الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) الحب والإسلام.. ديننا دين الفطرة
 
 
 

تعدّدت ردود الأفعال على مقالتي الأخيرة التي كانت بعنوان "الحب.. داء أم دواء؟", فقد اتصل بي أحد معارفي الذين يتابعون كتاباتي في "الوطن" دون غيرها وسألني: لماذا غيّرت الخط يا دكتورة؟ يقصد أني بدّلت نهجي في الكتابة فأجبته:(هذا ليس تغييراً بل هو تنويع, وحب التنويع فطرة في البشر لذا فهو ضروري كي لا يملّ القراء)؛ فالخط الذي انتهجته منذ بدء كتابتي في الشأن العام يُشغَل في كثير من أجزائه بالتأكيد على صيغة الإسلام الإنساني التي ترفع عن هذا الدين العظيم التهمَ التي رماه بها حقد الأعداء وأثبتها حمق الأبناء, وأبشع هذه التهم هو إفراغه من محتواه الإنساني, فالإسلام دين الفطرة الإنسانية, والحب فطرة في النفس البشرية, ولو أن هذا الأخ المتصل اطلع على استشاراتي في الحب لقرأ استشهادي بفكرة الشيخ البوطي من أن الإسلام لا يقول لك: لا تحب, لا تجع, لا تكره, لأنه ليس له حكم على العواطف فهي مما لا يُملك, لكن حكمه على التصرفات التي تنبع من هذه العواطف, فالإسلام يقول لك: إذا أحببت فلا تزنِ, وإذا جعت فلا تسرق, وإذا كرهت فلا تقتل, وقد كان البوطي سباقاً منذ خمسين عاماً إلى ترجمة قصة شعرية عاطفية من روائع الأدب الكردي إلى اللغة العربية بعنوان (مَمو وزين) وهي قصة عاشقين جمعهما الحب والوفاء وفرّق بينهما المكر والدهاء, فانتهى مصير الشاب "مَمو" إلى قاع الزنزانة, حيث تحوّل حب "زين" نتيجة صبره إلى حب لله سبحانه, فمات شهيداً للحب الإلهي, وأما "زين" فقد ماتت يوم دُفن فوق قبره فدفنت إلى جانبه, والقصة رائعة جداً, وهي الكتاب الوحيد الذي قرأته ثلاث مرات متباعدة, وفي كل مرة تمنحني نوراً وجدانياً مختلفاً عن المرة التي سبقتها لأن النضج المستمر يمنح الأمور والمفاهيم الحياتية معاني لا حد لها ولا حصر؛ وقد استشهدت بهذه القصة هنا كي أوضح أن الحب العفيف ليس حراماً كما ظن أحدهم, فقد أرسل لي يعنّفني طالباً مني أن أطلع على تعليقات الذين كتبوا آراءهم أسفل المقالة في موقع العربية.نت الذي أعاد نشرها مشكوراً, واتهم هذا الغضبان بعضهم بأنهم كتبوا عناوينهم الالكترونية للمعاكسة وأن أحدهم يبحث عن عنواني ليعاكسني شخصياً, فعدت إلى تعليقات القراء هناك فوجدتها معقولة جداً, والذين وضعوا عناوينهم لا يبدو أن أحداً منهم يقصد معاكسة أحد, والذي سأل عن عنواني اهتدى إلى موقعي وأرسل رسالة مهذبة يستطلع كيفية إرسال مشكلته إلي, فأخونا الغضبان يستهلكه ويحرق أعصابه سوء الظن بالناس فأنصحه بأن يخفف منه كي لا تتلف صحته, وأن يقرأ بعض الآراء المعتدلة عن الحب ككتاب ابن القيم "روضة المحبين ونزهة المشتاقين", وكتاب ابن حزم "طوق الحمامة", فهؤلاء فقهاء وازنوا بكتاباتهم بين متطلبات الروح وأشواق الجسد, أما من يحرّم الحلال فهو كمن يحلّل الحرام على رأي الداعية المرحوم علي الطنطاوي.

بمقابل هذه الرسالة الغاضبة وصلني كثير من الرسائل سواء على بريدي الالكتروني أو على هاتفي المحمول وكلها تشكرني على طرح هذا الموضوع, وبعضهم سرّه العنوان قبل أن يطلع على المقالة خاصة أن الكاتب امرأة لا رجل, حيث تبرر المجتمعات العربية للذكر ما لا تبرره للأنثى؛ وهذا التفريق بينهما ذكرته بشكل آخر الزميلة العزيزة مرام مكاوي في رسالتها التي سررت بها كثيراً, مع أنها ضمّنتها عتاباً لي على عدم اهتمامي بقصص الفتيات كما فعلت مع قصص الشباب إذ لم آتي على ذكر معاناة المرأة في الحب, فكتبت لها أني أوردت السبب في المقالة وهو أن الفتيات كن يخبرنني بقصصهن من وراء حجاب النت, ولم تبدُ آلامهن من الحب كالشباب الثلاثة والذين أعرفهم عن قرب وعشت معهم قصصهم  تقريباً لحظة بلحظة, فذكرت مرام في رسالة أخرى السبب برأيها وهو أن الفتيات لا يتجرأن أن يكتبن أكثر, حيث أن ما هو مباح للرجل ممنوع على المرأة, , فأخبرتها أني مستودع أسرار كثيرات منهن وأني استشهدت ببعض قصصهن في مقالاتي, ونسيت أن أخبرها أن معاناة المرأة من آلام الحب أكبر من الوصف, وأن الأنثى إذا خذلها الرجل الذي تحبه فإن عبء الحياة عليها أثقل بكثير من الرجل إذا خذلته المرأة, وأنا أقصد بالأنثى تلك التي تملك قلباً يضم حنان الأمهات وطهارة القديسات لا تلك التي تتصف بغلظة الفؤاد وشراسة الطبع وفظاظة الروح فهذه أنثى ممسوخة لا شأن لها بموضوعنا, أما الأنثى الحقيقية والتي تقدّر قلبها كجوهرة فلديها حذر تاريخي من الوقوع في حب رجل قبل أن يحبها, لأن الحب - كما يقول العالم النفسي تيودور رايك – من اختراع النساء, فهو الشيء الوحيد الذي يجعل الرجل مشدوداً للمرأة منجذباً إليها مخلصاً لها.

ولقد ذكرت في مقالة سابقة أن الرجال أقل إخلاصاً من النساء, وهو ما يؤكد مرة أخرى على أن الإسلام دين الفطرة, ففي حين لا يُطلب من الرجل الأرمل أو المطلِّق – أو حتى المطلَّق أي الزوج المخلوع – أن يحدّ أو يعتد بل يستطيع الزواج مباشرة, فإنه يُفرض على المرأة الأرملة أن تعتدّ أربعة أشهر وعشر أيام وعلى المطلقة ما يقرب من ذلك حتى لو كانت لم تبلغ سن الحيض أو بلغت سن اليأس, وليس ذلك بغاية التأكد من براءة الرحم من الحمل فقط, لأن من بلغت الستين من العمر وترمّلت أو طُلقت ليست بحاجة إلى الانتظار كل هذه المدة, وبالنسبة للشابات فإن دم طمث واحد يمكن أن ينفي وجود الحمل لديهن, ومع التقدم الطبي فقد أصبح متاحاً إثبات الحمل حتى قبل مجيء موعد الدورة الشهرية, لكن كل هذا لا يعفي المرأة من أن تعتدّ في حالتي الترمل والطلاق, والسبب أن حزن المرأة على زوجها الذي فارقها بموت أو انفصال لا يمكن أن يهدأ بين عشية وضحاها, فهي تمر بحالة من الانكسار لا توصف وخاصة إذا كان المفارق حبيباً, وقد عبّرت عن هذا عائشة الخثعمية عندما طلقها الحسن بن علي رضي الله عنهما ومّتعها بعشرة آلاف درهم, فقالت:(متاع قليل من حبيب مفارق) فهي لا تقصد أن المبلغ قليل بل هو مبلغ كبير بالنسبة لتلك الأيام, لكنها تقصد أنه لا يعوضها عن الحبيب الذي فارقها؛ وبعد كل هذا الشرح أنا أستغرب من الأخ نجيب يماني الكاتب في صفحة نقاشات والذي اعترض علي إذ ذكرت أن من حق المرأة أن يكون لها رأي في الطلاق, وكان واضحاً أني أقصد الطلاق الذي يخالف مقصد الشرع بما فيه الطلاق الالكتروني والبدعي والتعسفي وما شابه, فجاء بحديث (إن الطلاق لمن أخذ بالساق) ولكنه نسي حديث:(إن زوج المرأة عندها بمكان) وقد قاله النبي الكريم تعليقاً على الصحابية التي ذُكر لها أن أباها استشهد في غزوة معه فاسترجعت – أي قالت إنا لله وإنا إليه راجعون- ثم ذُكر لها أخوها فاسترجعت, ولكن لما ذكر استشهاد زوجها لم تستطع منع نفسها من النواح.

وجّه إلي قارئ وقارئة سؤالاً عن قصدي من عبارة (المرأة بحاجة لرجل يحتويها), فوعدتهما بالإجابة علناً ليستفيد الجميع, ومعنى يحتويها أنه بالإضافة إلى حبه لها ينبغي أن يكون أكثر وعياً وأنضج خبرة منها, فيتقبّلها كما هي, ويتغاضى عن عيوبها – المعقولة طبعا – ولطالما ذكرت أن القوامة حق للرجل لأنه يمثّل للمرأة الأبَ الذي تشعر في كنفه بالأمان, بينما تمثل المرأة للرجلِ الأمَّ التي تغدق عليه الحنان, ولكن قد تنقلب الآية بين زوجين يتبادلان الأدوار أحياناً أو دائماً, وقد علمتني الحياة أن فيها من الاستثناءات ما لا يمكن حصره وأن البشر في دواخلهم كمّ من التناقضات لا يمكن إحصاؤه.

قارئة شابة ذات تجربة أليمة في الحب أرسلت قولا لكاتب انكليزي أن الرجل يمكنه أن يحب أكثر من مرة أما المرأة فلا يمكن لها أن تحب سوى مرة واحدة, فأجيبها بأن كل مشكلة هي معلّم, ولا شيء يعلّم كالصدمات واهتزاز المشاعر, لكن يبقى السؤال الحائر: كم يجب أن نُصدم لنتعلم؟!

في العربية.نت علق أحدهم أن الحب يأتي مرة واحدة فقط وبعد ذلك تتكون لدى الشخص مناعة دائمة فلا يقع فيه, وهذا غير صحيح بل برأيي أن فيروس الحب له قدرة على التشكل بألف وجه عدا أنه كفيروس شلل الأطفال الذي يمر مر الكرام على كثير من الأطفال وإذا ترك إعاقة فهي في عضو واحد أما في الكبر فهو قاتل جدا, ولا أجد أجمل من هذين المقطعين للدكتور زكي نجيب محمود من كتابه "قصة نفس" لأختم بهما مقالتي:

1- سُُئل سوفوكليز – وكان قد تقدمت به السن: وماذا ترى الآن في الحب يا سوفوكليز؟ ألا تزال قادراً عليه؟ فأجاب: صه! نشدتك الله ألا توقظه في قلبي من جديد, فكم يسعدني أن أراني قد فررت من حبائله فأحس كأنما فررت من مستبد متوحش مجنون!

2- قلت للأحدب: وهل برد حبك اليوم بالنسبة لما كان عليه بالأمس؟

قال: لقد تغير نوعه, كان هيجاناً على السطح, فأصبح تغلغلا في الأعماق, كان كالشلال يقفز ماؤه فوق الصخور قفزاً أرعن لا يبالي أي الأحجار يفتّت وأيها يزحزح, فأصبح كماء المحيط العميق عندما يتبدّى للعين ساكن الموج وفي جوفه تيارات جوارف.

قلت: أصبت, ولعل هذه هي ميزات ما يسمونه بغرام الشيوخ, فهدوء في حركة الجوارح الظاهرة فلا اندفاع ولا جرأة ولا مغامرة, ولكن تآكل في الجوف وانهيار في الروح.

الوطن السعودية 22/5/2006

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |