الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) من يكشف ورع الأحياء ومقام الأموات؟!
 
 
 

في باب "أنا والفشل" وهو من الأبواب الثابتة لمجلة المعرفة التي تصدر عن وزارة التربية والتعليم وفي عددها الأخير كتب الدكتور مرزوق بن تنباك أستاذ الأدب بجامعة الملك سعود:(أخفقت مرة أخرى عندما تقدمت للدراسة في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وكانت كلية الشريعة هي طلبي والمحاماة غايتي, ولكن الشيخ الذي قابلني في الجامعة صوّب النظر إلي ثم فكر وقدر ورأى أنني لا أصلح طالبا في جامعته, وكنت حضرت مع زميل آخر أسبقه بمجموع الدرجات, فاهتم الشيخ وقبِله على الفور, فلما رأيت اهتمامه بصاحبي وانصرافه عني, طلبت من زميلي أن يسأله عن سبب الرفض, فالتفت إليه ولم يدار ذلك عني وقال: زميلك لا تظهر عليه علامات الورع فدعه يبحث عن جامعة غير جامعتنا).

لا أستطيع أن أخمن عدد السنوات التي مضت على حادثة الدكتور مرزوق, لكنها متكررة كثيرا وفي كل عام وفي كل كلية وجامعة, وهذه بعض أجزاء من رسالة وصلتني من أحد طلاب كلية الطب تؤكد على ذلك:(تذكرين قصة الطالب الذي رفضه مشرف الأنشطة وقَبل آخر في نفس اليوم, ذكرت ذلك في رسالتي السابقة فالطالب هو أنا, والسبب هو أن زميلي ملتحٍ وأنا لست كذلك؛ والأنشطة الطلابية عندنا يكون المسئولون عنها سواءً أطباء أو طلاب هم من الملتزمين لأن فيها مكافآت إضافية؛ وزميل آخر ملتح – طبعاً - ساعدته شخصيته الشكلية في أن يتجاوز امتحان إحدى المواد حيث يعرفه الدكتور الذي امتحنه والدكتور طبعاً من نفس الشخصية ولم يترك فرصة للدكتور الآخر أن يطرح على الطالب الأسئلة, وهذا ما أخبرني به الزميل نفسه, وزميل آخر لم يتجاوز الامتحان لأنه عمل (  (percussion- يعني قرع بطن المريض -  وكان في يده خاتم مما جعل الدكتور يشدد عليه في الأسئلة طبعاً لأن الدكتور ملتزم بهيئته وأصبح الطالب قبل كل امتحان ينزع الدبلة, وأنا الآن قبل الامتحان السريري بأسبوعين لا أحلق ذقني لأنه من الممكن أن يختبرني دكتور من هذه النوعية).

طبعا حكم اللحية يختلف من فقيه لآخر, فمنهم من يراها واجباً ومنهم من يراها سنة, وبعض من يراها سنة يعتبرها سنة تتبع العادة والعرف وليس سنة لها مردودها الإيماني, وممن يقولون بهذا الرأي الدكتور القرضاوي والدكتور البوطي الذي دافع في إحدى إجاباته عن الداعية عمرو خالد تجاه سؤال وجهه للبوطي أحد منتقدي خالد بسبب حلقه لحيته, فلم ير البوطي في حلق اللحية شيئا, وخاصة إذا كان هذا يسهل قبول الناس للدعوة والداعية في مجتمعه الأصلي, ومن المعلوم أنه في أغلب دولنا العربية التي انتهجت العلمانية – بشكلها المزيف طبعا – يحارب أولو اللحى؛ والمشكلة هي في انعكاس ذلك على مظهر بعض المقيمين الذين يفسحون المجال للحاهم لتنبت وتزدهر هنا في المملكة العربية السعودية, وبشكل يجعلهم أقرب إلى شكل الجماعات الإسلامية التي تبنّت العنف تجاه دولها, مما يستدعي الشك بقناعتهم بهذا المظهر وفيما إذا كان مجرد تظاهرة من تظاهرات رد الفعل اللاواعي تجاه ممارسات تتدخل بين الإنسان وبين عدد الشعرات في وجهه ببلادهم الأصلية!

المشكلة الأكبر أن بعض هؤلاء يتقنون استغلال طيبة المجتمع السعودي بشكل كبير, فلا تتوقف المظاهر عند اللحية بل إنهم يجبرون نساءهم على غطاء الوجه ولبس القفازات, وبمجرد الوصول إلى أرض الوطن ترفع هذه الشكليات فتحلق اللحى وتختفي الأغطية والقفازات السوداء بل والعباءات, ربما لاعتقادهم أن هذا التمترس خلف بعض المظاهر الدينية يفتح لهم باب الاندماج واسعا, وأنا بالطبع لا أقصد هنا بعض المقيمين في مناطق اعتاد جميع نساؤها على هذا الزي كالقصيم مثلا, بل أقصد مناطق مثل جدة حيث يتساوى تقريبا عدد من يكشفن وجوههن بعدد من يغطينها؛ لأن الاندماج الحقيقي في بلد الإقامة لا يتطلب هذه التمظهرات بل من الممكن الاندماج في أي مجتمع شرقي أو غربي, مسلم أو غير مسلم, إذا كنت تحبه وتشعر بمسؤوليتك تجاه أهله وكأنهم أهلك؛ عدا أنه من المثير للاستياء أن يُستهلك الدين فيتحول إلى وسيلة لغاية دنيوية!

أما ما لا يمكن السكوت عنه فعلا, فهو عندما تكون تغطية الوجه وكشفه, وإرخاء اللحية أو حلقها, موضوعة في خلفية عقل المسؤول الإداري أو من يشغل أعلى الهرم في الإدارة, فيقوم برفع منصب الملتحي أو إعفاء من غطت وجهها من الدوام أو بعض ساعاته, بحيث ينقسم أي مجتمع عامل لفريقين: فريق يتغيا الدين ليصل إلى مكتسبات لا يحلم بها الفريق الآخر؛ وقد يحصل العكس عندما يكون المدير بعيدا عن الدين, فهو ينطلق من أحكام مسبقة أن هذا الملتحي أو تلك المغطية لا يفقهان شيئا من أمور الدنيا, وأن مكانهما المسجد والبيت وليس سوق العمل, وهكذا تضيع الجهود ويسترخي الطموح.

إذا تجاوزنا الأحياء إلى الأموات فإننا كثيرا ما نسمع تزكية بعض من فارقوا الحياة للتو على ألسنة أحبائهم, ولا مانع من تزكية مقرونة بشهادة على عمل صالح مثل مواظبة على الصلاة أو إيتاء الزكاة أو رعاية الجيران والأيتام والضعفاء وما شابه, فهذا من حق الميت لحديث:(اذكروا محاسن موتاكم), لكن ما يرفضه العقل السليم والتدين السوي أن تتحول هذه الشهادة إلى توغل في تقدير مكانة هذا المتوفى عند الله, فهو ولي من أولياء الله برأي بعضهم لذلك انحرف التابوت عن مساره بالناس, وقد يكون الانحراف لأن بعض من أمسك بنعش الميت ليس لديه المرونة الكافية للتوجيه فأصر على الشد والجذب فأرخت له الأطراف الأخرى, ولم يكن من السذج إلا أن استنتجوا المكانة العالية للميت عند الله! ومثل ذلك ما يقال عن شم ريح كالمسك من جروح القتلى في معارك معينة, غالبا قتلى أفغانستان والعراق, مع أن الحديث الشريف يوضح أن ريح المسك يفوح يوم القيامة وليس يوم المعركة, وعلى العكس من التزكية الشمية تأتي التعمية البصرية, وكان آخر الخزعبلات صورة الشاب الميت الذي احترق جسده وابيض شعره من هول عذاب القبر, وقد أحسن الشيخ الدكتور محمد النجيمي إذ نبه أن هذه إحدى الحيل التي يستخدمها الإرهابيون لتجنيد المزيد من الشباب ضمن صفوفهم.

مما يستشهد به في هذا المقام حديث خارجة بن زيد الأنصاري عن والدته أم العلاء وكانت قد بايعت النبي عليه الصلاة والسلام فأخبرته أن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه في السكنى – أي خرج لهم في القرعة - قالت أم العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون فاشتكى فمرضناه حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه, دخل علينا رسول الله عليه الصلاة والسلام فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله, فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام: ((وما يدريك أن الله أكرمه؟)) فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله, فقال رسول الله:((أما عثمان فقد جاءه والله اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به)) قالت: فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا, وأحزنني ذلك قالت: فنمت فأريت لعثمان عينا تجري فجئت إلى رسول الله  فأخبرته فقال:((ذلك عمله))). وأبو السائب كنية عثمان بن مظعون رضي الله عنه, وفي رواية أخرى أنه لما توفي عثمان كشف النبي عليه الصلاة والسلام الثوب عن وجهه وبكى بكاء طويلا وقبل بين عينيه فلما رفع على السرير قال:(طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها), فقد تكون أم العلاء الأنصارية تأثرت بموت أخاها المهاجري عثمان بن مظعون وزاد تأثرها ببكاء الرسول عليه؛ لكن الفرق بين شهادة الرسول عليه الصلاة والسلام لعثمان وشهادتها له, أن الرسول يتحدث عن رأيه في عثمان وحياته وزهده, أما أم العلاء فكانت تتحدث بما ليس لها به علم وهو مكانته عند الله التي لا يعلمها إلا الباري عز وجل.

وصلتني مؤخرا رسالة الكترونية من شاب عربي واعٍ من خارج المملكة يتابع مقالاتي ويرى فيّ ما لا أرى عشر معشاره في نفسي, مما يدل على طيبته وربما على أمله أن يرى بصيص ضوء من أي ممن سبقوه, وحوت رسالته الأخيرة عنوان موقع لأحد المعالجين بالقرآن ووصفه بأنه رباني, ولما سألت عن ذلك الرجل علمت أنه يسير في نفس اتجاه السيدة مريم نور التي لا يجرؤ أحد أن يصفها بالربانية خاصة أنها لا تعلن عن دينها, فكتبت لذلك الشاب مصححة: (لا أعلم أن هذه الصفة "رباني" يستحقها أحد في هذا الزمن الذي تاجرنا فيه بكل شيء حتى بالقرآن!)

ولأكمل عبارتي لا بد أن أذكر قصة تلك الطبيبة الغربية التي تعالج مرضاها بسورة الرحمن بصوت عبد الباسط عبد الصمد دون أن تخبرهم أنه كتاب المسلمين المقدس, ويظهر عليهم التحسن مع مداومتهم على عيادتها للإصغاء رغم أنهم لا يفهمون حرفا واحدا مما يسمعون, فإذا كانت هذه الطبيبة غير المسلمة تعالج مرضاها غير المسلمين بالقرآن, فمن الحري بنا أن نكف عن كشف مقام شخص أو تزكية آخر, لأن الله أمرنا فقال جل من قائل:(فلا تزكوا أنفسكم.. هو أعلم بمن اتقى).

الوطن السعودية 8/5/2006

 

   
 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |