|
في مقالتي السابقة استعرضت شيئا من الأخطاء التربوية التي تعرض لها زاهي الجبالي في
طفولته؛ وقد قرأت النقد الذي وجّهه أحد القراء في عدد الوطن الصادر يوم السبت
15/4/2006 لكل من الكاتبين حمود أبو طالب وعبد الله المطيري اللذين كتبا عن هذا
العمل, ولم يلتفتا إلى الطفولة القاسية التي مر بها زاهي الجبالي, فهنا يحسن تذكير
القارئ المنتقِد بأن المساحة المخصصة لأي مقالة لا تسمح باستعراض كل الأفكار
الممكنة حول أي عمل, ويكفي أن تأتي مقالات الكتاب مكملة لبعضها بعضا مع أقل تكرار
ممكن, علما بأن لكل منا الحق أن يعرض فهمه واستيعابه لأي عمل من وجهة نظره الخاصة
في صفحة الرأي؛ وأما ما ذكره القارئ من أن الكاتب عبد الله ثابت روّج لكتابه بأن
ألصق به مسمى الرواية, فهذا غير صحيح لأنه كتب في المقدمة:(هذا عمل اجتهدت ألا
أصنفه), وعلى هذا فإن ثابت لم يصنف العمل على أنه رواية, ومن المتوقع أن دار النشر
هي التي قامت بالتصنيف لأسباب لا تخفى على خبير بخفايا النشر.
على كل حال فإن قارئين آخرين علقا – عبر بريدي
الالكتروني - على مقالتي مشكورين, كلاهما اعتقد أني
تجنّيت على الأخ الكبير في العائلة, مع أنني لم أعمّم
حكمي على جميع الإخوة الكبار بل ذكرت كلمة (غالبا) في
سياق الفقرة الخاصة بفكرة الخطأ التربوي الذي وقع على
زاهي الجبالي في فترة المدرسة الدينية؛ ولأني أتوقع أن
القارئين الكريمين لم يقرآ الرواية لأنها لم تُفسح
إعلامياً بعد, فلا بد أن أوضح أن الطفل زاهي تعرّض
لخدعة كبيرة من أخيه الذي كان مؤدلَجا – إسلاميا - في
تلك الفترة, فقد كان والد زاهي يريد أن يضمّه لأخويه
الآخرين في مدرسة عادية, ولم يصغ للحجج الواهية للأخ
الكبير لأن الوالد (كان يخيفه أن يصبح هذا الطفل
الصغير مثل أخيه, أن يصير متدينا مؤذيا) فماذا فعل
الأخ الكبير مع زاهي؟ (ما كان من أخي إلا أن اختلى بي
وأخذ يرغبني في هذه المدرسة:(ستحفظ القرآن وتصير شيخا
كبيرا, يحبك الناس ويطلبون منك أن تدعو لهم.. بالمدرسة
الكثير من الألعاب والمرح والمال.. سأعطيك كل ما تريد
لو طلبت من أبي أن تكون بهذه المدرسة) وخضع الطفل
للإغراءات وخضع الأب بدوره لرغبته, لكن ما إن مرت
السنة الأولى عليه في تلك المدرسة المتشددة حتى أدرك
الفخ الذي نصبه له أخوه الكبير دون قصد؛ على سبيل
المثال عاقب المدير طفلا لأنه أتى لابسا بنطالا ولم
يلبس الثوب, وكان العقاب:(جلده ببشاعة.. كان يمسكه
بفروة رأسه ثم يرنّحه يمينا وشمالا ويقول له: ستكون
رجلا رغما عنك.. لا تلبس لباس الكافرين هذا!) وقد عبّر
زاهي عن صدمته الطفولية بهذه الجملة:(كل كلمات أخي عن
اللعب والمرح وطريق الجنة والسعادة تتحول إلى أشباح
مخيفة لها أنياب حادة تنظر إلي وتقهقه)؛ كما تعرض زاهي
إلى الضرب من أستاذ الرسم لأنه رسم فراشة, صارخا
به:(إن رسم ذوات الأرواح حرام) ويعلّق زاهي
بعبارته:(أمرني أن أرسم المساجد والكعبة والقدس التي
كنت أحبها, وهو فقط من نزع حبها من قلبي).
أمام مدرسة من هذا النوع لا بد للطفل أن يتحول إلى
كتلة كرهٍ لها ولكل من فيها, وبما أنه مجبر على الذهاب
إليها فقد حاول –كطفل – أن يخدع أهله ويمثل دور
المريض, ولما اكتشف والده خدعته أخذه إلى المدرسة
لتُمارس عليه خُدع الكبار, وما أقساها إن كانت موجهة
لطفل عاجز, فحين بلغ زاهي المدرسة مع والده طلب الأخير
من المدير أن يضربه لأنه تصنّع المرض, فسأله المدير عن
هذا, وعندما حدّث زاهي بالصدق لعله يشفع له هذه المرة,
غمز والده مدير المدرسة ومضى, وبعدها نقرأ هذه العبارة
الأليمة:(ساعة يرى أحد ما مؤامرة تدبّر ضده هكذا في
العلن, ولبالغ صغره وضعفه, لا يملك غير النظر
والانتظار فإن داخله يتهاوى. يتساقط قبل أن يمسه من
تآمر عليه.. لا أعنف أن يتداعى البنيان من داخله) ثم
يقص زاهي ما تعرض له يومها من عذاب نفسي وجسدي كان
أشبه ما يكون بالتعذيب على طريقة سجن أبو غريب؛ مما
جعله ينتقم من الكبار بحيلة الإسقاط النفسي للعنف على
أغنامه التي يرعاها بعد انتهاء اليوم الدراسي فيضربها
ويشتمها ويحمّلها سبب حرمانه من اللعب كأنداده الصغار,
ثم يبكي بكاء حارا؛ والسؤال المطروح هنا: كيف لهذا
الطفل ألا يهتز الإيمان بكل شيء في داخله؟ لذلك أعتقد
أن القارئ – الذي أشرت إليه في البداية- لم يكن محقاً
بانتقاده كلمات زاهي التي أشار فيها إلى كرهه لكل ما
يتصل بالسماء وقتها, فزاهي كما يتبين لنا من خلال
تتابع الأحداث لم يعد يكره السماء, لكنه يربط الأسباب
بالنتائج في طفولته, وعندما يقدَّم الدين للطفل بهذا
الشكل المعتسف فكيف يمكنه أن يفرق بين الدين وبين من
يظلمه باسم الدين؟!
هنا أكمل ما وعدت القراء به في مقالتي السابقة عن
دراسة تحوّل ذلك الطفل الصامت المشع إلى صبي متمرد,
وذلك في المرحلة الإعدادية حين انتقل إلى مدرسة عادية
ولكنه مارس أقصى ضروب اللهو والحرية وكأنه يعوّض عما
كان يفتقده, لكن هذا التعويض كان مَرَضيا حتما وهو ما
أقرّ به زاهي قائلا:(بعد وقت من التحرر من الرعب
والخوف كانت قد تكونت بداخلي الكثير من النقائض, وهذه
نتيجة حتمية لما تردد بداخلي من العالمين النقيضين:
عالم الرهبانية والعصا والمخاوف والكراهية, ثم عالم
الحرية واللهو! لقد كانت نقائض لا تنتهي, فأنا العابد
حينا والفاسق حينا آخر, وأنا الناسك والمجاهر, والطيب
والمعتدي, والفاضل والسافل, والمنضبط والعبثي, هذا ما
انعكس على تعاملي مع الحياة واقعا وشعورا) ثم يتابع في
صفحة تالية قائلا:(لقد كانت مرحلتين متناقضتين في كل
شيء, ولا يوجد بينهما سوى أنهما تصطرعان في نفس
واحدة.. هل كان هذا ممتعا أم مؤلما أم مضحكا؟!)
وإجابتي الشخصية على هذا السؤال: إنه مؤلم إلى أبعد حد
أن ترى صبيا يدخل مرحلة المراهقة حاملا معه كل هذا
العنت الناجم عن أخطاء الكبار في التربية, فكيف كان
تأثير ذلك على المرحلة التالية؟
دخل زاهي المدرسة الثانوية وزادت ضغوطات الأهل عليه
لقمعه ومراقبته وحمايته, وازدادت معها رغبته في الهرب
من جحيم أسرته, وكأي مراهق يعاني من الشعور بالنبذ
وعدم الانتماء لا بد أن يبحث عن مأوى لذاته وجروح
روحه, وغالبا ما يجد هذا المأوى في جماعة الأصدقاء,
ولقد كانت جماعة الأنشطة الدينية في المدرسة الثانوية
خير ملجأ لزاهي, فقد كلّفت أحد الطلاب بسحبه إلى
داخلها, ومفردة "سحبه" هي التي اختارها زاهي للتعبير
عن ضمه للمجموعة بدهاء, فالطالب الذي كُلِّف بتلك
المهمة يمتلك سيارة رغم صغر سنه نسبيا, ويعرف من أين
تؤكل كتف زاهي الذي يريد أن يشعر باستقلاله كإخوته
الأكبر منه سنا, فيدعوه للخروج معه بسيارته, وهكذا
بدأت قدم زاهي تغوص في رمال تلك التجربة الجهادية,
ويتحول المتمرد بداخل زاهي إلى شخص مطيع يندمج
باهتمامات الجماعة بكل ما أوتي من طاقة وإشعاع؛
والإشعاع في الروح كالطاقة النووية يمكن استخدامها في
الأغراض السلمية كالكهرباء والمعالجة الطبية, ولكنه
أيضا يمكن أن يكون سلاحا مدمرا على مستوى العالم,
ولقد تحول زاهي الجبالي عبر هذه المجموعة إلى قنبلة
موقوتة لولا أن يد العناية الإلهية امتدت له لتنشله من
تلك المجموعة, رغم أنها امتدت على شكل محنة قوية هزت
كيانه وهزت علاقته بالمجموعة إذ اتهمه بعض أعضائها في
شرفه وأخلاقه بسبب الغيرة والحسد الذي ملأ قلوب
أصدقائه من تفوقه.
لم تستطع حياة القسوة والمعسكرات الجهادية التي كانت
جماعة زاهي تقتات عليها, أن تنتزع منه الحساسية
والنبل: (إذا نزل المطر ليلا أو نهارا أروغ عن أعين من
أكون معهم, لألجأ إلى شعب من الشعاب أو واد من
الأودية, فأكشف رأسي, وأسجد لله تحت المطر حتى يكف,
وطالما تعرضت لنزلات البرد والحساسية, وأنا منتش بهذا
الجو, وبقيت زمنا طويلا أكتب تحت اسمي في كل شيء
أوقعه: وحدي أعرف رائحة المطر). وفي مرة أخرى تُمسك
الجماعة المتشددة بشاب وتسجنه في مكان قذر لأنه يستمع
إلى الموسيقى, فيطلب منهم زاهي أن يتركوه له ليتفاهم
معه, ثم يفتح له باب الحمام القذر ويخرج الشاب باكيا؛
فهل يمكن لمن يحمل هذه الروح الحساسة أن يصبح إرهابيا؟
هل يمكن لمن يلتصق بالأرض وتزكم أنفه رائحة المطر أن
يستمر في نكران الوطن بالإنكار على من ردّد النشيد
الوطني لأن فيه موسيقى, كما كانت أفكار تلك الجماعة
المشبوهة؟
تكررت المواقف التي أشعلت نار التساؤلات في ذهن زاهي
لتخرجه من أيديولوجيات مشوهة للدين الحقيقي, ليدخل بعد
ذلك مرحلة الإيغال في عمق الذات فيكتب:(الموغلون في
عمق ذواتهم وحدهم من يملكون القدرة على تسجيل بصمة
خاصة.. ثمة من مكث أربعين سنة يغوص لعمقه الشخصي, يفتش
عن كل ما يتم بصمته: السفر, تعلم علوم الأولين,
السؤال, رفض سائد قومه, روحانياته الخاصة, الليالي ذات
العدد, إلخ, ومن كل هذا البحث الدقيق عن ذاتيته ارتسمت
أخيرا بصمته وصار حينها مهيئا ليغير تاريخا كاملا, ما
زالت الملايين في هذا العالم ترتب حياتها على ضوء
حياته, إذاً فعلى الإنسان أن يكتنز بطاقته أولا حتى
يتمكن من الإشعاع, الإشعاع الذي ينفث ضوءه في عروق
الزمن).
الوطن
السعودية 17/4/2006 |