
جانبه إذا لم
يقتنع بما جاء
به, ولم يجبر
أحداً على اتخاذ
موقف الدفاع عنه
إذا لم يكن هذا
الموقف نابعاً من
قناعات الشخص
المؤازر, كموقف
عمه أبي طالب في
صدّ المشركين عنه
وكذلك في موقف
المطعم بن عدي
الذي دخل الرسول
في جواره بعد أن
ناله سفهاء
الطائف بسبابهم
وحجارتهم, مع أن
كلا من أبي طالب
والمطعم كانا على
الشرك؛ وقد بيّن
القرآن الكريم
سياسته مع قومه
بقوله:(قل لا
أسألكم عليه أجرا
إلا المودة في
القربى).
المغزى من هذا
الكلام أن الرسول
عليه الصلاة
والسلام كان
يستفيد من
الأعراف الموجودة
في قريش ليحفظ
دعوته بعد أن
تحوّلت إلى
جهرية, ولكن هذه
الاستفادة لم تكن
لتشعل الأحقاد
بين الناس سواء
كانوا ممن آمن
بدعوته أو لم
يؤمنوا؛ ولو شاء
أن يكون
انتهازياً لتحقّق
له ما أراد بأسرع
وقت, ولكن الغاية
عنده لا تبرر
الوسيلة, فقد كان
الصادق الأمين
قبل البعثة
واستمر كذلك
بعدها بدليل أنه
هاجر وأموال
المشركين مودعة
لديه فأوكل بها
ابن عمه علياً بن
أبي طالب ليردّها
إليهم, ولنا أن
نتصور هذه
المفارقة المذهلة
لأناس يعادون
محمداً لمخالفته
دين آبائهم,
ولكنهم لا يأمنون
غيره على
أموالهم, وهذا إن
دل على شيء فإنما
يدل على تسليم
هؤلاء الأعداء
لمحمد بأنه رجل
السلام الأول
والذي لا يخون
الأمانة ولا ينقض
العهد؛ وهو أيضاً
الرجل الذي يضع
الأمور في
مواضعها, فعندما
أمر المسلمين
بالهجرة إلى
الحبشة شفقة
عليهم من العذاب
اختار لهم تلك
البلد التي فيها
ملِك لا يُظلم
عنده أحد وهو
النجاشي؛ ولم
يقرأ التاريخ
لمحمد أي موقف
ازدواجي كما يفعل
بعض الزعماء
القوميين
والإسلاميين
الحاليين الذين
أحلّوا قومهم دار
البوار ومع ذلك
يتشدقون
بالانتصار!
في المدينة
أقام النبي
معاهدة سلام مع
أهلها ودخل مع
اليهود في
اتفاقيات تجعل
المجتمع كله يحفل
بالسلام, ولما
نقض اليهود العهد
عامل كلا منهم
حسب ما تقتضيه
الحكمة والمصلحة,
فقاتل بني قينقاع
وأجلى بني
النضير, أما بنو
قريظة فقد أمره
الله بالانتقام
منهم لخيانتهم
العهود
والمواثيق؛ كما
عانى من أذى
المنافقين في
المدينة أكثر مما
عانى من أذى
المشركين في مكة,
ومع ذلك فلم يرفع
في وجه أحدهم
السلاح ولم يسمح
لمسلم بأن يتخلص
منهم لأن البيّنة
على كفرهم غير
موجودة, وليس
أصعب من الخيانة
سوى النفاق إلا
أن النفاق على
درجات فلكل درجة
حسابها الخاص,
فعبد الله بن أبي
بن سلول كان رأس
النفاق في
المدينة لكنه كان
رئيساً أيضاً
لذلك هادنه النبي
عليه الصلاة
والسلام, كي لا
ترتعد أنوف
أتباعه فيعلنوا
الخروج على
الرسول عليه
الصلاة والسلام,
ومع أنه عليه
الصلاة والسلام
كان رجل سياسة
وحنكة لكنه كان
قبل كل شيء رجل
إنسانية ورحمة,
فما الفائدة التي
كان سيجنيها
الإسلام من قتال
المسلمين الذين
أخلصوا لله
بإيمانهم مع
أولئك الذين
كانوا أقل
إسلاماً أو كانوا
يبطنون الكفر
ويظهرون الإسلام؟
لم يكن محمد
عليه الصلاة
والسلام رجلاً
محباً للقتل
والدم والانتقام,
ويكفي أن ملَك
الجبال عرض عليه
أن يطبق الأخشبين
وهما جبلان بمكة
على أهلها فرفض
لعلّ الله أن
يخرج من أصلابهم
من يعبد الله,
ويكفي أنه في
موقعة أُحد
والدماء تسيل منه
دعا فقال: اللهم
اهدِ قومي فإنهم
لا يعلمون؛ ويكفي
أنه عندما دُعي
إلى صلح الحديبية
لبّى حقناً
للدماء, ويكفي
أنه عندما تمكّن
من الذين أخرجوه
من مكة بعد فتحها
لم ينتقم منهم بل
كادت ذقنه أن
تلامس قتب راحلته
من تواضعه وشكره
لله وقال لأهل
مكة:(اذهبوا
فأنتم الطلقاء)؛
وأما بعد أن
استقر له الأمر
وبدأ بمخاطبة
الملوك للدخول في
دين الإسلام عامل
كل منهم حسب ما
تتطلبه المصلحة
فعندما أهداه
المقوقس جارية
على عادة الملوك
آنذاك, كردّ على
رسالته التي
يدعوه فيها
للإسلام, قبل
الهدية وأوصى
صحابته خيراً
بمصر وأقباطها؛
وأما حينما كان
القتال هو الخيار
الوحيد فقد كانت
سنّته الحفاظ على
أرواح غير
المقاتلين, حتى
قال غوستاف
لوبون:(لم يعرف
التاريخ فاتحاً
أرحم من العرب).
عندما يستطيع
المسلمون أن
يفهموا دينهم حق
الفهم ويدركوا أن
الجهاد القتالي
كان وسيلة وليس
غاية, وأن تأسيس
المجتمع المتماسك
الخالي من الفساد
هو خطوة سابقة
على جهاد الدفع,
وأن جهاد الطلب
بمعناه القتالي
غير وارد عندما
تتاح وسائل
الدعوة السلمية,
وعندما يجتمع
العرب على هدف
واحد مشترك في
فهم رسالتهم
الخالدة الحقيقية
بالتبشير بهذا
الدين كما في
سورة
الزخرف:(وإنه
لذكر لك ولقومك
وسوف تسألون) عبر
الأخلاق والقيم
الفاضلة فسيدخل
الناس في دين
الله أفواجاً,
وحينها فقط سيكون
المستقبل
للمسلمين في
أمريكا وليس كما
كتب ذلك الأمريكي
العنصري.
الوطن
السعودية
21/8/2006