تطالعنا الصحف المحلية
كل يوم بأخبار المجتمع
السعودي والجرائم التي
تحصل في قاعه السفلي, من
تهريب المخدرات وأوكار
الدعارة ومصانع الخمور
وغير ذلك من أنواع
الجريمة التي يمكن
تسميتها بالجريمة ضد
المجتمع, حيث أن مردودها
في الانهيار الاجتماعي
واضح جداً, من حيث ازدياد
عدد متعاطي المسكرات
والمخدرات, والذي ينتج
عنه ضياع العقول وخراب
البيوت ودمار الأسر, ومن
حيث عزوف الشباب عن
الزواج لتوفر السبل
المنحرفة لإشباع الرغبة
الجسدية, والذي ينجم عنه
ازدياد عدد العوانس من
الجنسين, كذلك من حيث
انتشار أمراض تنتقل
بالمقاربة الجنسية
وأخطرها التهاب الكبد بي
والتهاب الكبد سي وأخطر
منهما الإيدز؛ والمشكلة
لا تكمن في الجريمة نفسها
فحسب, إنما تكمن أيضاً في
تجاهلها والتقليل من
أخطارها, وكم من مرة
قرأنا عبارة مثل: (لم تصل
هذه المشكلة الاجتماعية
إلى حد الظاهرة), فإذا
بحثنا عن نسبة انتشار هذه
المشكلة نجد أنها فوق
20%, على سبيل المثال
يقارب العنف ضد الأطفال
نسبة 25% ومع ذلك صرح أحد
المهتمين بأن العنف ضد
الأطفال ليس ظاهرة,
والسؤال الموجه له: ما هي
النسبة التي تضعها لنسمي
الأمر الخطير ظاهرة؟ إذا
كان ربع الأطفال يتعرضون
للعنف الجسدي في البيوت
والمدارس – والنسبة أعلى
من ذلك لأن كثيراً من
الأطفال لا يعلم بالظلم
الواقع عليهم أحد – فمتى
يمكن أن نسميها ظاهرة؟ هل
حتى تخرب مالطة – كما
يقال – وينشأ لدينا جيل
مشوّه الفطرة يميل للعنف
أو يستكين للذل؟
سبق أن كتبت عن جريمة
اغتصاب الأحداث بعد
اختطافهم من الشارع أو من
أمام منازلهم, وذلك في
مقالتي (المثلية الجنسية
بين التحرش والشذوذ)
واستندت وقتها إلى أخبار
واقعية وردت في صحيفة
الوطن؛ وأذكر أن برنامجاً
كان يعرض على القناة
السعودية الأولى منذ أكثر
من عشر سنوات وكان من
أفضل البرامج على الإطلاق
إذ يقصّ المتعافون من
الإدمان تجاربهم - بعد
إخفاء معالم وجوههم-
لتكون قصصهم عبرة لأولي
الألباب, وكان من هؤلاء
المتعافين شاب قص الحادثة
التي أعادته لرشده وجعلته
يطلب العلاج, وهي تتلخص
في أنه كان وسيطاً بين
تجار لمادة الكوكايين
وتاجر لمادة الحشيش, وكان
هذا الأخير من أهل مكة
وقد طلّق زوجته وله منها
ابنة صبية تعيش معه
ويضاجعها, فلما التقى
هؤلاء المجرمون أبى تجار
الكوكايين أن يسلموه
البضاعة قبل أن يسلمهم
ابنته, فوافق وقاموا
واحداً بعد الآخر بفعل
الفاحشة معها دون أن
تستطيع التفوه بكلمة,
وكانوا يقومون بهذا الفعل
الحيواني أمام أعين بعضهم
بعضاً, وأمام عيني الشاب
الذي أراد الله لضميره أن
يستيقظ في تلك اللحظة
ويلجأ إلى المصحة ليعالج
ويشفى ويتوب؛ بعد أن كان
شاهداً على جريمة تقشعر
لها الأبدان.
في الأسبوع الماضي ورد
في صفحة المجتمع أن شاباً
مدمناً للمخدرات اغتصب
والده البالغ من العمر 50
سنة, وأوضح الخبر أن
عقوبة الإعدام في
انتظاره؛ وقبل ذلك بأشهر
قرأنا خبر اصطحاب والد
لابنته القاصر بعمر 12
سنة إلى الاستراحات حيث
يقوم بفعل الفاحشة معها,
وكلا الخبرين دارت أحداثه
– للأسف - في أقدس البقاع
بعد مكة أي في المدينة
المنورة؛ ومنذ فترة قريبة
قرأنا خبراً عابراً عن
جريمة اغتصاب وقعت على
شاب سعودي عمره 24 عاماً,
ولم يحتو الخبر ما يدل
على أن أحداً استدل على
مكان المجرمين أو
شخصياتهم, وقد يظن بعض
القراء أن صحيفة الوطن
تأتي بأخبار للإثارة,
خاصة عندما لا يكون هناك
أي شهود أو أي أسماء,
ولذا فأنا سأقص الجريمة
التي لم يعلم بها أحد
سواي, وليس لدي أي شاهد
عليها سوى ما قصّه علي
الشاب الضحية الذي لا
يهمني الانتقام له بقدر
ما يهمني أن يتوقف ما
يمكن تسميته بالجريمة
المنظمة, فضميري يأبى علي
أن أسكت عنها بعد أن علمت
بها, والساكت عن الحق
شيطان أخرس, والصمت سيشجع
المجرمين على تكرار
جرائمهم كل يوم,
والاعتداء على الأفراد هو
انتهاك لسلطة الدولة
وتحدٍ لأعراف المجتمع.
الشاب المجني عليه في
منتصف العشرينيات قضى
جزءاً من طفولته في مدينة
الرياض حيث كان والده
زميلا لي في العمل,
وانتقل الوالد إلى رحمة
الله إثر إصابته بمرض
السرطان فعادت الأسرة
المؤلفة من الأم والولد
والبنت إلى بلدهم الأصلي,
وبعد أن نال هذا الشاب
شهادته الثانوية وبعضاً
من الخبرة في الأعمال
استطاع أن يجد عملا في
مدينة الرياض براتب صغير
في إحدى الشركات التي
تخصص سكناً للعزاب,
ولجودة عمله وتفوقه فيه
وحسن تعامله مع الآخرين
منحته الشركة سيارة
تساعده على أداء عمله
وسُمح له باستخدامها
لأغراضه الشخصية داخل
الرياض. في الساعة
الواحدة ليلا من أحد أيام
الأسبوع الماضي خطر له أن
يذهب للبقالة ليشتري بعض
اللوازم, وبما أن البقالة
لا تبعد عن سكنه سوى ثلاث
دقائق سيراً على الأقدام,
فقد فضّل عدم استعمال
السيارة إذ لم يخطر له أن
طريقه إلى البقالة لن
يكون آمناً, ولم يخش عدم
وجود إضاءة في الشارع فهو
رجل وكل زملائه في السكن
يذهبون منفردين. عند
ناصية الشارع وقفت
سيارتان فأطلّ شخص ملثم
رأسه من إحداهما وناداه:
سلام يا طيب, فالتفت
الشاب ورد السلام, فطلب
منه أن يقترب ليسأله عن
محل سوبر ماركت معروف,
فاقترب الشاب واستطاع أن
يرى الأشخاص الأربعة
الموجودين في السيارة
الأولى ملثمين, وكون
اللثام عادة موجودة في
المجتمع السعودي فلم
يحذر, وهل ينجي حذر من
قدر؟!
بينما كان الشاب يحاول
أن يدلّ الرجل الجالس قرب
السائق على مكان السوبر
ماركت نزل أحد الجالسين
في المقعد الخلفي ووضع
سلاحاً حاداً في خاصرته
مهدداً إياه أن ينهي
حياته إن نبس ببنت شفة
وآمراً إياه أن يركب في
الخلف ودافعاً إياه إلى
السيارة بقوة, واستطاع
الآخر أن يكمّم فمه بسرعة
دون أن يتمكن من متابعة
أسئلته: ماذا تريدون مني؟
خذوا هاتفي المحمول..
خذوا نقودي.. خذوا كل ما
تريدون واتركوني..... لكن
المجرمين صموا آذانهم عن
سماع صوته, وانهالوا عليه
بالشتائم وهم يوثقون يديه
ويضعون السلاح على عنقه
فوق الوريد استعداداً
لذبحه مع أي حركة يأتي
بها؛ وانطلقت السيارة
بسرعة إلى إحدى
الاستراحات خارج مدينة
الرياض, وهو ما استطاع
الشاب أن يشعر به دون أن
يراه لأنهم عصبوا عينيه
بشماغ, وهناك قاموا
جميعاً بالتناوب على
اغتصابه أمام بعضهم
بعضاً, وأما الشاب فقد
كانت الصدمة والرعب
والألفاظ النابية
والشتائم السافلة والقذف
على الأرض كلها كافية لأن
يغيب عن وعيه تقريباً,
فلما انتهوا من فعلتهم
سحلوه على أرض الاستراحة
إلى خارجها ووضعوه في
صندوق السيارة الخلفي
وعندما وصلوا إلى الشارع
العام رموه خارجاً, بعد
أن سرقوا نقوده وهاتفه
المحمول؛ وانطلقوا
بسيارتهم دون أن يستطيع
تبين رقمها بسبب تعصيب
عينيه ودون أن يعرف أي
شيء عن شخصياتهم.
عاد الشاب إلى مسكنه
يجر رجليه جراً, حاملاً
معه عاره وذله, وما إن
طلع النهار حتى اتصل بي,
وهو يناديني (خالتي) منذ
طفولته, وشعرت بتغير في
صوته فسألته عما به,
فتردد أن يخبرني, ولكني
سألته بالله أن يطلعني
عما به, فاستحلفني بالله
ألا أخبر أحداً, ثم قص
علي ما جرى, وأخبرني أنه
سينتحر الآن, لتختفي
فضيحته معه إلى الأبد,
فتخيلت منظر والدته
المسكينة التي ربّته بعد
وفاة والده, وتذكرت أخته
التي يحبها كثيراً,
فاستحلفته بالله ألا
يفعل, وذكّرته بأمه وأخته
اللتين تنتظرانه خاصة أن
ذلك اليوم كان موعد بدء
إجازته وسفره إلى بلده,
فأخبرني أنه إذا سافر فلن
يعود أبداً, فهدأته
وذكرته بمدى حبه لهذا
البلد وكم كان سعيداً
عندما استطاع أن يؤدي
فريضة الحج ويزور الرسول
عليه الصلاة والسلام,
فأخبرني أنه بات يكره كل
شيء يذكره بالسعودية
وأهلها, فلم أستطع أن
أجادله وهو تحت تأثير
الصدمة, واتفقت معه على
أن يتصل بي بمجرد وصوله
إلى بلده لأنه لم يستطع
تذكر رقم هاتف أهله
ليعطيني إياه؛ وإلى الآن
مرّ على الحادثة عدة أيام
ولم يتصل بي, وأرجو ألا
يكون الشيطان قد سيطر
عليه بعد أن تعرض له
المجرمون من شياطين الإنس
وروّعوا فؤاده وانتهكوا
جسده وآذوا روحه.
كتبت هذه القصة
الحقيقية بعد أن وضعني
هذا الشاب أمام ضميري
وجهاً لوجه, وأنا بدوري
أضع المسؤولين أمام
ضمائرهم, لا لينتقموا
لذلك الشاب, فقد ذهب إلى
بلده بعد أن تركّز في
شعوره ولا شعوره ألم وعار
لا يمحوه الزمن, وبعد أن
تبدلت صورة السعوديين في
ذهنه من أناس طيبين محبين
للخير إلى صورة أناس
أشرار مجرمين, ولا مجال
لتبديل الصورة مرة أخرى
لديه, ولكن ما زال هناك
مجال لمنع تكرار تلك
الجريمة مع آخرين مواطنين
كانوا أو مقيمين, فهل
يتصدى لهذه الجريمة
وأمثالها حماة هذا الوطن؟
الإرهاب المعهود كان
ناجماً عن التكفير
والتشدد في الدين, وأما
هذه الجريمة وأمثالها فهي
نتيجة انعدام الحياء
والخوف من الله والتفلّت
من عقال الدين, فهل نجد
من يتصدى لها - أسباباً
وحلولاً ووقايةً وعلاجاً-
قبل أن تتحول الجريمة إلى
ظاهرة؟!
الوطن
السعودية 7/8/2006