وصباح هذا اليوم الذي أخطّ فيه سطوري
للقارئ كنت أمارس رياضتي الصباحية قرب
النافذة فجذب انتباهي منظر حمامة تختفي في
كوة منزل أعلى من منزلي, ثم تظهر ذيلها ثم
تختفي فلا أسمع إلا هديلها وهي تسبح الله
ككل مخلوقاته, ثم يعلو صوت فيروز من منزل
مجاور بأغنية قديمة "سائليني حين عطرت
السلام"؛ ولا تستطيع ذهنية التحريم أن
تطال أغنية رائعة كهذه الأغنية التي تمور
بحب الوطن, فقد تغنى بلال بمكة المكرمة
حتى قال له النبي عليه الصلاة والسلام
تأثراً:(يا بلال دع القلوب تقرّ)؛ وهنا لا
بد من الإشادة بقرار خادم الحرمين
الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز
بتعليم رقصة العرضة السعودية للطلاب في
المدارس وهي فولكلور سعودي أصيل وبهي
وجميل).
هذه فقرة من مقالة كتبتها لمجلة تعنى
بالثقافة والتربية, ونُشرت المقالة بدون
هذه الفقرة, ولا أستطيع الجزم بسبب الحذف
لأن المقالة نفسها حوت فقرة عن الحب
البشري وردت فيها بعض الكلمات التي كنت
أتوقع لها الحذف فلم تحذف, وإذا أحسنت
الظن أرجعت السبب إلى محدودية المساحة
المخصصة للمقالة, وإذا أسأته فسرت ذلك
بأنها رقابة مزاجية أكثر منها منطقية؛
وهذا ليس موضوعنا اليوم, إنما أتيت
بالاستشهاد أعلاه لأطرح بعض التساؤلات حول
تحريم الفن والرياضة علماً بأني لست من
المغرمين بسماع الأغاني حالياً وليس لدي
الوقت الكافي لمتابعة أخبار الرياضة, ولذا
فإن حديثي ليس دفاعاً عن حقوق الكهول من
أمثالي الذين شربوا كؤوس الحياة مترعة
بحلاوتها ومرارتها؛ لكن دفاعي عن الشباب
الذين حرمت عليهم الفتاوى المتشددة
الاستمتاع ببعض أوقاتهم وتنويع حيواتهم
وإغناء دواخلهم بالفن موسيقى ورسماً
ومنعتهم من تطوير قدراتهم بالألعاب
الرياضية الفردية والجماعية, مما نجم عنه
وجود شباب يكرهون الحياة ويحبون الموت, إذ
لم يعلّمهم أحد معنى أن تكون حياتك في
سبيل الله؛ وبمقابل هذه الفئة ارتدت فئة
أخرى على كل هذا التشدد والتحريم فوجدت أن
الأسهل هو تحليل كل شيء لنفسها حتى لو نتح
عن ذلك ازدواجية رهيبة أو شعور قاتل
بالذنب؛ وفي حالتي التشدد والتفلت فإن
المصير واحد وهو الموت في سن الشباب حتى
لو كان الإنسان حياً ظاهرياً.
بالنسبة للغناء بشكل خاص فقد امتلأت
صفحة نقاشات بالآراء المؤيدة بالأدلة على
إباحة الاستماع للغناء بموسيقى أو غير
موسيقى وذلك ردا على المفتين بالتحريم,
ولا أدلي بدلوي هنا لأوضّح الواضح, لكن
المشكلة برأيي تتلخص في الخلط بين الغاية
والوسيلة, فالغناء بصوت أو بآلة هو وسيلة
لغاية, وقد تكون هذه الغاية هي الترويح عن
النفس كأناشيد الرسول عليه الصلاة والسلام
وصحابته وهم يبنون مسجد المدينة أو يحفرون
الخندق أو.. أو, وقد تكون تعبيراً عن تأثر
وعاطفة كشوق بلال لمكة, وقد تكون لإظهار
فرح بعرسٍ أو بعيدٍ, وقد تكون لأي غاية
أخرى كعلاج مريض نفسي أو تخفيف الألم أو
غير ذلك, فما دامت الغاية مباحة فالوسيلة
تأخذ حكمها.
وقد أفرد العلامة إبراهيم بن علي
الوزير في كتابه القيم "على مشارف القرن
الخامس عشر الهجري.. دراسة للسن الإلهية
والمسلم المعاصر" فصلا كاملا بعنوان
"التفرق في الدين" ذكر ظاهرة معاصرة
جانبها التوفيق ألا وهي القطع بالرأي باسم
الإسلام وكأنه رأي الإسلام القاطع لا مجرد
ما توصل إليه الباحث أو المجتهد, وقد نتج
عن هذه الظاهرة اضطراب في أحكام شرعية,
منها ما له علاقة بالغناء والموسيقى
والترفيه البريء, وخلاصة ما استنبطه الشيخ
الوزير أن المحرم في الفن هو تصوير معالم
الوثنية وتجسيدها, أما الفنون التصويرية
البعيدة عن ذلك فهي داخلة في نطاق
"التعبير الجميل" فالتعبير بحروف وكلمات
ووزن موسيقي – عروض – يطلق عليه (شعر),
وبأصوات بشرية ذات ألحان يطلق عليه (غناء)
وبأصوات آلية ذات نمط معين يطلق عليه
(موسيقى) وبريشة فنان يطلق عليه (رسم)
وبآلة نحت يطلق عليه (تماثيل) ولقد كان من
نعم الله على نبي من أنبيائه مما امتن
الله به عليه (النحت):((يعملون له ما يشاء
من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور
راسيات, اعملوا آل داود شكرا وقليل من
عبادي الشكور)) وبآلة تصوير يطلق عليه في
الاصطلاح المعاصر (صور) ويَفصل المؤلف
بينها وبين المعنى اللغوي الذي يطلق على
(التماثيل الوثنية للآلهة) فهذا النوع من
التصوير محرم قطعاً, وكذلك التماثيل
لتخليد العظماء سواء استحقوا ذلك أم لم
يستحقوه, ونحوه مما يستخدم لعبادة الأشخاص
نحتاً أم رسماً إذا كان مما يؤدي إلى نوع
من (الرق النفسي) المهيئ لظهور الطواغيت
وما يسمى بعبادة الشخصية, مما لا يتلاءم
مع المنحى العام لتحرير الإنسان في
الإسلام؛ وفي نهاية الكتاب أورد المؤلف
عنواناً لعشرين كتاباً في جواز الغناء
بصوت أو بآلة وضعها فقهاء قدماء كابن
قتيبة وابن حزم والشوكاني وابن دقيق العبد
والحافظ الحنبلي وغيرهم, واستشهد بما جاء
في كتاب "نظام الحكومة النبوية المسمى
بالتراتيب الإدارية" من أن عبد الله بن
الزبير كان له جوار عوّادات وأن ابن عمر
دخل عليه وإلى جنبه عود فقال: ما هذا يا
صاحب رسول الله؟ فناوله إياه فتأمله ابن
عمر وقال: هذا ميزان شامي؟ فقال ابن
الزبير: توزن به العقول؛ وورد في الكتاب
نفسه أسماء المغنيات في العهد النبوي منهن
جميلة وأرنب وزينب, وكن يلتزمن الآداب
الإسلامية بالطبع.
بعد هذا كله فمن الغريب أن نسمع فتاوى
بتحريم الغناء جملة وتفصيلا لدرجة تحريم
أغاني المطرب المسلم العالمي سامي يوسف
لأن فيها موسيقى, مع أن كلماتها تنطلق من
الحس الإنساني السليم وتراعي الذوق
والدين؛ ولو كان الغناء محرماً لما سمح
الرسول عليه الصلاة والسلام للمرأة
السوداء أن تبر بنذرها وتضرب فوق رأسه
بالدف, ولأخبرها أنه لا نذر في حرام, ومن
يقول إن الغناء مباح مع الدف فقط دون
المعازف الأخرى, فالرد عليه من عمل ابن
الزبير بالمثال الوارد أعلاه, وتساؤل ابن
عمر يدل على أن العرب في ذلك الوقت لم
يعرفوا العود لأن بيئتهم لم تكن تهتم
بالفنون.
وتحفل صحيفة الوطن بأخبار وتحقيقات
يحسن الاستشهاد بها لغرابتها فمنذ عام أو
أكثر ورد خبر عن منع عروض الدلافين التي
يستمتع بها الأطفال لأنها مصحوبة
بالموسيقى, فحُرم الأطفال من بهجة
مشاهدتها وحُرم الأهالي من رؤية أطفالهم
مبتهجين؛ ويوم الجمعة الماضي ورد خبر
مماثل عن رجل أعمال سعودي اضطر لإلغاء
المشاركة في أحد المهرجانات الترويحية
وسحب فريق سيرك ترفيهي استقدمه من مصر تحت
ضغط رسائل الجوال والانترنت؛ والغريب في
الخبر أن رجل الأعمال عرض على المنتقدين
تقديم الفقرات بدون موسيقى لكنهم رفضوا,
والذي يمكن استنتاجه من خبر كهذا, أن هناك
فريقاً من المسلمين يظنون أن الإسلام
يتعارض مع أبسط متع الحياة, أما الحقيقة
فهي أن القلوب تملّ وإذا ملّت عميت كما
قال عليه الصلاة والسلام, وهي لذلك بحاجة
إلى الترويح والترفيه وإلا فإن عمى القلب
يؤدي إلى مشاعر غليظة تسبب أفكار تعيسة
ينتج عنها تصرفات همجية, فالمشاعر الغليظة
هي الرغبة في إنهاء حياة كهذه تنعدم فيها
أسباب البهجة والأنس والاستمتاع, والأفكار
التعيسة الناتجة هي البحث عن أقصر طريق
للوصول إلى الجنة التي تحوي كل هذه
المعاني المحرمة في الدنيا, والتصرفات
الهمجية هي النحر والانتحار على طريقة
الإرهابيين.
أما منظومة التحريم في الرياضة فيكفي
كمثال ما حصل للمنتخب السعودي الذي وصل
إلى المونديال, فعندما لعب أمام المنتخب
التونسي كان واضحاً أن اللاعبين التونسيين
استفادوا كثيراً من اللعب للمنتخبات
الأوربية طوال العام, وهو ما تحرمه فتاوى
بعض المشايخ على اللاعب السعودي إذ تفهمه
أن السفر لبلاد "الكفار" حرام, فمن أين له
أن يكتسب الخبرة وهو لا يغادر بلده؟ بل
كيف تكون نفسيته وهو يعتقد أن رحلته إلى
البلد الذي يقام فيه المونديال حرام في
حرام؟ وبالطبع لا ننسى خبر المدرب الذي
أراد لفريقه السعودي أن يقوم ببعض
التمارين على أنغام الموسيقى, فتمّ طرد
المدرب رغم أنه على حق فالموسيقى تمنح
راحة للنفس مما يُفسح مرونة للجسد.
إن الفنون على أنواعها- والرياضة
بأشكالها - هي لغة مشتركة بين البشر, لا
بد من إعلاء قيمتها في المجتمع الواحد
للرقي به, فالفن هو روح الثقافة, والثقافة
روح المجتمع, والشباب روح الأمة, وهم
الذين تنضح أجسادهم ونفوسهم بالطاقة
والحياة, وينطبق عليهم مبدأ أن الحياة
تكره الفراغ, والمبدأ الآخر أن الطاقة لا
بد لها من إفراغ كي لا تسبب الكوارث, كما
أن هذه الفنون لا بد من تقديمها بأحسن
صورة للمجتمعات الأخرى, ليعلم الآخرون أن
في ديننا فسحة كما قال الرسول الكريم,
ولقد كان انجذاب بعضهم للجمال سبباً
لدخوله في الإسلام, ومنهم السفير الألماني
السابق مراد هوفمان الذي ذكر أن أحد عوامل
اعتناقه دين الإسلام رؤيته لقصر الحمراء
في إسبانيا, مما جعله يتساءل عن هذه
الحضارة التي أبدعت كل هذا الجمال.
الوطن السعودية 17/7/2006