الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) خدمات ليست كالخدمات
 
 
 

بعض مشاهد المسلسل السوري "مرايا" تتعشق الذاكرة فلا تبارحها, وهي تلك التي تتحد فيها تأثيرات الصورة المرئية والصوت الموسيقي, وإذ يؤدي دور البطولة للمسلسل الفنان ياسر العظمة فإنه يأتي بإبداعات فنية ينبع تأثيرها من كونها تضرب على أوتار الواقع المأزوم؛ على سبيل المثال نراه في أحد المشاهد يحاول السير في شوارع مدينته فلا يستطيع ذلك إلا بشق النفس بسبب الحفر المتواصلة والأبنية العشوائية, فتارة يمشي متأرجحاً كي لا يقع في حفرة, وتارة أخرى يبحث عن مخرج فيختفي من أرض بناء ليظهر على سطح بناء آخر, وطوراً يتسلق حائطاً بشكل مائل, ومرة يشمر عن ساقيه كي لا يخوض في بركة ماء, وهكذا.. معبراً بأغنية, كلماتها ليست كالكلمات, عن سوء حظه وسخطه على هذه المعيشة؛ وفي حلقة أخرى يتابع مشوار مراياه رافعاً صوته بأغنية تصوّر معاناة المواطن مع خطوط الهاتف أو موظفي البريد أو وسائل النقل العام؛ ويكمل العظمة إبداعاته في حلقة ثالثة بتمثيل دور العائد من الغرب وعندما يأتي معارفه للسلام عليه يحدثهم عما رآه في البلاد المتقدمة, وكلما أخبرهم بشيء يُستدل به على التطور والنظام واحترام الإنسان قال قائل منهم بالعامية السورية: "متل عنا فرد شكل" بمعنى أن لدينا مثل ما لديهم تماما !
كل هذه المشاهد وغيرها تهب رياحها على ذاكرة الإنسان عندما يكون لديه معاناة مشابهة, فأهل جدة لا يكادون يفتقدون الحفر في شوارع مدينتهم المحبوبة يوما إلا ويرونها قد فتحت أفواهها ثانية في اليوم التالي, وإذا كان ياسر العظمة يشرح في أغنيته الجميلة أن الحفر مرة من أجل مواسير المياه ومرة أخرى من أجل خطوط الهاتف ومرة ثالثة من أجل تحسين شكل الشارع, فإن ما يحدث في جدة غير ذلك - ربما لأن جدة غير!- فمن يراقب الحفريات يرى أنها لحل مشكلة الصرف الصحي فقط وهي المشكلة التي لا يعلم أحد كم سنة مضى عليها دون حلّ, ولعل أحد الأسباب يكمن في استبدال التوكل على الله بمفهوم التواكل, وهو ما يمكن استنتاجه من هذه العبارة المكتوبة على بعض اللوحات الموضوعة قرب أماكن الحفر إذ تقول:"لنتعاون على حل مشكلة الصرف الصحي إن شاء الله".
إذا فكّرنا بإعراب الجملة السابقة فإن حرف اللام في كلمة "لنتعاون" ليس له إعراب سوى أنه لام الأمر, فهناك أمر أو طلب بالتعاون لحل هذه المشكلة, ولا يمكن أن تكون لام التعليل مثلا لأنه لا يوجد جملة قبلها تعلّلها, لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كانت لام أمر فلم أُتبعت بعبارة "إن شاء الله"؟ لنفترض أن أستاذا يأمر تلميذا بكتابة واجبه أو يطلب منه مسح السبورة فهل يمكن أن يقول له: اكتب واجبك إن شاء الله أو لتمسح السبورة إن شاء الله؟ إن التلميذ إذا سمع هذا الكلام يصدر من أستاذه بهذه الصيغة فسيسترخي لأن كلام الأستاذ يحمل مبرراً له كي لا ينفذ الأمر, وإذا كان الأمر موجهاً للتلاميذ جميعاً: لتذاكروا دروسكم أيها التلاميذ إن شاء الله, فسيستلقي بعض التلاميذ المشاغبين على ظهورهم وتجلجل ضحكاتهم في أذني الأستاذ الساذج الذي يفتح لهم باب الهروب من المذاكرة. ومع ذلك فإذا تجاوزنا هذا الخلل النحوي وتساءلنا: من هم الذين يُطلب منهم التعاون؟ فالجواب أنهم ليسوا العمال بالتأكيد إذ المعتاد أن المسؤول عن أي عمل يصدر أوامره للعمال دون أن يكتب لافتة يحثهم على العمل يقرؤها غيرهم, مما يستنتج معه أن المقصود بهذا الطلب هم الناس الذين يستخدمون الشوارع ذات البطون المفتوحة, وهؤلاء منهم أصحاب السيارات الذين يبدو صبرهم قد طال ومركباتهم قد اتسخت أو "تبهدلت", ومنهم الغلابة الذين يستخدمون القطار رقم 11 أي الأرجل, والذين يتوجب عليهم أن يفتحوا أعينهم جيداً في الليل والنهار كي لا تبتلعهم حفرة هنا أو فتحة مصرف هناك؛ وبالطبع فإن أغلبنا يذكر الأخبار السيئة التي تطالعنا بها الصحف المحلية بين الحين والآخر عن طفل أو مسن ابتلعته حفرة ولم يستطع أحد إنقاذه, وهي حالات أشبه بالقتل الخطأ, لذا لا بد من مراقب للعمال يكون مسؤولا عنهم فحياة الناس ليست لعبة لتترك بين يدي عامل قد لا يدرك معنى أن يفقد المرء أحد أعزائه, ربما لأن هذا العامل فقد كل شيء عندما ترك أولاده وأحباءه فتحول إلى آلة تعمل بمرتب شهري لا يتجاوز بضعة مئات من الريالات؛ وكما أن حياة الناس مهمة فكذلك أوقاتهم ومصالحهم - وسياراتهم - التي تتعطل نتيجة التوقف بعد كل حفرة وعلى رأس كل شارع.
أما المشكلات الأخرى التي تظهر في شوارع جدة عدا مشكلة الصرف الصحي, فهي مشكلة الروائح الناجمة عن تراكم الأوساخ في بعض الأمكنة والأحياء, مما يتعارض مع المظهر الحضاري الذي يجب أن تبدو به عروس البحر الأحمر, وتزيد هذه المشكلة في كل صيف نتيجة لارتفاع درجات الحرارة وكذلك نتيجة لتزايد عدد القاطنين صيفاً والذين يفضلون جدة كمكان للاصطياف, وكما أن حوادث المرور حاضرة كل العام, فكذلك هي مشكلة اصطفاف السيارات خاصة قرب المؤسسات الكبيرة التي تضم الكثير من الموظفين دون أن تهيئ لهم مكاناً لسياراتهم فيتم رَكنها بشكل عشوائي مما يزيد من نسبة الحوادث أو يعيق حركة المرور في تلك الشوارع, والمشكلة الأكثر إلحاحاً هي مشكلة المياه والوانيتات التي تسد كل منفذ, ناهيك عن صعوبة الحصول على المياه أحيانا, خاصة في مواسم الازدحام كالصيف ومناسبات العمرة والحج.
لا ريب أن ما ذكرته قد ذكره كتاب كثيرون غيري في هذه الصحيفة وغيرها, كل ذلك من مبدأ حبهم وغيرتهم على سمعة الوجه البحري للمملكة, ولكن مقالتي عن الخدمات بشكل عام, وليس عن خدمات جدة, التي تفتقد كمدن المملكة الأخرى إلى وسائل تنقل عمومية, ففي كل بلاد العالم هناك وسائل نقل عامة فوق الأرض وتحت الأرض, وجميل أن تبدأ المدارس الحكومية بتبني مشروع لنقل الطلاب والطالبات كي تخفف من الزحام, ولكن من ينقل المدرسات والموظفات إلى أعمالهن وعددهن في ازدياد؟ ليست كل الأسر قادرة على دفع مرتب السائق وبعضها قادرة لكنها لا ترغب بإدخال شخص غريب يطلع على أسرار العائلة, وقيادة السيارة للمرأة ليست حراماً ولا عيباً ولكنها قد تزيد الزحام زحاماً, فالحل - مؤقتا خاصة في المدن الكبرى - يكمن في شبكة مواصلات يصبح معها تنقل النساء أسهل خاصة مع ازدياد شكوى النساء من السائقين الذين يتحكمون بمصائر السيدات اللواتي استقدمنهم, وأصدق صيحة برأيي هو ما كتبته السيدة وفاء بكر يونس في مقالة قديمة لها بصفحة نقاشات عندما تحدثت عن معاناتها مع السائقين لدرجة أنها تعاملت مع سبعة منهم دون أن تستطيع الاعتماد على أي منهم في إيصالها إلى عملها.
أما الهاتف فهو يأتي على رأس قائمة المشكلات فالإعلان يقول إنك تحصل على خط خلال يوم, ولكن تركيب الخط في الواقع لا يتم قبل أسبوعين, والإنترنت من الخدمات التي لا يستطيع أحد أن يستغني عنها, فإذا اشتركت في "إيزي نت", فستجد أنها "هارد نت" فدقيقة واحدة مخصصة لاستمتاعك بالولوج إلى الشبكة العنكبوتية, ثم تفقد الاتصال, فتعاوده مرة أخرى, وهكذا, دقيقة للاتصال, ودقيقة أخرى أنت موصول, وثالثة أنت مقطوع, لا قطعك الله, والهاتف يسجل عليك مبلغا إثر مبلغ, فتفكر بالخط الرقمي السريع, وستكون محظوظاً إذا تم تركيبه خلال أسبوع, وستأتيك رسالة قصيرة تبشرك بتركيبه لكنك تفاجأ أن خطك الهاتفي قطع, فتتصل لتسأل عن فاتورتك آلياً فيأتيك الجواب أنها صفر, فتعيد الاتصال لتكلم الموظف الذي يخبرك أن فاتورتك قد تجاوزت الحد الائتماني في يوم واحد بسبب اشتراكك بالخط الرقمي السريع, والتي تعني إضافة 300 ريال اشتراك و200 ريال حد ائتماني كفاتورة مسبقة الدفع, ومن الغريب أن يدفع الإنسان فاتورة قبل أن يستفيد من الخدمة المقدمة خاصة أن بإمكان شركة الاتصالات قطع الخدمة بأي وقت يحصل معه تأخير بالدفع, والأغرب منه أن يقطع عنك خط الهاتف رغم أن فاتورتك ما زالت طازجة ولم تخرج من فرن كمبيوتر موظف السنترال إلى الآلة التي تجيبك بدلا عنه, والأشد غرابة أنك بعد أن تدفع المبلغ الفلاني كاشتراك في شركة مزودة للإنترنت وبعد أن يؤكد لك موظف الاتصالات أن خدمة الاتصال الرقمي السريع موجودة وتعمل, تضطر لأن تأتي بكهربائي ليوصل لك هذه الخدمة بعد أن تدفع مبلغاً آخر غير الذي دفعت؛ وإذا كانت شركة الاتصالات قد تطوعت بالتبرع لمشاريع صحية في سبيل خدمة المجتمع فهو مما تشكر عليه بالطبع, لكن لا يعني هذا أن تنقلب الأمور, لأن من البديهيات أن يؤدى الفرض قبل النفل, والواجب قبل التطوع.
كل ما ذكرته ليس إلا من باب الأمل في أن ترقى الخدمات المقدمة إلى مستوى أفضل, فخدمة الاتصال الرقمي السريع موجودة في مصر - وهي ليست بلداً غربياً - منذ عام تقريبا ومجاناً لكل الناس, فما المانع أن يكون لدينا مثل ما لدى إخوتنا المصريين "فرد شكل"؟

الوطن السعودية 26/6/2006

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |