|
أعتقد أن رواية "الإرهابي 20" أصبحت في غنى عن التعريف, , وبطل القصة هو زاهي
الجبالي الذي كتب عنه المؤلف المبدع عبد الله ثابت في المقدمة أنه كان احتمالا
أكيدا أن يكون إرهابيا يكمل قائمة التسعة عشر الذين قاموا بعملية 11سبتمبر؛ وإذا
كان بعض كتاب الوطن تناولوا الرواية في الأسبوع الماضي من وجهة نظر متقاربة لأخذ
العبرة منه في كيفية تحوّل شخص حساس كزاهي الجبالي إلى إرهابي بسبب محاضن التربية
المتشددة بعيدا عن أعين الأهل, فإن ما سأكتبه في هذه المقالة سيكون مختلفاً حيث
سأركز على أنماط تربوية خاطئة عانى منها زاهي وهي تسود مجتمعاتنا العربية كلها وليس
مجتمعه فقط, وقد أستشهد بشيء من طفولتي لتأكيد وجهة النظر هذه؛ علماً بأني وجدت
الكثير من النقاط المشتركة بيني وبين زاهي والتي لا أود التحدث عنها حالياً اتباعاً
للمثل الغربي:(أعط وقتاً للوقت فكل شيء يأتي في حينه), وكي لا تذهب الظنون ببعض
القراء بعيدا فالمشترك الأعمق هو فترة التشدد التي مر بها زاهي خائضاً غمار الحركية
الممزوجة بالتصوف والزهد, وإذا كانت تجربة زاهي تعود لبداية التسعينيات تقريباً
فبحكم أني أكبر منه عشر سنوات على الأقل فقد كانت تجربتي كشخصية متشددة في بداية
الثمانينيات؛ ولكل تجربة في حياتنا طعمها المتفرد وبصماتها الواضحة في أرواحنا, ومن
أدرك أسرار الحياة علم كيف يقلب الليمونة الحامضة شرابا حلوا وكيف يفهم كل معاناة
مر بها أنها قدر من الله لزيادة رقيه الروحي وشفافيته الداخلية؛ وعلى كل حال فإن
هذا التشابه يدفعني إلى أن أشير إلى جملة رائعة قالها زاهي وهي:(سأحب كل الذين
يشبهونني أو يتذكرون من خلالي شيئا, وسأغفر لكل الذين يلعنونني ملء صدورهم).
يحكي لنا في البداية زاهي الجبالي عن الطبع الفطري
الذي غلب على البيئة التي أحاطت به في طفولته, فالناس
هناك عاطفيون إلى أبعد درجة فإذا أحبوا أحبوا حتى
العظم وإذا كرهوا كرهوا حتى العنف؛ يقول:(إذن فهكذا هي
الطباع هنا.. إما رقيقة إلى درجة الفداء وتمنيه
للآخرين, وإما حادة إلى درجة السحق والإهلاك, نفوس
كالأرض التي تسكنها) وأفهم من هذه العبارة أن طبيعة
الهواء الجبلية تجعل الناس رقيقين جدا بينما ارتفاع
الجبل بحد ذاته هو سبب العنف المتوارث في البيئة
الجبلية, وتذكرني هذه العبارة بأهل الجبال في سوريا
ولبنان, وبالأخص لبنان فمن يعرف الطبيعة الساحرة هناك
حيث يلامس الغيم رأس المرء في أحيان كثيرة, وحيث
الخضرة الداكنة والدائمة لأشجار الأرز وغيرها لن
يستغرب كيف ولدت كل تلك الرقة التي تمثلت بالموسيقا
والميجانا والأصوات الرائعة – قديما – ولكنه لن يجد
تفسيرا للسواد الذي ترتديه النساء حزنا على أمواتهن
طوال العمر إلا إذا علم أن بيوت بعض المناطق الجبلية
كإهدن وزغرتا لا تخلو من قتيل بسبب مشادة أو ثأر وما
شابه, ومن هنا اشتقت التسمية (زغرتي) يعني "القبضاي"
أو الشجاع الذي لا يهاب.
من المشتركات بيني وبين زاهي أنه الأصغر بين الصبيان
وكنت الصغرى بين الفتيات, وأنه كان طفلا هادئا كثير
الصمت, وكذلك كنت, ربما هي صفة تراود الأصغر دائما إذا
كان ذكيا حساسا, وذلك محاولة منه أن يمكّن عقله الصغير
من فهم تناقضات الكبار؛ وكان زاهي أقرب للبنات ومن هنا
جاءت حساسية زاهي والحساسية يصفها علماء النفس أنها
خاصية أنثوية, بينما يصنفون الاستقلال على أنه خاصية
ذكورية؛ ولذلك فإن هاتين الصفتين اللتين اعتدنا أن
نعيب وجودهما إذا اختلطا بين الذكور والإناث, كأن نقول
عن الطفل الذكر إذا كان عاطفيا ومرهف الحس أنه
كالبنات, وهو ما عانى منه زاهي, كما نعيب على الطفلة
الأنثى استقلالها فنقول عنها أنها عنيدة كالأولاد؛
هاتين الصفتين إذا اجتمعتا في طفل أو طفلة فهما مؤشر
لإبداع في المستقبل؛ فكم مواهب قتل السابقون في
أولادهم؟ وهل سيتوقف نهر الأحزان أم أن الحبل على
الجرار – كما يقال – وستتكرر مشكلة زاهي في إرهاف حسه
دون أن يتقبل المحيطون به هذه الصفة لأنه فقط وُلد
ذكراً؟
ربما يُعذر الآباء السابقون في عنفهم تجاه أطفالهم,
فقد كان الاستبداد طابعا مسيطرا على ثقافة المجتمعات
العربية, مضافا إليه صعوبة الحياة بشكل عام وقلة
الموارد, كما كانت شخصية سي السيد هي المتعارف عليها
بين العائلات, ومن النادر أن يرى الأولاد آبائهم
ضاحكين إلا في وجه الضيوف؛ وعندما يتكلم الكبار يجب أن
يخرس الصغار, وإلا فإنهم عديمو الأدب ويحتاجون
للتربية؛ ولكن إذا أردنا أن نستفيد من أخطاء من سبقنا
فيجب أن نؤكد مرارا وتكرارا أن الأساليب العنفية لم
تعد تجدي في التربية, فإما أن نصغي لأولادنا ونحاورهم
ونشعرهم بحبنا واحترامنا لهم, وإما فإن عيونهم التي
تفتحت على الديموقراطية – ولو بثمراتها غير الناضجة –
وأرواحهم التي حلقت في فضاء الانترنت وما وراءها من
عوالم ثقافية أخرى ستسحبهم منا إلى حيث لا يمكننا
استرجاعهم أبدا.
أعتقد أن من العنف الذي كان يخضع له الأطفال هو عملية
الختان في عمر متأخر ليحتفل الأهل بأن الطفل الذي بلغ
السادسة من العمر أصبح رجلا ولا يخاف من الألم؛ ولا
أدري إن كانت هذه المفاهيم ما تزال موجودة في بعض
البيئات العربية أم لا, ومن خلال خبرتي كطبيبة فإن
غالبية الناس الذي يراجعونني يحرصون على ختان أولادهم
بمجرد أن تقع بقايا الحبل السري, وهذا إن دل على شيء
فإنه يدل على وعي الأهل بتجنيب الطفل صدمة الخوف
والرعب وما يرافقها من ألم ومرض والتهاب في الجرح؛
ولكن الوعي في مجتمعاتنا ما زال مقتصرا على الناحية
الصحية أما على النواحي الأخرى الاجتماعية والتربوية
فما زال غائبا أو متجاهَلا؛ وقد قص علينا زاهي قصة
ختانه وإن كان قد أفسح مكاناً للسعادة من خلال الألم,
وهو الأمر الذي يدل على حال البيئة المحيطة وكيف كانت
فطرية وغير معقدة, يقول زاهي: (كانت نساء القرية
والأقارب والحي يأتين لزيارتي, ويقبلنني طويلا, ويضعن
بعض المال في يدي أو ملابسي أو تحت فراشي, ويداعبنني:
صرت رجلا وغدا تتزوج إحدانا).
الخطأ التربوي الواضح في تربية زاهي كان أسلوب السخرية
من الطفل إذا خاف أو تبول على نفسه, وليست أزمة أن
يفعل الطفل أي شيء فهو طفل, لكن الأزمة هي في ردود
أفعال الأهل وارتكاساتهم تجاه ما يفعله أطفالهم, فهذه
الارتكاسات تبقى في الذاكرة وقتا طويلا, وكثيرا ما
تنساح لتدخل في اللاشعور ثم تتظاهر في المستقبل بأخطاء
كارثية تنعكس على الولد وعلى أهله, ويا لتلك العبارة
الساحرة التي خطها زاهي:(ليس الخوف شرا كاملا, لكنه
مهما يكن ناقصا فسيظل كبيرا وقبيحا, وسيدفع بالإنسان
إلى مزالق لا نهاية لها, بداية يصير الآمن خائفا, ثم
ينتهي الخائف فاتكا وهكذا, وأول ما يفتك الخائف يفتك
بنفسه), ومشكلة الأطفال الذين يخافون أنهم سيفتقدون
الأمان في عائلاتهم ولذا فإنهم سيبحثون عنه خارج
منازلهم, وعندما يجدون ملجأ مناسبا يتقاسمون معه أي
مصلحة فقد يظنون أنهم وقعوا على ملاذ آمن, ثم تظهر
الحقيقة بعد أن يقع الفأس بالرأس كما هي تتمة قصة زاهي
الجبالي عندما كان دائم التمرد والهروب بعد أن كان ذلك
الطفل الهادئ كثير الصمت ذا الروح المشعة, كما وصف
زاهي نفسه وهو الوصف الذي استوقفني كثيرا, لأفهم منه
معاني كبيرة مشعة أيضاً قد أمنح شيئا من بريقها للقارئ
في مقالة تالية.
من الأساليب التربوية الخاطئة التي تعرض لها زاهي هي
إصرار أخيه الأكبر أن يدخله مدرسة دينية, وذلك لأن
الأخ الأكبر كان مؤدلَجا في تلك الفترة ويريد أن يُخضع
زاهي لتجاربه الخاصة, والمشكلة أن يُشرح الدين للطفل
بهذا الشكل المرعب, عن عذاب القبر والنار التي سيشعلها
الله في أجساد الأطفال الذين يخالفون تعليمات المدير
ذي العصا التي تشعل النار في أجسادهم في الدنيا قبل
الآخرة؛ وهذا يجعلنا نستنتج بأنه إذا كان للإخوة
الكبار في العائلة معاناتهم الخاصة بحكم المسؤولية
التي يلقيها الأهل على كواهلهم مبكرا, فإن الإخوة
الصغار لم يكونوا غالباً إلا فئران تجارب في معامل
الأخ الكبير!
مع ذلك فإن من أجمل ما قصه زاهي عن طفولته هو ذلك الحب
الذي نما بينه وبين ابنة الجيران والتي كانت تؤدي معه
دور الزوجة ببراعة وبراءة فتنادي أولادها الوهميين
ليقبلوا يد والدهم الذي عاد من السفر, والجميل أن
عائلة زاهي وعائلة الطفلة تقبلتا هذه العلاقة بكامل
الأريحية, وما حدث لزاهي ذكرني بطفولتي عندما أحبني
أحد الأطفال فعابوا عليّ الحب, وقد كتبت تلك القصة
الجميلة بعنوان:(لا تسألوني ما اسمه حبيبي!) وأدعو
القراء الكرام لمطالعتها عبر موقعي الشخصي.
الوطن
السعودية 10/4/2006 |