|
(ومن العطر ما قتل) عبارة جديرة بأن تكون عنواناً لتداعيات الخبر الذي ورد في صحيفة
الوطن بشكل يومي على مدى الأسبوع الماضي كله, وفي يوم الأربعاء ذُكر ارتفاع ضحايا
"الكولونيا" بالمدينة والطائف إلى 14 وفاة و20 إصابة, وأما يوم الخميس فقد أورد
الخبر انضمام ضحايا آخرين من مدينة الرياض, وبالطبع فإن من لم يقرأ الخبر أو من
يجهل الأخبار السابقة والتي كانت تتردد بشكل يومي تقريباً عن مداهمة رجال الأمن
لأوكار بعض العمالة الوافدة وضبط آلات وأدوات لتصنيع الخمور - غالبا المغشوشة -
فإنه لن يخطر بباله أن الإصابات نجمت عن شرب الكولونيا وليس عن استنشاقها أو
استخدامها كمطهر أو معطر, فمن يصدِّق أن هذا يحدث في خير بقاع الأرض؟ أصارح القراء
الأعزاء بأنني رغم كل الرحمة التي أحبّذها في التعامل مع العصاة فإنني لا أتمتع
بنفْس النفَس التسامحي مع قاطني مكة والمدينة, ومن المعلوم أن الذنب في إحداهما ليس
كالذنب في غيرهما, فهذا هو منهج ديننا الذي يعلمنا أن نحترم المكان والزمان وأن
نكون متوازنين بين العقل والعاطفة وبين الدين والدنيا.
المثال السابق هو نموذج لعدم احترام المكان ولكنه أيضا
نموذج لفقدان التوازن في التربية والثقافة؛ وإذا علمنا
أن أعمار الأشخاص الذين استعملوا تلك الكولونيا تتراوح
بين العشرين والأربعين إضافة إلى واحد فوق السبعين لا
بد أن تُطرح بعض أسئلة مثل: ما الذي دفع هؤلاء الأشخاص
إلى استعمال مادة مسكرة "منيلة بستين نيلة" على قول
إخواننا المصريين؟ ما الإغراء الذي يكمن في مادة سيئة
الطعم حارقة اللذع مطهرة للجروح لا للأمعاء ومعطرة
للجسم لا للعقل؟ الجواب باعتقادي يتحدد في أنه السعي
بحثاً عن النشوة, فللخمر في بداية إسكارها نشوة ناجمة
عن تغير انطباع الشخص حول المحسوسات التي تحيط به,
إضافة إلى منحها قوة مخاتلة ناتجة عن إضعافها للمدركات
العقلية, مما يجعل مستعملها يجد في نفسه جرأة غير
معهودة غالبا ما تترافق مع فقدان الحياء الاجتماعي,
وبالطبع فإن هذه التأثيرات تختلف باختلاف الثقافة
والبيئة والعمر؛ على سبيل المثال الخبر الذي ساقته
"الوطن" سابقاً عن مراهق سعودي في البحرين نزل إلى
الشارع بعد استعماله الخمور التي وجدها في الفندق,
فكان أول ما حاول "إمتاع" الناس به رؤيتهم لعورته
فكشفها وظن بعض المارة أنه يريد التبول لكنهم تفاجئوا
بأنه سكران فقد حياءه, والحياء من الإيمان كما قال
المصطفى عليه الصلاة والسلام, والإيمان يُرفع بغياب
العقل, وبالتالي فإن غياب العقل جزئياً أو كلياً يعني
غياب الحياء جزئياً أو كلياً, ولا يقتصر الأمر على كشف
العورة كحالة ذلك المراهق بل إن كثيراً من الناضجين
عمراً قد يكشفون كثيراً من أسرارهم نتيجة استعمالهم
للخمر, والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى عمن نطق تحت
تأثير الخمر بأمور أدت إلى تدمير حياته الخاصة
والأسرية تحديدا بل وحياته العملية أيضاً.
إذا عدنا لضحايا الكولونيا – وهذا الوصف "ضحايا
الكولونيا" مجازي ريثما نجد المجرم الحقيقي هل هو
الكولونيا أم الثقافة – فإن هذه المادة العطرة لا تسبب
التأثير الدماغي المطلوب لأنها لا تحوي الكحول
الإيتانولي الموجود عادة في الخمور المعتادة, بل تحوي
مادة الكحول الميتانولي وهو مادة سامة للدماغ والكلى
والكبد بشكل حاد, وهذه الأعضاء يطلق على الأنسجة
المكونة لها اسم الأنسجة النبيلة؛ على عكس الإيتانول
الذي يؤدي إلى تسمّمها بشكل بطيء ومزمن, وهكذا فإن
التسمم الحاد بالميتانول لدى هؤلاء الأشخاص أدى إلى
الوفاة نتيجة تثبيط الجهاز العصبي المركزي والشلل
التنفسي, ومن كان حظه أفضل – ربما - فقد أصيب بفشل
كلوي أو اضطراب بصري انتهى بالعمى, والمشكلة أن كل هذه
النتائج الوبيلة يجهلها الكثرة ويعلمها القلة فما
السبب؟
السبب هو ثقافة المنع لا المناعة, فكم هو عدد الآباء -
مثلا - الذين ناقشوا هذه الخبر وأمثاله مع أولادهم؟
أذكر أني كنت في مراهقتي مغرمة بالأدب العالمي وقد
امتلأت قصصه بحكايا الخمور ومنها الخمور السيئة التي
يشتريها العمال والفقراء في البلدان الغربية أو روسيا
طلباً لنسيان الهموم وتقليداً للأغنياء في سكرهم
وعربدتهم, وهذا التقليد هو مرض ثقافي أيضاً سأتعرض له
لاحقاً لأنه شكل سبباً لوفيات من نوع آخر في الأسبوع
الماضي أيضاً؛ ومع ذلك فليست معرفة تأثير الكحول
السيئة مبرراً لاستعمال الخمر الأقل سوءا, فهي وإن كان
تأثيرها على الأعضاء لا يظهر إلا متأخراً وعلى المدى
الطويل فتؤدي إلى تشمع الكبد ودوالي المري التي قد
تنزف فجأة وتؤدي إلى الوفاة أو إلى العته المبكر في
الكهولة ناهيك عن الشيخوخة, والنسيان وفقدان التركيز
واعتلال الأعصاب المحيطي وغير ذلك من الأضرار التي لا
مجال لتعدادها هنا, فإن هذه المشروبات المسماة مشروبات
روحية في الأدبيات الغربية – في الكتب العلمية
المتميزة بالحيادية تسمى مشروبات كحولية- يمكن قياس
أضرارها على الجسد في المختبرات الصحية لكن هل يمكن
قياس تلوث الروح في أي مختبر؟ الخمر مباحة في الشريعة
المسيحية بناء على أن قليلاً من الخمر ينعش الروح
لكنها محرمة في الشريعة اليهودية, وفي الدين الخاتم
فإن ما أسكر كثيره فقليله حرام, فهل يعلم المسلم أي
درك سفلي يهبط إليه عندما يتخلى عن إيمانه وعقله
وحيائه؟ العقل نعمة من الله سبحانه لبني البشر تميزهم
عن الأنعام والبهائم, ومن لم يعرف نعمة الله بدوامها
فقد يعرفها بزوالها, لكن إذا تراجعت القوى العقلية
فكيف يمكن استعادتها؟ أما الصحة فإنها تاج على رؤوس
الأصحاء لا يراه إلا المرضى, وإذا كان بالإمكان زرع
كبد أو كلية أو قلب أو غيره فإنه من المستحيل زرع
الدماغ لأن الخلايا العصبية مميزة للشخصية ولكل منها
وظيفتها, وعندما كنت على مقاعد دراسة الطب حكى لنا
أستاذنا للأمراض العصبية قصة عمدة مدينة أمريكية تعرّض
لحادث سير أدى إلى نزف دماغي اضطر معه الأطباء إلى
استئصال جزء من الفص الجبهي للدماغ, وهو الفص المسؤول
عن الشخصية, وعندما تعافى من العملية عاد إلى مركزه
كعمدة للمدينة لكن أطواراً غريبة طبعت شخصيته الجديدة,
فقد كان يسرق الدجاج من مزرعة بعض الأهالي ويشويها
ليستمتع بأكلها على انفراد؛ طبعا كان هذا قبل رياح
أنفلونزا الطيور الهائجة!
أما ما أريد أن أكتب عنه كسبب آخر للوفيات في الأسبوع
الماضي وكنموذج لفقدان التوازن الاجتماعي فهو حمى
الأسهم التي انتشرت في المملكة انتشار النار في
الهشيم, ولم يعترض أحد على نيرانها رغم امتدادها في
طول المملكة وعرضها, وذلك لأنها أدفأت جميع المساهمين
والمضاربين, أما عندما تحوّل الدفء إلى حرائق فقد عمت
الشكوى ومات من مات وأصيب بالجلطة من أصيب, والخبر
الطريف المرافق شكوى بعض النساء من انشغال أزواجهن
بالأسهم لدرجة تقصيرهم بواجباتهم الزوجية, ولكن الخبر
الذي علمته - ربما- بمفردي من سيدة جلست إلى جانبي في
إحدى الرحلات الجوية الداخلية في إجازة عيد الفطر
الماضي أن زوجها المشغول عنها شغّلها بالأسهم الخاصة
بها, فانشغلت حتى عن طفلتها الوحيدة بمتابعة الأسهم
عبر الانترنت؛ وبما أنني لا أفهم شيئاً في البزنس
والاقتصاد والمال فإني أنقل للقراء الكرام تحليلاً
أعجبني وصلني من قارئ عزيز جاء فيه:(برغم ما أسميه
الانهيار في الأسعار فإنني أنظر إلى الأمور من ثقب أرى
خلاله الشمس, فمن عيوب ما جرى في سوقنا هو دخول جميع
فئات المجتمع فيه, مع احترامي لكل أصحاب المهن, ولكن
من الصعب جدا أن أرى مدرسين وسائقي أجرة ورجال أمن
وموظفين بكل فئاتهم بات حديثهم وشغلهم الشاغل هو
الحديث في الأسهم, بل وأقدم بعضهم على ترك أعمالهم
وتفرغ للعمل في سوق الأسهم, بينما من الصعب علينا أن
نعمل جميعا في البورصة ولا يوجد من يعلم أبناءنا ويطبب
مرضانا؛ وبعملية حسابية بسيطة نجد أن عدد المتداولين
في السوق السعودي هم 3 ملايين شخص, ولو فرضنا أن
مساهمة كل واحد من هؤلاء الثلاثة ملايين هو عشرة آلاف
ريال لكان الناتج ثلاثمائة مليار ريال أي ما يعادل
قيمة كبيرة جداً من الحجم السوقي, ولا يعني هذا أن
الفرد أيا كان عمله لا يقوم باستثمار أمواله, وتأمين
دخل ثان له, ولكن توجد صناديق استثمارية تعطي عوائد
ممتازة, فماذا لو وضع المتطفلون على السوق أموالهم في
تلك الصناديق المعروفة بحرفية من يديرها ومدى ما حققته
من أرباح؟)
يختم المرسل تعليقه قائلا:(في كل أزمة مهما كانت
مراراتها فوائد كبيرة لتلك الأزمات, وأهم ميزات أزمة
الأسهم الحالية هو أن السوق ينظف نفسه بنفسه وسيكون
أكثر حرفية في الأوقات القادمة بعد خروج كثير من
المتطفلين من عمل صعب ودقيق كهذا), وأنا أختم مقالتي
بأن ما حصل هو نموذج للتقليد اللاواعي فالكل يبحث عن
الثراء السريع لأنه يريد أن يحيا, والحياة حق للجميع,
لكنها لن تكون حياة طيبة بدون توازن بين مصلحة الفرد
ومصلحة المجتمع, وبدون توازن في حياة الفرد نفسه بأن
يعطي كل ذي حق حقه كما علمنا المصطفى عليه الصلاة
والسلام, وبدون توازن بين الدين والدنيا كما علمنا
القرآن:(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس
نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك).
الوطن
السعودية 20/3/2006 |