هي عاصفة هوجاء ضربت
السفينة العربية
الإسلامية منذ مدة طويلة
أدت إلى ضياع البوصلة
التي تشير إلى الاتجاه
الصحيح, فهل ما نشهده هو
العاصفة أم آثار العاصفة
التي لا نعلم تحديداً في
أي زمان ولدت وفي أي مكان
بدأت؟ هل تعود إلى عصور
الانحطاط واستلام
العثمانيين لزمام خلافة
العرب والمسلمين لمدة
تزيد على أربعة قرون نامت
فيها الأمة في سرير
الغفلة حتى هاجمها
المتآمرون عليها باتفاقية
سايكس بيكو وزرع إسرائيل
في قلب الوطن العربي الذي
تحول لاحقاً إلى الشرق
الأوسط؟ أم هل السبب هو
الفكر المعتزلي في العهد
العباسي والذي كان من
ورائه الفرس الذين قلّبوا
أوراق الفلسفة اليونانية
فاستخدموها أداة لزعزعة
الإيمان بالغيب -
والإيمان لا يقبل التفلسف
– ومن ثم تحريض الخلفاء
العباسيين على المفكرين
والفقهاء الأحرار كابن
حنبل وغيره؟ أم هل ترجع
إلى اليهودي عبد الله بن
سبأ الذي بدأ ببث جذور
الفتنة بين المسلمين في
عهد عثمان بن عفان رضي
الله عنه والذي أخبر
معارضيه أنهم إذا قتلوه
فلن يجتمعوا على غيره
أبداً؟ أم هل تعود إلى
مقتل عمر بن الخطاب رضي
الله عنه على يد المجوسي
أبي لؤلؤة خاصة أن عمر
تنبأ بأن بينه وبين
الفتنة باباً مغلقاً فإذا
كُسر فإنه لا يغلق
مطلقاً؟
هذه التفسيرات تختلف في
دلالاتها ولكنها جميعاً
تشير بإصبع الاتهام إلى
المؤامرة على الأمة
العربية الإسلامية,
وبمناسبة كلمة المؤامرة
فيجب ألا نفوّت ذكر كتاب
"أحجار على رقعة الشطرنج"
الذي ينطلق مؤلفه
البريطاني من مؤامرة
الشيطان على بني آدم يوم
أن طرده الله من الجنة,
ومنطق المؤلف يجعل
للشيطان قدرات لامتناهية
تؤكد عجز البشر عن تغيير
واقع الحال, وهو الخطأ
الذي وقع به المسكونون
بفكرة المؤامرة على العرب
والمسلمين؛ بينما الأمر
في حقيقته ليس عجز البشر
– أو العرب والمسلمين –
لكنه التكاسل والتراخي
والتوسل ببعض الأمثال
الشعبية كقولهم:(كل عين
تبكي إلا عين أمي), فما
لم يصل الطوفان للدار فلا
بأس أن نلهو ونمرح بل
ونشارك في ضعضعة أساس
البيت من حيث لا ندري –
أو من حيث ندري - فإذا
جاء المد فلا ممانعة ولا
مناعة بل ما هي إلا ساعات
وكل البيوت اللاهية قد
انهارت على رؤوس أصحابها.
بعد هذه المقدمات سيسأل
بعض القراء عن الحلول,
وهو ما حصل بعد مقالتي
الأخيرة, والحل برأيي لم
يعد في يد العرب أو
المسلمين لوحدهم, إنما هو
في وحدة الفكرة الإنسانية
بأن البشرية كلها أسرة
واحدة, فما لم يتفق
العقلاء في العالم كله
على إدراك المؤامرة التي
ينضوي في شباكها الجنس
البشري والتي يرفع رايتها
المهووسون بالقتل
والمغرمون بمناظر الدمار
والراغبون بجمع المال
والواضعون أيديهم على
مصادر الطاقة في الكرة
الأرضية والحالمون
بامتداد الحروب إلى الكون
كله بما فيه من أفلاك
ونجوم, ومن ثم الاتفاق
على وضع حد لهذا التآمر
فسوف تستمر الحال من سيء
إلى أسوأ؛ وهذا الاتفاق
على فعل شيء يستدعي أن
يبدأ العقلاء العرب –
مسلمون وغير مسلمين –
بأنفسهم, وهذا مع الأسف
ما لا يحصل الآن لأن أغلب
عقلاء العالم العربي
والإسلامي ظنوا أن العقل
يقتضي التفكير بالمصلحة
العاجلة دون النظر إلى
الخسائر الآجلة, لا يختلف
في ذلك السياسيون ولا
الفقهاء ولا المثقفون,
فما على الناس الأضعف
مكانة وتفكيراً من حرج إن
تاهوا في الأزمات,
فالبوصلة ضائعة حتى أجل
غير مسمى؛ وإذا عقدنا
الأمل على عقلاء العالم
الحر وطلبنا منهم أن
يبدؤوا بالضرب في جذور
فلسفتهم الغربية بحثاً عن
الخلل فيها والتي تجعل
العقلية الغربية –
بمجملها - تنظر بعين لا
إنسانية إلى الإنسان بشكل
عام وإلى المسلم العربي
بشكل خاص, سنجد أن ذلك من
الصعوبة بمكان حيث أن
التربية نفسها ومناهج
التعليم تجعل غالبيتهم
غير قادرين على النظر
بحياد وموضوعية, فأين
المخرج من هذه الأمواج
المتلاطمة؟
وعوداً إلى الكبار في
البيت العربي من حكام
وفقهاء ومثقفين, فلا يمكن
الرهان على الحكام لأن
الوحدة العربية قد أثبتت
فشلها مرة تلو الأخرى,
والعامل الأساسي لفشلها
هو تعارض المصالح وضياع
الهدف المشترك ناهيك عن
وجود بعض المصابين بجنون
العظمة كصدام وأمثاله من
الذين طبخوا لحوم شعوبهم
في نار العبودية فلم يعد
العبد قادراً على صنع شيء
سوى أن يأمل بأن يؤكل
تدريجياً لا أن يشوى مرة
واحدة فيختفي إلى الأبد,
وبذلك ضاعت كرامة الإنسان
بعد أن فقد حريته, فكيف
لهذا العبد أن يحرر
الوطن؟ وقد قالها عنترة
لأبيه عندما طلب منه أن
يشارك في القتال فقال له:
كرّ يا عنترة, فقال:
العبد لا يعرف الكر؛ فقال
أبوه: كرّ وأنت حر, فقاتل
عنترة حتى دحر أعداء
القبيلة لأنه عرف أن جهده
لن يقطف ثمارَه أحدٌ
غيره, بل سيكون مستمتعاً
بحريته إبان النصر, وهو
الأمر الذي امتنع تحقيقه
لشعوبنا العربية, فبعد أن
تحررت من الاستعمار عبر
النضال الطويل والثورات
الدموية إذا ببعض الدهاة
يغتنمون الفرصة فيؤسسوا
لأنفسهم جاهاً كاذباً من
حب الناس ويسرقوا أموال
الجماهير الخانعة وبهذا
تصبح البلاد العربية
إقطاعية متوارثة من الأب
القائد إلى الابن الخالد,
فما إن يزول الاحتلال
والاستعمار حتى يتلوه –
على رأي علي شريعتي -
الاستبداد والاستحمار؛
وبالنسبة للفقهاء فقد جنا
السابق على اللاحق بمجرد
الإعلان عن غلق باب
الاجتهاد, وما إن فتحه
بعض العقلاء حتى تضاربت
الأقوال في أمور لا يجوز
فيها التضارب والتناقض,
وهي الأمور التي تحفظ
للإنسان مصالحه الضرورية
والتي وصفها الأقدمون
بالمقاصد الكبرى, حيث
يأتي الدين والنفس والمال
والعرض والأرض في أولويات
البشر, فاختلطت الأمور
على كثير من الفقهاء,
وتناسوا أن حفظ النفس قد
يكون مقدماً على حفظ
الدين في بعض الأحوال –
وليس مقدماً على حفظ
الأرض فقط- كما في السيرة
النبوية المكية حين أذن
النبي عليه الصلاة
والسلام لعمار بن ياسر أن
ينال منه شخصياً كي يكف
المشركون عن تعذيبه, كما
تجاهلوا أن النفس لا تكون
حية بدون حرية, فوضعوا
الأخلاق المستندة إليها
في التحسينيات أو
التكميليات, مع أن الحرية
هي الحياة والحياة هي
الحرية, ومع أن العبد في
الأصول الإسلامية - عندما
كان هناك رق- لا يناله من
العقوبة إن أخطأ ما ينال
الحر, لأن الحر إنسان
كامل والعبد ناقص
الإنسانية والأهلية,
ولذلك عمل الإسلام على
تحرير الرقيق لأن هذا
الدين العظيم أراد أن يصل
البشر جميعاً إلى
إنسانيتهم وحريتهم
وكرامتهم؛ أما المفكرون
والمثقفون فما إن
استفاقوا بعد عصور
الانحطاط حتى انقسموا بين
معجب بالثقافة الغربية
إلى حد الوله, وبين نائم
في أحضان الثقافة
الإسلامية بما فيها من
فقه تراثي أكل الدهر عليه
وشرب, وبات التعرض لكلام
المشايخ كأنه تعريض
بالإسلام نفسه, ومن عاب
على بعض الطوائف تقديسها
لأئمتها ومشايخها وقع في
نفس الحفرة عندما يمس
النقد جلباب شيخه؛ عدا أن
المفكرين والفقهاء
المحسوبين على التيار
الإسلامي لهم حساباتهم
الخاصة مع الحكومات فلا
يصح أن يخرج أحدهم عن
المصلحة العامة والتي هي
في الحقيقة مصلحة الحاكم
الخاصة, كما أن للفقهاء
خواطر في ما بين بعضهم
بعضاً يجب مراعاتها مما
يمنع أحدهم أن يشذ عن
إجماع, كذلك فلا بد لهم
وللمفكرين من إرضاء عواطف
الغوغاء, والأمثلة من
اللحظة الحاضرة أكثر من
أن تعد, فيكفي أن فقيهاً
سنياً من بلد عربي نادى
بالجهاد أيام الغزو
الأمريكي للعراق على أساس
حكم جهاد الدفع بأن ينضم
العرب المسلمون لنصرة
العراقيين, أما الآن فقد
تغير حكمه بالنسبة للبنان
فيجب أولا أن يأذن
الحاكم؛ ولا ننسى إشادة
اتحاد علماء المسلمين
بأسر حزب الله للجنديين
الإسرائيليين؛ وأخيراً
فقد اعتبر مفكر شيعي
السيد حسن نصر الله سيد
الأمة, مع أن صواريخ حزب
الله تدك القرى والمدن
التي يسكنها فلسطينيو 48
والذين لا مأوى لهم من
الدمار سوى بيوتهم
المتهالكة.
إذاً فالشاهد الأخير على
فقدان البوصلة هو نسيان
الآية الكريمة في سورة
الفتح والتي تدل على سبب
منع الله للمسلمين من
اقتحام مكة قبل صلح
الحديبية:(وَلَوْلاَ
رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ
وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ
لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن
تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ
مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ
بِغَيْرِ عِلْمٍ), لذا
يصعب الخروج من حالة
التشاؤم المسيطرة بعد أن
توزعت المشاهد النازفة
حتى الآن بين الصومال
وفلسطين والعراق ولبنان,
وإذا هدأ النزف قليلا
فإنه سيعود قريباً بسبب
الأيديولوجيات الأصولية
التي تحكم العالم, فما
تفعله إسرائيل ومن ورائها
السياسة الأمريكية سيزيد
من التحولات الأصولية على
الضفة الأخرى, وهذا
الظواهري يؤكد لنا بمظهره
القادم من عصور "علي بابا
والأربعين حرامي" أن
القاعدة لن تسكت على ما
يحصل في لبنان وفلسطين,
وهكذا هو يعدنا أن ما حدث
في العراق سيتكرر في
البلدين الجريحين, وهذا
ما يجعلنا نتساءل عن
القاعدة كأداة يستخدمها
أعداء البشرية عامة
وأعداء العرب والمسلمين
خاصة, حين يغوصون في
مستنقع أفعالهم فلا
يستطيعون الخروج منها إلا
باستدعاء الأصولية
الإسلامية المتطرفة,
وبهذا يمكننا من الآن
قراءة الفاتحة على روح
المقاومة – على علاتها-
في كل من لبنان وفلسطين,
وسنرى قريباً كيف سيتحول
خطاب الظواهري الطارد
للطائفية في ظاهره إلى
أفكار طائفية بحتة حين
يقوم رجاله القاعديون
بزرع الأرض ألغاماً تحت
أقدام المقاومين, خاصة أن
التربة موحلة وجاهزة
للاستنبات الحزبي
والطائفي بسبب تضارب
المصالح بين الإخوة
الأعداء في الأرض العربية
ولا حول ولا قوة إلا
بالله.
الوطن السعودية
31/7/2007