الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) حزب الله انتقم للجار فأهلكَ أهل الدار!
 
 
 

ما إن أغلقت المدارس أبوابها حتى بدأ أغلب اللبنانيين المقيمين في المملكة بحزم حقائبهم استعداداً للسفر إلى موطنهم الأصلي وذلك للقاء الأهل بعد غياب عام كامل, وشاركهم عدد كبير من السعوديين الذين فضّلوا قضاء إجازاتهم السنوية في لبنان, حيث يشترك سحر المرتفعات الجبلية مع جمال الساحل البحري في تشكيل بيئة طبيعية فواحة بالبهجة تطبع المزاج العام للشعب اللبناني بالمرح والرغبة في الاستمتاع بكل مباهج الحياة؛ وكان ممن سافر إلى لبنان صديقة عزيزة مع أسرتها إذ يقطن أهلها وعائلة زوجها في بيروت, وعندما تبادلنا أطراف الحديث قبل سفرها أخبرتني أن أهلها يسكنون في الضاحية الجنوبية من بيروت حيث مقر حزب الله, وعقبّت ضاحكة:(الله يستر) محاولة منها أن تخفي قلقها من عدم سفر زوجها معها لارتباطه بعمله في جدة, وهي بحاجة إليه كأي امرأة بلغ أولادها سن المراهقة, والمراهق كل ساعة في حال.

لم يمر أسبوعان على سفرها حتى أرسلت لي رسالة قصيرة على هاتفي المحمول تخبرني بأن أخا زوجها قد توفي في حادث سيارة في أمريكا, وأن زوجها اضطر لأخذ إجازة طارئة لمشاركة أهله حزنهم والوقوف بجانب والده العجوز في هذه المحنة, فاتصلت بها وقدمت لها العزاء هاتفياً؛ وفي اليوم التالي سمعت خبر اختطاف حزب الله لجنديين إسرائيليين, وتوالت الأخبار بعد ذلك تحمل رد الفعل الإسرائيلي الذي تمثّل بقصف المطار والضاحية الجنوبية في بيروت وحصار لبنان براً وبحراً وجواً, وكان وقع الخبر أليماً علي وعلى كثيرين لأن تصرف حزب الله لم يكن إلا كمن لعب بعشّ الدبابير المجنونة أصلا, فإسرائيل كانت تقصف الفلسطينيين بهمجية بالغة كوحش خطف له الآدميون ابنه, وقرر حزب الله أن يزيد هياج الوحش, بذريعة الانتقام للفلسطينيين الأبرياء, وكان هذا القرار وبالا على لبنان وعلى أهله الذين لا ذنب لهم إلا أنهم فتحوا بيوتهم وقلوبهم لحزب الله كمقاومة مشروعة في وقت سابق؛ وكان من الواضح أن ردّ الفعل الإسرائيلي المبالغ به في الحالة الفلسطينية واللبنانية لا يعني إلا شيئاً واحداً هو أن إسرائيل كانت تنتظر الفرصة المناسبة لتنفيذ مخططاتها, وهكذا نحن دائماً ننفّذ مخططات أعدائنا ونمكّنهم من الوصول إلى أهدافهم بغبائنا, والتاريخ يعيد نفسه في حالة ابن لادن الذي شوّه صورة الإسلام بتنفيذ جرائمه وعلى رأسها جريمة 11 سبتمبر ومن وقتها اقترن اسم الإسلام بالإرهاب, وقبلها في حالة صدام واعتدائه على الكويت الذي أدى إلى تدخل الغرب وفرض حصار اقتصادي على الشعب العراقي وهو الأمر الذي انتهى بدخول القوات المحتلة وتدمير العراق كما هو الحال الآن, وليس انتهاء بحالة الزرقاوي ومقاومته الإجرامية والتي أدّت إلى خلط أوراق المقاومة الشريفة بالإرهاب وإذكاء روح الفتنة الطائفية, وكل هذه الأخطاء ليس منبعها إلا غرور القيادات القومجية والإسلاموية, هذا الغرور هو الوتر الذي يتقن أعداؤنا العزف عليه بصورة مستترة إضافة إلى لعبهم دون خجل على أوتار أخرى وقت الحاجة كالكيل بمكيالين واستعمال حق النقض "الفيتو" لمناصرة الظالم على المظلوم والاعتراض على الديموقراطية عندما تأتي بغير من يرغبون, وأخيراً إعطاء الفرصة لإسرائيل لتقصف لبنان أسبوعاً آخر, ولا أدري عند نشر هذه المقالة ما الذي سيكون قد بقي من لبنان؛ ومع ذلك وإنصافاً للحق يحسن القول أن كل مكائد أعداء الإسلام في كفة وتفرق أبناء الإسلام وضعفهم وكرههم لبعضهم وأنانيتهم وصلفهم المزعوم في كفة أخرى.

وعوداً إلى صديقتي فقد شاركني الألم الناجم عن سماع الأخبار ابني الكبير حيث أنه صديق حميم لابنها الكبير, وشعرت بالقلق يعتصر ابني كما يفعل بي فاتصلت بصديقتي وعلمت منها أن والدها الذي كان حديث العهد بعملية قلب مفتوحة ووالدتها الكبيرة بالسن والمصابة بعدة أمراض قد هربا من منزلهما خشية الموت بنيران القصف الإسرائيلي, وأن الله لطف بصديقتي وبعائلتها الصغيرة إذ كانت ببيت أهل زوجها في ذلك الوقت, وسألتها إن كانت تستطيع العودة بعد الحصار فأخبرتني أنها تركت الحقائب وجوازات السفر في بيت أهلها, فأنهيت محادثتي الهاتفية وأنا أدعو الله جهراً وسراً أن يسلمها وعائلتها وكل الأبرياء في لبنان, وعدت إلى ابني فطمأنته وطلبت منه أن يدعو الله لهم بالسلامة؛ وتناوشتني مشاعر شتى بعد ذلك تراوحت بين القلق على صديقتي وعائلتها الصغيرة وبين الخوف على والديها المريضين, ولاحت لي خيالات مرهقة بين تخيل صديقتي وقد فقدت أحداً من أبنائها أو أحبائها, وبين تخيل ابني وقد فقد أعز صديق له وهو في سن المراهقة حيث الصدمة ستكون كبيرة وغير مسبوقة, فلجأت إلى الله واستعذت به من الهواجس, وبتّ على أمل أن تستطيع صديقتي الوصول إلى جوازات سفرها, وراودني هاجس في موضوع الجوازات أصارح به القارئ الكريم ليرى كم يكون الإنسان ضعيفاً عندما يمسّ الخطر أحباءه وأصدقاءه, فقد أخذت وقتها أتساءل عن وجود شخص قريب لصديقتي يستطيع أن يخاطر بنفسه ليحصل على جوازات السفر القابعة في بيت أهلها في الضاحية الجنوبية, وقلّبت كل الاحتمالات الممكنة فأبوها كبير في السن ومريض لن يستطيع الإقدام على تلك المخاطرة عدا أنه لو مسّه سوء فإن صديقتي لن تسامح نفسها أبد الدهر لأنها من النوع الحساس جداً, ففكرتُ في زوجها لكن لو فقدته لفقدت الأسرة عائلها, ففكرت في ابنها ذي الأعوام الستة عشر وخطر لي كم سيكون مفجعاً أن تفقد أم ابنها في أي عمر كان فكيف إذا كان غضّ الإهاب كهذا الشاب, حتى قادني التفكير إلى تساؤل خيالي محض وهو عن وجود شخص قريب لصديقتي ولكنه "مقطوع من شجرة" فلا يحزن عليه أحد, وعندما وصلت إلى هذا التساؤل غير المنطقي- وهو غير منطقي إذ كيف يكون قريباً لصديقتي ومقطوعاً من شجرة في نفس الوقت!- علمت كم أن رغبتي بوصول صديقتي وعائلتها سالمين قد حجبت التفكير المنطقي عن عقلي, فهذه الرغبة قد أشعلت فيّ خاصية الأنانية ولو أنها أنانية المحب الراغب في عدم فقد من يحب, الأمر الذي نجم عنه فقداني للمنطق كما زعزع إيماني ولو لفترة بسيطة, هذا الإيمان بأن لكل أجل كتاب, وأنه كما قال تعالى:(ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً ولا تدري نفس بأي أرض تموت).

الأنانية التي استحضرتها في مثالي الشخصي يمكن الربط بينها وبين المثال العام, والذي نحن بصدده حالياً, وهو تفرّد حزب الله لوحده بقرار الحرب وإدخال اللبنانيين في أتونها دون أن يكونوا مستعدين لها ودون أن يسألهم أحد عن توقيتها, فأغلب الناس قصدوا لبنان بغاية لقاء أحبتهم أو للترويح عن أنفسهم وهي غايات مشروعة بغض النظر عن الوسائل المتاحة لتحقيق ذلك, فلست هنا بصدد محاكمة النوايا كما فعل بعضهم عندما لم ير في لبنان سوى ساحة فسق ومشروع مجون فاستنتج أن ما يحدث هو تدمير إلهي لقوم مفسدين, فهذا التأويل المتشدّد للآيات القرآنية في كل مرة تهتز الأرض بالزلازل أو المتفجرات أو غيرهما وتنزيلها في غير موضعها هو مما يزيد الناس جراحاً على جراحهم, والله سبحانه قال:(ولا تزر وازرة وزر أخرى), ولكن يمكن تنزيل الآية الأخرى (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها, قلتم: أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم) على تصرف حزب الله, فلست أحاكم نيّته وهل يخدم أغراضاً إقليمية متضاربة مع مصلحة لبنان - وإن كان الحكم على النوايا السياسية مما يجوز للمراقبين السياسيين- وإذا وافقت على أن حزب الله يريد الانتصار للفلسطينيين, فيمكنني القول أنه كما غشّى حبي لصديقتي ورغبتي بسلامتها على تفكيري المنطقي, كذلك فإن محبة حزب الله للفلسطينيين جعله يضحي باللبنانيين, فهل من الحكمة والمحبة أن تنتقم لجارك فتهلك أهل دارك؟!

استطاعت صديقتي الفرار بعائلتها بعد أن خاطر والدها المريض بحياته ودخل الضاحية الجنوبية بمجرد أن هدأ القصف قليلا وعاد بجوازات السفر وسلّمها لابنته وودعها, ولكنها ما زالت تعيش قلقاً على أهلها كما أن القلق على لبنان يسيطر على كل محب لذلك البلد الصغير الجميل؛ واستقراء هذا القلق الجماعي والذي يتكرر مع كل مشهد عربي مماثل يوحي بأنه نتيجة أخطاء عربية متراكمة فالعبارة القرآنية السابقة (قل هو من عند أنفسكم) هي قانون إلهي, والخطأ الأساسي لدى العرب الذين يجمعهم رابط الدين أكثر من أي رابط آخر أنهم لا يدركون معنى الأمر الديني بتلاوة سورة الكهف كل يوم جمعة, فهذه السورة تنتهي بآيات تجعل العمل غير مقبول عند الله إلا إذا اقترن فيه تحرّي الصواب مع إخلاص النية, فنحن بين ثلاث فئات: فئة لم تتحرى الصواب كما فعل حزب الله في مغامرته الأخيرة, وفئة لا تخلص النية كبعض الإعلاميين والسياسيين المزايدين على العروبة والإسلام وينضم لهؤلاء تجار المآسي والحروب, وفئة غوغائية باعت عقلها لإحدى الفئتين السابقتين, وبين كل تلك الفئات لا يوجد بصيص ضوء إلا من خلال حلم بمعجزة إلهية, وإن كان زمن المعجزات قد ولى!

الوطن السعودية 24/7/2006

 

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |