في مقالتي
الأخيرة (الوجه
الآخر لإرهاب
المجتمع.. هل نحن
أمام الجريمة
المنظمة؟) عرضت
قصة شاب مقيم في
مدينة الرياض
تعرّض لعملية خطف
تحت تهديد السلاح
واغتصاب من قبل
خمسة مجرمين, وقد
أوردت بعض القصص
الأخرى المشابهة
كي لا يقال إنها
حالة فردية؛ وإذا
كان اغتصاب
الضعفاء جسدياً
كالإناث والأطفال
يعتبر جريمة لا
يمحو الزمن
آثارها بسهولة,
فكيف إذا وقعت
على رجل شاب؟ هنا
يعتبر هذا الفعل
جريمة بالغة
الشناعة لأنه
ينطوي على الشذوذ
ويحمل نوعاً من
القتل المعنوي
لرجولة الرجل,
وقد أوردت في
كتابي (ألف باء
الحب والجنس)
الآثار النفسية
التي تترسخ في
نفسية الطفل بعد
الاعتداء الجنسي
عليه, وهي نفسها
التي تصيب الأنثى
والذكر البالغين,
ومنها الشعور
بالكره البالغ
للنفس وللآخرين
والرغبة في إنهاء
الحياة بالانتحار
حيث كثيراً ما
يظن الضحية أنه
هو السبب الذي
جعل المجرم يطمع
به, وهذا المفهوم
الخاطئ تعزّزه
ثقافة المجتمع
تجاه الأنثى حيث
أنها المتهم
الأول إذا تحرش
الذكر بها,
ولدينا مثال قريب
من حادثة نفق جسر
النهضة, عندما
وُضع اللوم كله
على الفتاتين,
ولا يمكن لأحد أن
ينكر دور احتشام
الأنثى في إبعاد
نظرات الفسقة
عنها, ولكن عندما
نسمع عن جريمة
اغتصاب رجل عادي
لأنه خرج ليلاً
أو سار وحيداً,
فما هو المقترَح
حينئذ؟ هل نفرض
لبس العباءة على
الذكور أيضاً, أم
ننصحهم بالتزام
البيوت كالنساء؟
وصلتني بعض
الرسائل
المتفاعلة مع
قضية الشذوذ
وبالأخص إذا كان
على شكل اغتصاب,
ويثير عجبي
استغراق بعض
المشايخ بالدفاع
عن رأيهم في حجاب
المرأة وغطاء
الوجه على الرغم
من اختلاف الآراء
الفقهية فيه, دون
أن يجرّدوا
أقلامهم ولو مرة
واحدة للحديث عن
جريمة الاغتصاب
التي لم تعد تقع
فقط على النساء
أو الأطفال, وقد
أفادني أحد
القراء بقصة أب
تعرّض ابنه
للاختطاف
والاغتصاب, فلم
يتمالك نفسه في
صلاة الجمعة التي
تلت الحادثة إلا
أن يعنّف الخطيب
الذي يتطرق
لموضوع التشديد
على النساء
وضرورة التزامهن
بعباءة الرأس
وغطاء الوجه,
فصرخ الأب: لماذا
لا تتكلم عن
جريمة الوحوش
الذين اغتصبوا
ابني؟ هل أنصح
ابني بلبس عباءة
الرأس بدل عباءة
الكتف كي لا يغوي
أولئك المجرمين؟
وفي نفس عدد
الوطن الذي نشرت
فيه مقالتي
السابقة نشر
تحقيق هام عن بعض
مدارس جنوب جدة
التي يوجد فيها
كل أنواع
الرذيلة, وقد
أورد التحقيق ما
مفاده أن العقاب
طال المعلمين
الذين اعترضوا
على هذه الفوضى
الأخلاقية, بينما
أكّد المسؤول أن
الأمور على أفضل
حال, وكأن ما ورد
في التحقيق محض
خيال, ولكن
الحقيقة جاءت على
لسان بعض الطلاب
الذين وصفوا ما
يحدث بأنه
"مافيا"؛ وقد حوى
عنوان مقالتي
السابقة عبارة
"الجريمة
المنظمة" وهي
المعنى العربي
لكلمة "مافيا",
وقد كان اختياري
لتلك العبارة
مبنياً على
حيثيات جريمة
الاغتصاب التي
كتبت تفاصيلها,
فالجريمة تمت
بتنسيق عال بين
أفراد العصابة
الخمسة الذين
استقل أربعة منهم
سيارة هي التي تم
اختطاف الشاب
فيها, بينما لم
يكن في السيارة
الأخرى سوى
السائق؛ وكل منهم
له دور متفق
عليه, فالسائق في
السيارة الأولى
يقودها, والذي
بجانبه ينادي
الشاب, والذي في
المقعد الخلفي
يهدده بالسلاح,
والآخر الذي في
الخلف أيضا يكمّم
فمه ويعصّب عينيه
ويساهم في تخويفه
وإرعابه, ولا شك
أن السائق في
السيارة الأخرى
له دور في مراقبة
الطريق أو رد
التهمة عن
الأربعة الآخرين
إضافة إلى
اشتراكه في
اختطاف الشاب
واغتصابه وسرقته؛
وهذه كلها عناصر
جريمة منظمة, وهو
إن دلّ على شيء
فإنما يدلّ على
أن مستقبل هذه
العصابة يبشّر
بالازدهار
والتقدم لأنهم
يتعاملون بروح
الفريق, مما يعني
نمو جرأتهم
مستقبلا وارتفاع
عددهم بانضمام
آخرين إليهم
وتطوّر مقدراتهم
وقدح زناد
أفكارهم لابتكار
جرائم أخرى,
وبالتالي ازدياد
عدد ضحاياهم,
وماذا في هذا؟!
لا شيء سوى
انتظار الطوفان؛
فعندما ينتشر
الفساد الأخلاقي
بين الناس فهو
علامة منذرة
بالنهاية, حتى مع
وجود الصالحين,
ما داموا لا
يقومون بواجبهم
في النهي عن
الفحشاء والمنكر,
وقد سألت أم سلمة
الرسول عليه
الصلاة والسلام:
أنهلك وفينا
الصالحون؟
قال:(نعم, إذا
كثر الخبث).
المشكلة أن
مفاهيم النهي عن
المنكر مختلة لدى
كثيرين, فإذا كان
بعضنا يظن أن من
المنكر عدم تغطية
المرأة لوجهها
الخالي من
المساحيق أو دخول
شاب عازب إلى
السوق ليشتري بعض
حاجياته أو
مشاركة المرأة
للرجل في العمل
ضمن قواعد
الحياء, فإن
الأمور المترتبة
على إنكار هذه
الأمور أبعد أثرا
في نشوء المنكر,
إذ يمكن للمرأة
أن تستغل غطاء
الوجه لفعل ما لا
يرضي الله دون أن
تنكشف هويتها؛
ولأن أمثلة كثيرة
ستثير غضب من
يعيش في أبراج
الفضيلة التي
بناها في خياله
بعيداً عما يحدث
في الحقيقة فأبسط
مثال يرد هو
حوادث السرقات في
الأسواق التجارية
التي تقوم بها
النساء مما أدى
لتوظيف بعض
الإناث في الأمن,
وإن كان يصعب
عليهن الوصول
للسارقة إلا إذا
كانت متميزة
بضخامتها مثلا,
إضافة إلى تنكر
الإرهابيين
ومخالفي أنظمة
الإقامة وراء
العباءة وغطاء
الوجه؛ وأما منع
الشباب العازب من
دخول الأسواق
فأدى إلى
اصطحابهم لبعض
الفتيات أو
النساء غير
القريبات مقابل
مبلغ من المال
يدفعه الشاب لها
كي تدخله السوق
وقد يترتب على
هذا الأمر دفع
مبالغ أخرى لها
مقابل "خدمات"
مختلفة؛ وبالنسبة
للفصل الكلي بين
الجنسين في الأسر
والمدارس فإنه
جعل المجتمع أقرب
إلى عدم السواء,
إذ ينظر كل جنس
إلى الجنس الآخر
وكأنه مخلوق
فضائي لا يعرف
كيف يتصرف حياله,
وأكثر ما يشعر
المرء بالشفقة
تجاه طلبة
الابتعاث جراء
الصدمة الناجمة
عن اختلاف
الثقافات وبخاصة
ما كان موجَّهاً
نحو المرأة؛ ولا
ننس الشذوذ
الجنسي الذي
أصبحت وطأته –
خاصة في المدارس
والجامعات - أقوى
من أن تبقى طي
الكتمان
والتجاهل, وهو
ناجم عن عدة
عوامل, وإذا كانت
الإباحية أحد هذه
العوامل فلا ريب
أن الكبت هو عامل
آخر, لأن الشذوذ
لا ينمو في بيئة
سوية, وكل ما
يضاد الفطرة
يساعد الشذوذ,
وإن من فطرة الله
التي فطر الناس
عليها التعارف
والتعاون بين
الناس سواء كانوا
من جنس واحد أو
من جنسين
مختلفين.
المشكلة أن
جريمة كهذه حدثت
في مجتمع طالما
وصفته وغيري
بمجتمع الفطرة
السليمة لأنه لم
يخضع لما خضعت له
البلاد الأخرى من
تجربة الاستعمار
التي نجم عنها
فساد أخلاقي
وتدهور قيمي, لكن
يبدو أن الرهان
على الفطرة لا
يفشل في حالات
البلاد المستعمرة
ظاهرياً بقدر ما
ينمو في النفوس
المستعمرة
داخلياً؛ ولذا
فإنه من الواجب
تحليل جريمة
الاغتصاب في
المساحة المتبقية
للمقالة, فالعنصر
الأساسي فيها ليس
الشهوة الجنسية,
وإن كان الفعل
الجنسي موجوداً,
لكن الأساس هو
الإكراه والعنف,
إذ لا يمكن أن
تستسلم الضحية,
ذكرا كانت أو
أنثى, لهذا الفعل
إلا تحت تهديد
مادي أو معنوي,
والسؤال إذاً
يتمثّل في البحث
عن أسباب تشكل
الشخصية العنيفة
إضافة إلى أسباب
اختلال القيم
وموت الضمير
الخلقي, وعند هذا
الحد نرى أن
المشكلة تربوية
ثقافية بالأساس.
وإذا كان من
المسلَّم به أن
بعض الصفات
النفسية تنتقل
بالوراثة كالعناد
والعداء للآخرين
فإن البيئة
يمكنها أن تخفف
من هذه الصفات أو
أن تزيدها, وكلمة
البيئة تشمل
الأسرة والمدرسة
والمجتمع ككل,
فعندما تكون
البيئة الوالدية
محفوفة بالمحبة
والتفاهم والحوار
فإن الروح
العدائية تخفّ
لتصل إلى الحد
الأصغري, والبديل
الوحيد الذي
يحيّد العنف هو
التقبل والحوار
وإشعار الطفل
بالمحبة والجو
الأسري الآمن؛
والمشكلة أن
الشخص الذي يورّث
العنف للطفل عن
طريق
الكروموزومات –
كالأب والأم -
غالباً ما يكون
هو نفسه الذي
يشرف على تربيته؛
ويمكن حلّ هذه
المشكلة بإخضاع
الراغبين في
تكوين أسرة لفحوص
نفسية دقيقة
ولدورات في
التعامل مع الشخص
المختلف ومع
الأطفال, لأن
الأساس في تكوين
الأسرة هو تقبل
الزوجين لبعضهما
على اختلاف
عاداتهما
وطباعهما,
واختلاف الطبع
والشخصية لا يمكن
تقبله من الآخر
إذا لم يكن الشخص
متقبلا لذاته
بشكل سليم, وإذا
وُجد التقبل
ارتفع منسوب
الحوار وقلّت
مستويات العداء
والعنف والإكراه.
أما غياب
الضمير واختلال
المعايير الخلقية
فيستدعي التساؤل
عن ضعف الوازع
الديني في بلد كل
مظاهره تنطق
بالدين من
الملابس إلى
العدد الكبير
للمساجد إلى غلبة
المناهج
التعليمية
الدينية على
المناهج الدنيوية
إلى المحاضرات
التوعوية الدينية
إلى آخره, وهذا
التساؤل يؤكد على
أن الأمر لا
علاقة له
بالكثافة والكمية
بقدر ما له علاقة
بالكيف والنوعية؛
وبالطبع هناك
عوامل اقتصادية
كالفقر والحاجة
التي تعيق إرضاء
الشهوة بالحلال,
إضافة إلى
الإعلام الذي
يؤجج الرغبة
ويفرض ثقافة
القوة والعنف,
لكن عدم إشباع
الشهوة لا يبرر
جريمة الاغتصاب
فالرادع الأخلاقي
الفطري يمنع
الإكراه في الأمر
الجنسي الذي
يقتضي تبادلا
بالشعور
والإحساس, وهنا
تتبدى المشكلة
الحقيقية والتي
لا تحلّها كثافة
الجرعات الدينية
الموجودة حالياً,
فما نحن بحاجة
فعلية إليه هو
تعليم الإسلام
كدين إنساني قبل
كل شيء.
نشر في الوطن
السعودية
14/8/2006