وسبب طرحي لهذا السؤال قراءتي لخبرين في يوم واحد
أحدهما نقله موقع العربية.
نت بتاريخ23/6/2006
عن صحيفة مصرية والآخر من صحيفة الشرق الأوسط في
عددها
10070,
فأما الخبر الأول فهو عن طالبة بالصف الأول
الثانوي في مصر تقدمت لامتحانات نهاية العام
فأجابت عن أسئلة اللغة العربية كلها بشكل كامل,
وكان موضوع التعبير عن النمو الاقتصادي في بلدها,
فكتبت الفتاة رأياً عزت فيه سبب التخلف إلى النظام
الاستبدادي وأمريكا معاً,
فما كان من المصحح إلا أن هرع بورقة الإجابة إلى
مدير المدرسة الذي أوصل بدوره الأمر
"الجلل"
إلى مدير التعليم فخضعت الطالبة لجملة من
التحقيقات المخابراتية طرحت عليها بعض الأسئلة مثل:
هل تنتمي لتنظيم سري أو لأي معارضة؟ وانتقلت حمى
الهوس الأمني إلى وزير التعليم الذي أصدر قرارا
بحرمان الطالبة من متابعة امتحانات آخر العام
وحرمانها من الدراسة في العام المقبل؛ وأما خبر
الشرق الأوسط فهو عن أستاذة انكليزية
- 86
عاماً
-
تعدّ لشهادة الدكتوراة في الأدب رغم حصولها على
شهادتين جامعيتين في الأربعينات من القرن الماضي
وعملها بمهنة التدريس
40
عاماً,
ومن أطرف ما ورد في الخبر أن هذه السيدة تقرّ بفضل
البريد الالكتروني المبارك الذي ساعدها لتطلّ على
قراء صحيفة الغادريان لأنها تعاني من نقص السمع
بسبب تقدم العمر مما يجعل لقاءها وجهاً لوجه أو
بالهاتف متعذراً,
وكان أستاذها في جامعة أكسفورد الذي يتابع
أطروحتها
-
ويصغرها بعشرين عاماً
-
اعترض على إعطاء لقب أكبر طالب جامعي لشخص غيرها
يقلّ عمره عدة سنوات عن عمرها,
وذلك بسبب احتفاء البريطانيين بالمعمّرين؛
والمفارقة بين الخبرين تُنتج بعض الاحتكاك في
الذهن فيصدر عنه سؤال خجول:
تُرى من هم الأشخاص الذين يُحتفى بهم على طول
"الوطن
العربي"
وعرضه؟!
ويرى القارئ الكريم أني وضعت كلمة
"الوطن
العربي"
أعلاه بين مزدوجتين,
وذلك لأن مقالتي عن شبابنا الذين فقدت كلمة
(الوطن)
بريقها في أعينهم؛ وفي حديث تنفسّتُ فيه أوجاع
القلب مع صديقة مثقفة عربية,
سألتني وكأنها تطرح السؤال على نفسها وتفكر بصوت
عال:
لماذا خفتت نزعة حب الوطن في قلوب أبنائنا لدرجة
أن غالبيتهم تبحث عن طريقة للهرب منه؟ فأجبتها:
تصوَّري والداً تخلى عن ابنه في فترة طفولته وأيام
مراهقته وهي المرحلة التي يحتاج فيها إلى السند
العاطفي والاحتواء العقلي أكثر من أي وقت آخر,
ثم كبر هذا الشاب واستطاع الوقوف على رجليه بعد
مغالبة الشدائد التي مرت به,
فما هو شعوره إذا التقى بوالده الذي تنكر له
سابقاً؟ هل يلام هذا الشاب إذا لم يشعر بأي رابط
يربطه بهذا الوالد؟ فوافقتني قائلة:
إن تنكر الولد لوالده الذي رباه واعتنى به وهو ما
يطلق عليه اسم العقوق
-
رغم صعوبته وبشاعته-
أهون من تخلي الوالد عن ولده وقت احتياجه له.
وأشركتني صديقة أخرى في همها الحالي وهو البحث عن
كلية تناسب ابنها الذي تخرّج من الثانوية بمعدل لا
يتجاوز
80%,
وهو معدل ليس ممتازاً ولكنه يصنَّف في مرتبة الجيد,
فأخبرتها بما أعلمه عن معاناة بعض العائلات عندما
تخرج أولادهم من الثانوية بمعدل مماثل في السنوات
السابقة إذ تقل حظوظ هؤلاء الطلاب في الدراسة
الجامعية,
وإن كان مجال التعليم المدفوع مفتوحاً أمامهم في
بعض الفروع؛ لكن مشكلة الطالب ليست محددة بالسؤال:
ماذا يختار؟ لكن:
كيف يختار؟ ولماذا هذا الاختيار؟ هل هذه الدراسة
الجامعية متلائمة مع قدراته من جهة ومناسبة لطموحه
من جهة أخرى؟ وهنا تظهر أسئلة ملّحة أخرى يصعب
إيجاد أجوبة لها مثل:
كم عدد الطلاب الذين يلتحقون بالجامعات أو
بالكليات دون أن يكون المعدل هو وراء اختيارهم
للفرع الذي سينتسبون إليه؟ كم عدد الآباء والأمهات
الذين يناقشون ميول أولادهم وبناتهم ليتعرفوا على
ما يناسبهم؟ والسؤال الذي أعتقد أن جوابه صفر:
كم عدد المدارس التي تهتم بطلاب صف الثالث الثانوي
فتبحث معهم محاسن ومساوئ المهن التي يرغبون بها
مستقبلا؟ هل تعقد هذه المدارس اجتماعاً يحضره
أصحاب المهن المختلفة كالأطباء والمهندسين
والتقنيين والمحاسبين وغيرهم ليبينوا لطلاب الثالث
الثانوي مساوئ ومحاسن كل مهنة ويتناقش الجميع مع
الآباء والأمهات في مستقبل شخصي على مستوى الأفراد
ومستقبل عام على مستوى المجتمع؟ وأما السؤال
الأصعب فهو:
كم هي نسبة فائدة الدراسة الجامعية النظرية في
الحياة العملية؟ والسؤال الأكثر صعوبة هو:
ما مدى تناسب مخرجات التعليم مع الحاجة الفعلية
لسوق العمل في البلاد العربية؟
وعوداً للسؤال:
لماذا عجائزهم يبدعون وشبابنا ينتحرون؟ فالمقالة
ليست مخصصة للبحث عن الجذور التي تجعل الشباب
مهيئين لأن تغسل عقولهم مياه الأيديولوجيا
الإرهابية,
فقد قُتلت جذور الإرهاب بحثاً وأُشبعت دراسة,
وإن كان من المناسب هنا التنبيه إلى أن شجرة العنف
لا تنبت بين يوم وليلة في نفس الشاب,
بل إنها تعود إلى أسلوب تربوي خاطئ في الطفولة أهم
ملامحه هو الديكتاتورية والاستبداد بالرأي وغياب
ثقافة الحوار,
وهو ملمح واضح في ثقافتنا العربية وليس فقط في
أساليبنا التربوية,
فغياب حرية الرأي والتعبير هو أهم سمات هذه
الثقافة,
وهذا الغياب تختلف أسبابه من بلد عربي لآخر,
ويمكن تصنيفها
-
تبعا للبلد العربي الذي تنتمي إليه
-
تحت عاملين:
العامل الأول هو قمع الجهاز السياسي كما في المثال
الذي صدّرت به المقال,
وإن كنت قد قرأت خبراً يوم الخميس الماضي في جريدة
الحياة مفاده أن كتلة حقوق الإنسان في البرلمان
المصري اعترضت على قرار فصل الطالبة وطالبت بردّ
الاعتبار لها وتعويضها عن الضرر الذي لحق بها
نفسياً وامتحانياً؛ وهذا المثال يقودنا إلى العامل
الثاني لغياب حرية الرأي وذلك في البلاد التي
يُحرِّم فيها بعضُ رجال الدين مسمى المجتمع المدني
ومؤسساته,
فمثال الطالبة المصرية يوضح لنا أن هذه المؤسسات
ما هي إلا للدفاع عن حقوق الإنسان,
وهذا بدوره يقودنا إلى تساؤل حول ثقافة الحوار
التي تصادرها فئة تحتكر الحقيقة المطلقة وتسارع
إلى اغتيال الرأي الآخر وتدعي أن ثوابتها هي ثوابت
الشرع مع أن ثوابتها ليست ثابتة بل تزيد وتنقص حسب
المصلحة الخاصة,
وهو ما يتجلى في بعض البلاد الإسلامية كإرهاب فكري
يمنع حرية الرأي نتيجة طغيان المؤسسة الدينية ليس
فوق آراء النخبة المثقفة فحسب بل على قرارات
النخبة السياسية.
وعلى كل حال فأياً كان سبب غياب حرية الرأي:
أهو استبداد سياسي أم طغيان ديني فمن السهولة
الاستنتاج أنه عندما تغيب حرية الرأي فإن الخوف هو
الذي يستشري ليتضخم فيما بعد متحولا إلى نفاق,
فمن يخاف لن يعبر عن قناعاته,
وإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:(ما
وجدت أذهب لعقول الرجال من الطمع)
فإن الحياة علمتني أن هذه المقولة صادقة أيضاً لو
استبدلنا كلمة
(الطمع)
بكلمة
(الخوف),
فما وجدت أذهب لعقول الرجال وأضعف لنفوسهم من
الخوف؛ وأما من تشجع في عالمنا العربي ليصدع
بالحقيقة فإن أمامه الكثير من التحديات أبسطها أنه
بحاجة إلى أن يضيف على الحقيقة أرطالا من
"الماكياج",
وإذا كان مقبولا أن تحتاج الحقيقة إلى بعض التجميل
لتكون محبوبة مثلها مثل العروس التي تُزَّف إلى
عريسها,
فإن حقيقتنا
-
للأسف
-
ليست إلا أوجاعاً وآلاماً لا تحتمل التجميل بقدر
ما تتطلب الكشف والمعالجة وإجراء الجراحة الضرورية
لاستئصال أماكن الترهل التي تكدست شحومها على
الجسد العربي فأصبح عاجزاً عن الحركة,
معوقاً عن التطور والنمو,
غير قادر على اتخاذ موقف موحّد من قضايانا
المصيرية,
ولن يزيد الماكياج حقيقتنا إلا بشاعة وقبحاً,
ولن تكون الحقيقة,
وهي التي تستمد اسمها من الحق,
سوى عجوز متصابية تلطّخ وجهها بالأبيض والأحمر
كمهرج اعتلى حلبة السيرك.
على ذكر العجائز فقد تابعت برنامجاً وثائقياً عن
حياة
"أينشتاين"
وكانت نهاية البرنامج عن نهاية عمره الذي قضاه في
التأمل والتفكر فوصل إلى قانون النسبية الذي غير
كثيراً من الرؤى الكونية,
وقبل أن تفارق الروح جسد الرجل العجوز طلب نظارته
وآلة حاسبة وأمسك بالقلم ليعيد صياغة قوانينه
الأخرى فشطب منها ما شطب وأبقى ما أبقى قائلا:(يكفي
هذا والباقي لا داعي له)
وكان هذا المشهد كفيلا بأن تفرّ من عيني دمعة
حزناً على هذا العبقري الذي يصفه بعضنا بالكافر,
لأن
"المؤمنين"
منا – منذ
500
عام أو أكثر-
لم يقدموا للبشرية جزءاً مما قدّمه وأمثاله من
"الكفار",
كما نزفت عيني الأخرى دمعة على روح الإبداع التي
ماتت في شبابنا,
لأنه حيث تختفي الحرية يموت الإبداع,
والشباب وهم أمل الأمة لا أمل أمامهم ولا إبداع
ينتظرهم,
حتى لو اقتحموا أسوار الجامعات عن جدارة ورغبة,
فالبطالة بانتظار
25
مليونا منهم,
وهذا الرقم المخيف مفاده أنه على طول
"الوطن
العربي"
وعرضه سيوجد لدينا قريباً خمسة وعشرين مليوناً قد
سُدّت الآفاق في أوطانهم,
ولن يكون أمامهم إلا الانتحار
(الحقيقي)
عبر بيع عقولهم لمؤدلجي الإرهاب أو الانتحار
(المجازي)
من خلال الهجرة لبلاد الحرية بكل ما فيها من مخاطر
غير محسوبة وعواقب غير آمنة.
الوطن
السعودية 3/7/2006