|
|
انشغلت صديقتي العزيزة
بالطب البديل فترة من الزمن كانت خلالها تطبق كل ما تقرأه على أسرتها, فطعامهم
يكاد يكون نباتياً أغلب الوقت, إذ يخلو من اللحم والبيض والألبان والأجبان, وإن
كانت بين الحين والآخر تخرج عن هذه القواعد الصارمة لتقرّ أعين زوجها وأولادها
بأطايب الطعام, فكنت إذا علمت بذلك هنأتها بيوم العيد, مع أنه لا عيد ولا
يفرحون بل خروج عن المألوف, وكم ناقشتها في الأغذية الحيوانية التي تمد الجسم
بالحموض الأمينية الضرورية لتكوين البروتينات المهمة للجسم البشري, وخاصة
الحليب لأنه غذاء كامل إذ يحوي جميع المواد الضرورية لنمو الجسم وبنائه, وكنت
أستشهد بدعاء الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قُدّم له الحليب:(اللهم بارك لنا
في ما رزقتنا وزدنا منه) بينما كان يدعو إذا حصل على طعام آخر:(اللهم بارك لنا
في ما رزقتنا وزدنا خيرا منه).
ولأن صديقتي متمكنة من اللغة الانكليزية بحكم
دراستها لهندسة الالكترونيات في أمريكا فقد اطلعت
على كتب الدكتور "أندرو ويل" وهو مدير برنامج الطب
البديل في جامعة أريزونا, ومنها كتاب (غذاء متوازن
لأجل الصحة المثالية) وكذلك كتب الدكتورة "ليندا
بيج" ومنها كتاب (الشفاء الصحي) وكتاب (إزالة
السموم), ووصل اهتمام صديقتي بالطب البديل لدرجة
مراسلتهما شخصياً بحيث تطلّع على الجديد كل يوم,
ثم تدرجت من المعرفة بالكتب ومواقع الشبكة إلى
حضور مؤتمرات تعقد سنويا في بلاد الغرب لمتابعة
أخبار هذه الموضة الجديدة وأصدائها, ومن ثم انتقلت
ممارستها من الأسرة إلى المجتمع, فانضمت إلى
العاملين في مركز للطب البديل كمعالِجة أساسية؛
وبما أنها لم تكن دارسة للطب أساساً, فكثيرا ما
كنت أختلف معها في القناعات العقلية دون أن تفتر
بيننا العواطف القلبية, وفي الوقت الذي كانت
تستعين بي على ما فاتها من دراسة الطب وعلومه
الأساسية, كنت أستشيرها في حالة بعض مريضاتي
المصابات بالروماتيزم, بل في حالتي أنا شخصيا
نتيجة معاناتي من هذا المرض بسن مبكر نسبياً
لأسباب لا تهم القارئ بالطبع, وإنما أتيت بهذا
المثال لأدلّ على أنني لست ضد الطب البديل عموماً,
لكنني ضد الشطط والمغالاة بالاهتمام ببعض فروعه
خاصة تلك التي تتضاد مع عقيدتنا الإسلامية, وأقصد
تحديداً الطاقة الحيوية, وقياسها بأجهزة مخترعة
حديثاً, مع أن موضوع الطاقة الحيوية يعود في وجوده
إلى الصينيين القدماء الذين كانت الطاقة الحيوية
تشكل جزءا من معتقداتهم الدينية وهي معتقدات أقرب
إلى الوثنية منها إلى التوحيد.
لا زلت أذكر تلك الليلة التي قصدت فيها المركز حيث
تعمل صديقتي, لنعود معاً إلى منزلها الذي كان
مجاورا لمنزلي, فدعتني للدخول لتقيس مستويات
الطاقة الحيوية لدي, ولم أكن أملك أدنى فكرة عنها,
فدخلت لتأخذ مقعدها خلف كمبيوتر وأمامها جهاز ذو
مقبضين, طلبت مني أن أضع راحتَيْ يديّ عليهما, وأن
أستغرق بالتفكير في موضوع يشكل اهتماماً أثيراً
لدي, وبما أن الساعة كانت العاشرة مساء, وأنا من
الذين يأوون إلى فراشهم باكرا, فلم يكن بي رغبة أن
أفكر في شيء, فأغمضت عينيّ واستسلمت لاسترخاء قلما
يهيئ لي وقتي الممتلئُ الفوزَ به, اللهم إلا ما
أنتزعه غصباً من فم الزمن, فما مضت بضع دقائق إلا
وصديقتي تصيح بانبهار, ففتحت عيني وسألتها بدهشة
عن السبب, فطلبت مني أن آتي بسرعة لأرى ما ظهر على
شاشة الكمبيوتر كدلالة على طاقتي الحيوية الرهيبة,
فرأيت رسماً لجسد إنسان وقد صُبغت أجزاء منه
بألوان الطيف متدرجة من الأحمر حتى البنفسجي, على
شكل صور شموس متعددة, وأخبرتني صديقتي أن كل منها
تسمى (شَكرا), وأنها في عمرها كله لم تر شَكرات
بهذا الشكل من الجمال والقوة والتألق, ثم أطلعتني
على رسم بياني يدل على مستويات عالية من الطاقة
لدي في كل الشكرات وصلت إلى 98 – 100% فقلت لها
باستهبال: هذه الطاقة كلها وأنا نصف نائمة, فكيف
لو أتيتك في أول النهار؟!
لا أدري لماذا ظهرت تلك الألوان حقيقة, وماذا قاس
ذلك الجهاز, وماذا تعني كلمة الطاقة الحيوية؟ هل
هي الطاقة الروحية؟ فالروح لا يعلم أسرارها أحد,
وقد صار لي أسبوع أقرأ في كتاب عن تراث محيي الدين
بن عربي وطبقات الأولياء والمحلّقين روحيا, فإذا
فهمت شيئاً مما أقرأ تساءلت بيني وبين نفسي: لماذا
كشف الرجل هذه الألغاز التي لا يستفيد منها إلا
خاصة الخاصة – حسب مصطلحه العرفاني - والتي كُفِّر
من أجلها؟ وإن توقّف عقلي عند بعض الأمور ولم
يهضمها قلت: لا يحق لي أن أنكر خبرة لم أعاينها,
وخاصة أن لي تجربة في مرحلة الصبا ظن معها أهلي
أنهم أمام رابعة العدوية في القرن العشرين؛ ولقد
كانت بحق تجربة روحية ثرية, وما يزال لدي شيء من
إرثها إلى اليوم؛ ولكن كل التجارب الذاتية عموماً
والروحية خصوصاً لا يمكن أن تصل لاكتشاف ماهية
الروح فضلا عن أن تقيسها, لذا فالسؤال ما زال
يتردد: ما هي هذه الطاقة الحيوية التي كانت صديقتي
تقيسها؟
تغيرت قناعات صديقتي اليوم كثيراً عن ذلك الوقت
عندما استخدمت جهاز قياس الطاقة الحيوية لأول مرة,
فقد أخبرتني أنها مقتنعة بطب الأعشاب لأنه يستند
إلى منطق علمي وتجارب حقيقية وتأثيره ملموس في
كثير من الحالات - وبالطبع أنا أوافقها لأن كتاب
الأدوية الذي درسناه فيما مضى من سنوات الطب يبين
أن أكثر الأدوية مستخرجة من النباتات والأعشاب -
أما الطاقة الحيوية فهي لا تعتمد على أساس علمي أو
مبدأ منطقي يقبله العقل الواعي, حيث أن هذه الطاقة
والتي يمكن دراستها – حسب من يقتنع بها – من خلال
الشكرات, لا يمكن أن تعطي أي مؤشر عن الحالة
المادية للجسم وهل هو صحيح أو مريض, ومن خلال أكثر
من تجربة قامت بها صديقتي على المراجعين اكتشفت
أنه من الممكن أن تبدو الشكرات عند شخص غضبان
بألوان توحي بأنه مريض بالقلب دون أي فحص للقلب,
بينما إذا قيست وهو في حالة سرور تبدو الشكرات
بألوان أخرى, وقد تأتي امرأة بُح صوتها من الصياح
على أولادها مثلا فتكون شكرا الحلق ضعيفة الألوان,
فيخبرها المعالج أنها مصابة بالتهاب اللوزات, دون
أن يطلب منها أن تفتح فمها, وهكذا يمكن الإيحاء
للشخص بأنه مريض, وصديقتي تتساءل اليوم: إذا كان
الأمر على هذه الدرجة من السهولة فلماذا يتعب طلاب
الطب بالدراسة والممارسة, وخاصة أن هناك من يحاول
أن يسيء إلى سمعتهم أو بالأخص إلى سمعتهن؟
صديقتي تصارحني أنها تركت العمل في ذلك المركز
لأنها تأبى أن تنال رزقاً بالحرام الذي قوامه
الدجل على الناس, فصاحب المركز يريدها أن تقرأ
للناس شكراتهم لتطلعهم من خلالها على ما لديهم من
أمراض, حتى إنه يطلب منها أن تزور مدارس وكليات
لتكشف للفتيات عن أمراضهن, وكأنها (بَصّارة) تقرأ
لهن أبراجهن؛ وللمعلومية فقط فهناك سبع شكرات
واحدة تناسلية, وأخرى تسمى الضفيرة الشمسية عند
السرة, وثالثة تحت السرة, ورابعة للقلب, وخامسة
للحلق, وسادسة عند الناصية, وفي القحف أو قمة
الرأس شكرا يعتقدون أنها صلة الوصل بينهم وبين
العوالم الأخرى.
ساعد صديقتي أيضا على اتخاذ قرار الاستقالة من
العمل في ذلك المركز ما رأته من أمور لا ترضي
الضمير المسلم ولا الفطرة السوية, فطبيب ذكر يجري
(الحجامة) للنساء – والتلميح يغني عن التصريح- كما
يتم بيع جهاز (البَنْدول) الذي يستعمل في المركز
لكشف الأمراض حسب حركة اهتزازه, لكن يمكن للزبون
أن يشتريه ليستخدمه بغاية الكشف عن أي خطأ في أي
مكان, وقد وصل الحال ببعض السذج لشرائه كي يكشف به
صلاحية الأغذية في المطاعم والبقاليات!
الأنكى من ذلك أن صاحب المركز استقدم شخصاً من
خارج المملكة ليس له أي علاقة بمهنة الطب أساساً,
وقد أحضر معه جهازا كهربائيا ذا فولتاج منخفض يضعه
في مغطس فيه ماء وملح, ويطلب من الناس أن يضعوا
فيه أقدامهم ليخلص أجسادهم من سمومها فيخرج لون
أحمر أو بني أو أحمر غامق, ولا معنى لهذه الأصبغة
سوى أنها جزء من الخلايا المتوسفة أو قد تكون بعض
الشوارد التي يتم استبدالها بشوارد الصوديوم
الموجودة في الملح؛ لكن ذلك "المشعوذ" يقنع مرضى
الفشل الكلوي بعدم الذهاب للمركز المختص بغسيل
الكلى الذي يستغرق عدة ساعات, فجهازه يعمل في
ثواني ويشفط كل السموم من الجسم؛ وأما الحقيقة فهي
أن حالات المراجعين تتراوح بين من لا يكون مريضا
أساساً فيرتاح نفسيا فقط, وبين من تكون سموم
البولة والكرياتينين قد ارتفعت في جسمه فهو من سيء
إلى أسوأ, وإذا سئل هذا المشعوذ عن الحالات التي
تزداد سوءا, فإنه لا ريب سيجيب مثل فؤاد المهندس
في أحد الأفلام الذي مثّل فيها دور جراح, فأدخل
مريضاً إلى غرفة العمليات, وما إن انتهت العملية
حتى بشّر أهل المريض أن العملية نجحت ولكن مريضهم
مات!
|
|
|